سبسطية، الضفة الغربية – قدم مدير مركز التفسير التابع للسلطة الفلسطينية في موقع سبسطية الأثري كراسة؛ زميله، المستيقظ من قيلولة للتو، ارتدا سرواله بسرعة. مؤشرا إلى غرفة عروض صغيرة، ناقض نفسه بثقة تامة: “يوجد فيلم – ولكن لا يوجد فيلم”.

بنت السلطة الفلسطينية المركز قبل عامين لتثقيف الزوار حول مدينة سبسطية الأثرية بعد انسحاب سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية من الموقع. ولكن غير الكراسة وبعض الحلوى القاسية، لا يعرض مركز التفسير الكثير. لا زالت المقاعد الجديدة في قاعة العرض مغطاة بالأكياس. (لم ترد السلطة الفلسطينية على أسئلة حول تكلفة المركز، ولم ترد اليونيسكو حول مدى تمويلها له. صندوق الإنمائية للألفية التابع للأمم المتحدة، وهو ممول شريك، تبرع بـ132,000 دولار).

قالت كارلا بينيلي، مؤرخة فنون تعمل في سبسطية، لوكالة أسوشيتد برس قبل بضعة أعوام، “يمكن تعلم تاريخ المنطقة بأسرها (من خلال) البقاء هنا لأن كل القوى التي عبرت من هذه المنطقة منذ عهد المصريين مرت من خلالها”. تضم سبسطية آثار من عشر فترات مختلفة، من العصر الفولاذي وحتى العصور الحديثة. “من وجهة النظر هذه، فهذا حقا مهم جدا”.

القصة حول سبسطية تبدو ككوميديا اخطاء يمكنها ان تحدث فقط في الضفة الغربية. اسرائيل تتحكم بالموقع، ولكن لا تستغله. الفلسطينيون يريدون التحكم بالموقع، ولكن لا يوجد لديهم الموارد لتطويره. وبينما كل من الإسرائيليين والفلسطينيين يدعون أن الموقع تابع لإرثهم الثقافي، يبقى مهملا، غير مطور وبدون أن يتم إجراء الأبحاث الأثرية فيه.

أصداء من مجد سابق

تقع سبسطية على بعد كيلوتمرات قليلة شمال غرب نابلس شمالي الضفة الغربية.

سبسطية، المعروفة بالعبرية بإسمها التوراتي “شومرون”، كانت عاصمة مملكة بني إسرائيل الشمالية في القرن التاسع والثامن قبل الميلاد، التي قام بتأسيسها ملك بني إسرائيل السادس عمري.

لا يزال فيها أجزاء من منازل وجدران وقصر من العصر الحديدي. بعد دمارها على يد الآشوريين في العام 721 قبل الميلاد، تحولت المدينة الى العاصمة الإقليمية للمنطقة المحتلة. وازدهرت من جديد تحت حكم الإغريقيين، ولكن دمرت على يد القائد الحشمونئي يوحنان هوركنوس؛ وأعاد ابنه اسكندر يانايوس إعمار المدينة وسكن اليهود فيها.

خلال العصر الروماني، أطلق عليها الملك هيرودوس اسم اغسطس القيصر – سبسطية هي اغسطس في اليونانية. وفي أوجها، كانت سبسطية مدينة مركزية، وبقايا مسرحها الروماني ومعبدها وقصورها ومنتداها وحلبة السباق وسوقها لا زالت ظاهرة حتى اليوم.

وخلال قرون هبوط نجمها الطويل، كانت سبسطية موقعا مسيحيا هاما، إذ تضمنت بقايا لكنيسة بيزنطية مخصصة ليوحنا المعمداني، حيث تقول الأساطير أنه تم اعدامه ودفن رأسه فيها. ولا زالت كنيسة صليبية تحولت إلى مسجد قائمة في القرية الفلسطينية الحديثة القريبة، كأثر لمجد المدينة الصليبية السابقة، التي تحمل الإسم ذاته.

آثار الكاتدرائية الرومانية  في سبسطية بالضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

آثار الكاتدرائية الرومانية في سبسطية بالضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

وتظهر سبسطية كثيرا في تاريخ علم الآثار أيضا. تم إجراء أول بعثة أثرية أمريكية في فلسطين العثمانية في سبسطية على يد طاقم ممول من جامعة هارفارد عام 1908. وطور جورج رازنر تقنية أصبحت أساسية في علم الآثار هناك: دراسة مواد غير معمارية – الحطام الطبيعي وصنع الإنسان – التي تشكل معظم مكونات التل، والتي عن طريقها يمكن للباحثين استنتاج جوانب مخفية عن تاريخ الموقع.

مركز التفسير التابع للسلطة الفلسطينية في سبسطية بالضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

مركز التفسير التابع للسلطة الفلسطينية في سبسطية بالضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

وجهات نظر مختلفة

يتجنب منشور وزارة السياحة والآثار التابعة للسلطة الفلسطينية عمدا أي ذكر لإسرائيل أو لصلة اليهود بالموقع. فهو يشير إلى سبسطية كـ”عاصمة إدارية وسياسية اقليمية هامة خلال العصر الحديدي الثاني والثالث”، وأنها كانت “مركز مدني هام خلال العصر الهليني”، ولكنه لا يذكر مملكة إسرائيل أو الحشمونائيم.

الوصف الفلسطيني لسبسطية في محاولة لإعلانه كموقع ارث عالمي في اليونيسكو يتخطى ذلك ليمحو التاريخ اليهودي للمدينة، متطرقا اليها كـ”عاصمة المملكة الشمالية خلال العصر الحديدي الثاني”، ويشير إلى شخصيات يهودية كعمري ويوحنان هوركنوس بدون أي تفسير.

من جهة أخرى، موقع سلطة الطبيعة والحدائق لا يذكر البلدة الفلسطينية التي يسكنها 3,000 فلسطيني حيث تقع الكنيسة التي تحولت إلى مسجد، كنيسة القديس يوحنا المعمدان في الموقع الأثري، أو الوجود الصليبي السابق في سبسطية.

أطلال المسرح الروماني في سبسطية بالضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

أطلال المسرح الروماني في سبسطية بالضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

زيد، مرشد محلي يبلغ من العمر (23 عاما) من البلدة، يقول أنه بالرغم من موقف السلطة الفلسطينية الرسمي، لا يعارض السكان تراث سبسطية اليهودي. “هذا تاريخ هذه المنطقة, كانت هذه فترة من بين 7 فترات مختلفة مرّت على هذا المكان”، كما قال.

بالرغم من أهمية سبسطية التاريخية، بالكاد تم إجراء أبحاث أثرية في الموقع. آخر حفريات أثرية جرت في الموقع عام 1967، عندما كانت الضفة الغربية لا تزال تحت سيطرة الأردن. منذ ذلك الحين، تم اجراء عمليات انقاذ فقط. الحديقة الوطنية مهملة جدا. لا يوجد سياج لحماية القطع الاثرية، الاعشاب تنمو في كل مكان، والقمامة منتشرة بين الآثار. شعارات تشوه العمدان الرومانية التابعة للكاتدرائية الضخمة في الماضي؛ هناك شعارات “لا إله إلا الله” على مدخل كنيسة يوحنا المعمداني الأرثوذكسية ونجمة داوود على الأرض. المنتدى الروماني اصبح موقفا للحافلات القليلة التي لا زالت تجلب السياح.

يقول حنانيا حزمي، رئيس دائرة الآثار للادارة المدنية في الضفة الغربية، أن الحفريات الأثرية عادة تجري من قبل مؤسسات أكاديمية.

“منذ 1967، سبب عدم وجود حفريات أثرية هو أنه لم يتم تقديم طلبات من قبل مؤسسات أكاديمية”، كما يقول.

ويضيف أن مشكلة سرقة الآثار في سبسطية هي مشكلة اقليمية شائعة في البلاد، وأن قسم الآثار في الإدارة المدنية يعمل على حماية الموقع.

يقول حزمي، “من ناحيتنا، نحن بالطبع نفعل كل ما في استطاعتنا بالنسبة للحفاظ على المواقع. في السنوات الأخيرة تعمقنا وبدأنا العمل على الحفاظ والترميم ووضع المسارات، وأيضا في هذا العام والعام المقبل من المفروض ان [نقوم بذلك]”.

الدخول محظور

زيارة الموقع محدودة للزوار الإسرائيليين بالرغم من أنه يقع في منطقة “ج”، الواقعة تحت سيطرة إسرائيل، في الضفة الغربية. وبلدة سبسطية الفلسطينية المجاورة تقع في المناطق “أ” و”ب” الخاضعة للسيطرة الفلسطينية. وتحذر سلطة الطبيعة والحدائق على موقعها بأنه “بسبب الاوضاع الأمنية، الموقع مغلق للزوار حتى اشعار اخر باستثناء التنسيق المسبق خلال ايام الفصح والسوكوت”، وترافق المركبات العسكرية حافلات السياح الإسرائيليين. وقال ناطق بإسم الإدارة المدنية ان هذه الإجراءات الإحتياطية بسبب رشق السكان الفلسطينيين الحجارة وحتى الزجاجات الحارقة بإتجاه المركبات الإسرائيلية.

وقال سكان سبسطية أن المواجهات مع الإسرائيليين من مستوطنة شافي شومرون المجاورة نادرة. ولكن مع هذا، قال زيد أنه لا يريد سياح إسرائيليين في الموقع: “خلال ساعتين، بالإمكان أن يكونوا قاتلي”.

حجر منقوش في بقايا الكاتدارائية الرومانية في سبسطية بالضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

حجر منقوش في بقايا الكاتدارائية الرومانية في سبسطية بالضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

ولكن محمد، صاحب دكان التذكارات “هوليلاند صان” المجاورة للموقع الأثري، قال أنه مشتاق لأيام ما قبل أوسلو، عندما تدفق السياح الإسرائيليين إلى سبسطية، وجلبوا معهم العمل.

قال وهو يدخن الأرجيلة،”قبل الإنتفاضة الأولى، لم يكن ممكنا العثور على مكان لتوقيف السيارة أيام السبت”. الآن، في شهر معين قد تصل إلى الموقع 10 حافلات سياح، معظمهم حجاج مسيحيون يأتون ليصلوا في الكنيسة المهدمة. واثناء حديثنا كان هناك ثلاث حافلات لأطفال فلسطينيين في الموقف، وتوقفت بجوارها مركبة عسكرية إسرائيلية لبضعة لحظات، وبعدها سارعت بمغادرة المكان.

محمد، صاحب متجر في موقع سبسطية الأثري في الضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

محمد، صاحب متجر في موقع سبسطية الأثري في الضفة الغربية (Ilan Ben Zion/Times of Israel)

يقول محمد أن “الأوضاع التجارية كانت أفضل قبل السلطة الفلسطينية”، مضيفا انه يريد عودة السياح الإسرائيليين، ولكن بدون مرافقة الجيش. “لا يوجد لدينا مشاكل مع الإسرائيليين المدنيين، لدينا مشكلة مع المستوطنين. نكره المستوطنين من كل قلبنا كفلسطينيين، من الطفل عندما يولد وحتى موته، لأنهم يأخذون أرضنا، هذه هي المشكلة”.

وأثناء إحتساء الشاي في الساحة المركزية في البلدة، حيث تجمع عدة شبان عاطلين عن العمل في الظل، قال زيد أن تطوير الحديقة الوطنية سيحيي اقتصاد سبسطية المنهار عن طريق خلق “وظائف إضافية، ربما فندق، المزيد من الإرشاد السياحي، المزيد من المطاعم”.

ولكن في الوقت الحالي، تبقى سبسطية منطقة محظورة إلى حد كبير وتاريخها الرنان محط خلاف وإهمال.