قال أحد المحللين أنه بالإمكان تسمية خطاب نتنياهو القتالي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الإثنين “أفضل ما غنى”، إلا أنه كان للخطاب نغمة جديدة في نهايته.

يتضمن الخطاب بالفعل الكثير من الحجج والنقاط التي إستخدمها نتنياهو في الماضي: الخطر الذي تشكله إيران نووية، وإستخدام حماس للدروع البشرية في غزة، والنفاق في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وهلم جرا. حتى أن رئيس الوزراء أعاد تدوير بعض المصطلحات التي إستخدمها في الأسابيع الأخيرة، مكررا مقارنته بين حماس والدولة الإسلامية بأنهما “فروع من نفس الشجرة السامة”، وقال أن النازيين آمنوا بالعرق المتفوق في حين أن المتطرفين الإسلاميين يؤمنون ب”دين متفوق”.

في نهاية خطابه الذي إستمر لمدة 35 دقيقة، قام نتنياهو بشيء لم يفعله من قبل عندما توجه إلى “دول رائدة في العالم العربي”، مقترحا أن زيادة التعاون – والإعتراف الكامل والسلام في النهاية – قد تؤدي في نهاية المطاف إلى حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

وقال نتنياهو: “أعتقد أنه مع نهج جديد من جيراننا، بإمكاننا دفع السلام بالرغم من الصعوبات التي نواجهها”. مستندا على فكرة قام وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان بعرضها مؤخرا، قلب نتنياهو مبادرة السلام العربية رأسا على عقب. تابع نتنياهو قائلا: “ولكن قالب السلام القديم ينبغي تحديثه. يجب الأخذ بعين الإعتبار الحقائق الجديدة والأدوار والمسؤوليات الجديدة لجيراننا العرب”.

تعد مبادرة السلام العربية، التي أطلقها السعوديون في 2002، إسرائيل بعلاقات دبلوماسية كاملة مع جميع الدول العربية والإسلامية فور الوصول إلى حل في الصراع مع الفلسطينيين. يوم الاثنين، عكس نتنياهو التسلسل الزمني لهذه الفكرة: “ظن البعض لفترة طويلة أن بإمكان سلام إسرائيلي-فلسطيني تسهيل تقارب أوسع نطاقا بين إسرائيل والعالم العربي”، كما قال، وتابع، “ولكن في هذه الأيام أعتقد أن ذلك قد يعمل بصورة معاكسة: أي أن تقارب أوسع نطاقا مع العالم العربي قد يساعد على تسهيل عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.

في الأسابيع الأخيرة، لمح نتنياهو مرارا وتكرارا إلى “أفق دبلوماسي” جديد مع الدول العربية المعتدلة. بإمكان عدو العدو أن يكون صديقي، والمزيد والمزيد من الدول العربية تدرك أنه في معارضة طموحات إيران النووية والإسلام المتطرف، فلديهم شريك محتمل في إسرائيل، كما أشار. أدت الحرب ضد الإرهاب الإسلامي إلى “تحالف جديد في الشرق الأوسط”، كما قال نتنياهو في وقت سابق من هذا الشهر في مؤتمر لمكافحة الإرهاب. يدرك القادة العرب أن “إسرائيل ليست بعدوهم بل هي حليفتهم في الحرب ضد هذا العدو المشترك”، كما أعلن، مضيفاأنه يؤمن ب”فرصة للتعاون وربما فرصة للسلام”.

يوم الإثنين، ذكر نتنياهو للمرة الأولى الأسماء التي تدور في رأسه: “لا يجب أن ننظر إلى القدس ورام الله فقط، ولكن إلى القاهرة أيضا، إلى عمان وأبو ظبي والرياض وأماكن أخرى”، كما قال: “أعتقد أنه بالإمكان تحقيق السلام بمشاركة نشطة من الدولة العربية، تلك التي على إستعداد لتوفير الدعم السياسي والمادي وأشياء أخرى لا غنى عنها”.

خلال هذا الجزء من الخطاب، بدا نتنياهو قليلا مثل بيرس، الذي يحلم “بشرق أوسط جديد”. مع إيران التي تطمح للحصول على أسلحة نووية وتنظيم “الدولة الإسلامية” الذي بقوم بقطع الرؤوس والنهب مع تقدمه في وسوريا والعراق، كما قال، فإن الشرق الأوسط الجديد هذا يمثل بكل تأكيد مخاطر جديدة، ولكن فرصا جديدة أيضا: “معا بإمكاننا تعزيز الأمن الإقليمي. بإمكاننا تطوير مشاريع في المياه والزارعة ووسائل النقل والصحة والطاقة وفي مجالات كثيرة”.

وإعترف أن التحدي سيكون “تحويل هذه المصالح المشتركة لخلق شراكة مشتركة”.

فقط نتنياهو (وعدد من كبار المسؤولين) يعرفون مدى حجم التعاون الإسرائيلي-العربي الحالي. مع ذلك، تعاون القدس مع دول عربية لا تربطها بها علاقات دبلوماسية رسمية في عدد من المجالات هو أسوأ أسرار الشرق الأوسط. لم يسمع العالم العربي صوته كثيرا في إدانة إسرائيل بشأن عملية “الجرف الصامد” هذا الصيف بالمقارنة مع صراعات سابقة مشابهة، ظاهريا لأن هذه الدول تدرك أن لديها وإسرائيل عدو مشترك متمثل بالجماعات الإسلامية الإرهابية.

ولكن من الصعب تصور أن تكون السعودية والإمارات والكويت ودول خليجية أخرى على إستعداد للخروج من وراء الكوااليس وإحتضان إسرائيل رسميا قبل حل القضية الفلسطينية. حتى الآن لا يرى أكاديميون ومحللون سياسيون مختصون بدول الخليج سببا يدفعه للإعتقاد بأن هذه الدول ستتنازل عن تعهدها بعدم تطبيع العلاقات مع إسرائيل طالما أن طموحات أشقائهم الفلسطينين بإقامة دولة غير محققة.

في حين أنهم يتوقون لحضن دافئ من العالم العربي المعتدل، ينسى القادة الإسرائيليون أحيانا الواقع المر. إقتبس وزير المالية، على سبيل المثال، في وقت سابق من هذا الشهر وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، الذي دعا علنا إلى التعايش مع إسرائيل ونبذ “الكراهية للدولة اليهودية”. المشكلة هي أنه لم يكن هناك أي تصريح من هذا القبيل.

في الأسبوع الماضي، تحدثت تقارير عن أن وزيرة العدل تسيبي ليفني التقت في نيويورك مع وزراء كبار من عدد من الدول العربية التي لا تربطها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. التقرير على الأرجح صحيح، ولكن دولة عربية واحدة على الأقل – الكويت – أنكرت إجراء لقاء كهذا.

مع الفشل المذهل هذا العام للمحادثات السلام الثنائية مع الفلسطينيين بوساطة أمريكية، وخاصة بعد خطاب “الإبادة الجماعية” لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في الأسبوع الماضي، فمن المفهوم أن نتنياهو يتوق ل”نهج جديد من جيراننا”. يوم الإثنين في الأمم المتحدة، تحدث عن “الشراكة بيننا” كأنها واقع. ولكن في هذه المرحلة، قد تكون أكثر قليلا من مجرد تمني.