أستانا، كازاخستان – في حديث أمام أعضاء الجالية اليهودية في أذربيجان الثلاثة في مدرسة تديرها حركة “حاباد”، تذكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لقاءه مع الحاخام ملوفوفيتش قبل 32 عاما.

وتذكر نتنياهو قول الحاخام له عند إستلامه لمنصب سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة “أنت ذاهب إلى بيت الظلمة وتذكر أنك إذا قمت بإضائة شمعة واحدة للحقيقة، فستشع نورا ثمينا سيرونه من بعيد”، وأضاف: “منذ ذلك الحين حاولت فعل ما قاله لي الحاخام”.

في وقت لاحق خلال خطابه قال رئيس الوزراء بأنه تأثر من الأولاد والبنات في الجوقة اليهودية المحلية، الذين رحبوا بضيفهم الرفيع من الأراضي المقدسة بأداء نشيدي “شالوم عليخم” و”هافا ناغيلا” بالإضافة إلى أغاني شعبية أذرية.

وتابع القول: “لكني تأثرت كثيرا من شيء آخر”، مشيرا إلى العلمين الإسرائيلي والأذربيجاني اللذين تم وضعهما على المنصة. أحدهما حمل نجمة داوود اليهودية، والآخر الهلال رمز الإسلام. “أنظروا إلى هذين العلمين، هذا ما نود أن نريه للعالم – هذا ما يمكن أن يكون وما يجب أن يكون”، كما قال نتنياهو. “إنه النقيض تماما، النقيض تماما من الظلمة؛ هذا النور، هذا هو النور الذي يبدد الظلام”.

خلال رحلته التاريخية هذا الأسبوع إلى أذربيجان وكازاخستان – البلدان المسلمان، إحدهما شيعي والآخر سني – كانت هذه رسالة رئيس الوزراء الرئيسية: ألن يكون من الرائع لو نجح المسلمون واليهود، إسرائيل والعالم العربي، في العيش بإنسجام معا؟

وقال نتنياهو للصحافيين مساء الأربعاء في إختتام جدول أعماله المزدحم في الرحلة التي استمرت ليومين: “لا أنكر بأن لدي نوايا مزدوجة”. في حين أنه معني بالفعل في تعزيز العلاقات التجارية والأمنية مع هذين البلدين، لكنه يرغب أيضا في إستغلال زيارته ليبّين للبلدان العربية المعتدلة بأن إقامة علاقات قوية وعلنية بين إسرائيل والدول الإسلامية هو أمر ممكن، كما قال موضحا.

منذ سنوات عدة يتحدث نتنياهو من دون توقف عن كيف أن جيران إسرائيل العرب لم يعودوا يرون بإلدولة اليهودية عدوا، بل يعتبرونها “حليفا لا غنى عنه” في الحرب ضد الإسلام السني المتطرف وازدياد عدائية إيران الشيعية. ولكن حتى الآن، ظلت هذه العلاقات سرية: البلدان التي يتحدث نتنياهو عنها لم تغير بشكل علني من لغة خطابها حول النظام الصهيوني المكروه. (يمكن رصد بعض علامات التقارب الخجولة، مثل اللقاءات بين إسرائيليين ومسؤولين سعوديين سابقين، لكن الموقف الرسمي للعالم العربي لا يزال يرى في إسرائيل دولة عدو).

في باكو وأستانا، كرر نتنياهو، مرة تلو الأخرى، رسالته بأن العلاقة الغير خفية بين البلدين المسلمين والدولة اليهودية يجب أن تكون بمثابة مثال تحتذي به دول أخرى. أحيانا بدى أنه هذه الكلمات موجهة للرياض وعواصم أخرى في الخليج أكثر من كونها موجهة إلى الجمهور الحاضر في أذربيجان وكازاخستان.

يوم الثلاثاء، قال نتنياهو في قصر زاغولبا الرئاسي في باكو خلال لقائه مع الرئيس إلهام علييف “هناك تغيير نراه في أجزاء كثيرة من العالم الإسلامي وفي الأخص في العالم العربي”. وتابع قائلا: “ولكن أعتقد أنه إذا أردنا أن نرى كيف يمكن للمستقبل أن يكون، فيجب الحضور إلى أذربيجان ورؤية الصداقة والشراكة بين إسرائيل وأذربيجان. الأمر ليس جيدا لكلا البلدين وكلا الشعبين فحسب، بل هو جيد أيضا للمنطقة وجيد للعالم”.

يوم الأربعاء، في القصر الرئاسي الرائع في أستانا، كرر نتنياهو العبارة نفسها بشكل حرفي تقريبا. وكأنه أراد التأكيد على وصولها إلى العالم العربي، مشددا على رسالته – وقد يقول البعض بشكل مبالغ فيه – من خلال تصريحه بأن “هذا المثال للتعاون الإسلامي-اليهودي هو شيء يتردد صداه في العالم”.

وأضاف أن العالم العربي يتغير، وبأن علاقات إسرائيل مع كازاخستان هي “جزء من هذا التغيير الكبير الذي ينتظره العالم”.

(في الصحافة العبرية، لم تحظى زيارة نتتنياهو بكثير من الإهتمام، وهي حقيقة إنتقدها في تدوينة لاذعة له على الفيسبوك طلب فيها من متتبعيه مشاركة أصدقائهم بأخبار هذه الزيارة).

نتنياهو لم يترك أحدا. في مؤتمر صحافي لرجال أعمال من إسرائيل وكازاخستان، صرح أن “الصداقة الكبيرة” بين إسرائيل اليهودية وكازاخستان المسلمة هي “رسالة ترحيب لكل الإنسانية” و”مثال للمنطقة وللعالم على كيف يمكن للأمور أن تكون وكيف ستكون”.

حتى في “الكنيس الكبير” في أستانا، حيث علق أحدهم ملصقا ضخما يحمل صورة للقائه مع الحاخام ملوفوفيتش، حرص نتنياهو على الإشادة بكازاخستان كـ”دولة إسلامية تحترم إسرائيل – وبمثابة مثال لما يجب أن يحدث – ويمكن أن يحدث – في منطقتنا أيضا”.

نتنياهو أقر بأن البلدان العربية لن تعترف بإسرائيل بين ليلة وضحاها، ولكن “هناك نزعة واضحة”، كما قال للصحافيين الذين رافقوه إلى أستانا. لكنه، أكد على أن تعاون إسرائيل واسع النطاق مع كازاخستان وأذربيجان “سيخلق كتلة ذات أهمية في نهاية المطاف”.

ولكن مهما كانت أهمية باكو وأستانا كلاعبين إقليميين، فما هو مدى تأثيرهما في العالم العربي؟

قائدا البلدين أعلنا عن رغبتهما في تعزيز العلاقات مع إسرائيل وأكدا على صداقتهما مع الشعب اليهودي – لكنهما امتنعا عن الإلتزام علنا في مساعدة القدس في التواصل مع العالم العربي.

بحسب السفير الإسرائيلي لدى كازخستان ميخائل برودسكي، فإن التغيير سيأتي تدريجيا، ولكنه آت في النهاية. “أعتقد أنه بشكل غير مباشر، ستؤثر [زيارة نتنياهو] على إستعداد الدول العربية لعلاقات مفتوحة أكثر مع إسرائيل”، كما قال لتايمز أوف إسرائيل. وأضاف السفير: “ليس هناك عيب في تطوير علاقات عادية ومفتوحة وذات منفعة متبادلة مع إسرائيل. فبعد كل شيء، لدينا مصالح مشتركة وتهديدات مشتركة”.

بريندا شافر، أستاذة إسرائيلية في مركز الدراسات الأوروآسيوية والروسية والأوروبية الشرقية التابع لـ”جاعمة جورج تاون”، ترى بأن زيارة نتنياهو تخلق “شرعية عامة للدول ذات الأغلبية المسلمة وللمسلمين أنفسهم بأن تكون لديهم إتصالات مع إسرائيل”.

من جهة أخرى، أشارت شافر إلى أن أذربيجان وكازاخستان ودول أخرى في آسيا الوسطى تُعتبر إستثنائية من حيث فصلها الدين عن الدولة. باكو، على سبيل المثالا لا تسمح للفتيات بإرتداء الحجاب في المدارس. وتقول شافر “اليوم، عدد قليل من البلدات ذات الأغلبية المسلمة تتبع هذا الفصل”.

إن النهج المتبع في التعامل مع الإسلام هو عنصر هام في فهم السبب الذي تستضيف فيه بعض الدول الإسلامية نتنياهو بحرارة، في حين ترفض دول إسلامية أخرى أي تواصل معه، كما تقول الباحثة.

سفير كازاخستان لدى إسرائيل، دولت كوانيشف، قال لتايمز أوف إسرائيل: “نحن لسنا دولة إسلامية؛ إننا دولة علمانية قبل كل شيء”. البلدان اللذان زارهما نتنياهو يفتخران بأنهما من دعاة التعايش الديني والعرقي. مؤخرا أعلنت أذربيجان عن “عام التعدد الثقافي” وفي حين تُعد كازاخستان “قائدة” في عقد مؤتمرات يقوم فيها زعماء دينيون من إيران وإسرائيل بـ”الجلوس جنبا إلى جنب على الطاولة”، كما قال كوانيشف.

هذا ما لا يمكن قوله عن السعودية ودول عربية أخرى يحاول نتنياهو التواصل معها.

كوانيشف أشار إلى أن كازاخستان معنية في الأساس بالتقدم الإقتصادي، وليس في تصدير نسختها من التسامح إلى العالم العربي. “لا نود أن نفرض أمثلتنا أو نماذجنا”، كما قال. كازاخستان فقط تقوم بما تراه مناسبا لها، ومن يعلم “ربما سيختار البعض السير على هذه الخطى”، وربما لا. عندما يتعلق الأمر بالتسامح الديني، فإن أستانا وباكو بعيدتان كل البعد عن الرياض والدوحة.

إختلاف هام آخر بين الدولة التي تحتضن إسرائيل علنا وتلك التي تنأى بنفسها عن ذلك هو القضية الفلسطينية بالطبع. في الأحداث العلنية الستة التي عُقدت في باكو وأستانا، لم يتم طرح هذا الموضوع. تعابير مثل “حل الدولتين” أو “المستوطنات” لم تُذكر حتى ولو مرة واحدة. البلدان اللذان زارهما نتنياهو معنيان في التكنولوجيا الإسرائيلية وخبرتها في مكافحة الإرهاب، ولا يهمها كثيرا ما تفعله إسرائيل في الضفة الغربية.

على عكس ذلك، لا تزال الدول العربية ملتزمة بالقضية الفلسطينية، على الورق على الأقل، وبالتالي ليس من المرجح أن تجعل من تعاونها مع الدولة اليهودية رسميا طالما أنه لم تتم معالجة محنة أشقائهم الفلسطينيين. لا، القادة العرب لا يهتمون حقا بفلسطين، لكنهم يخشون من أن لا يقوم الرأي العام في بلادهم بالسير ورائهم في احتضان إسرائيل ما دام الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني دون حل.

على ما يبدو إذا سيكون على نتنياهو الإنتظار لفترة طويلة قبل أن يسمع الأطفال في مدرسة يهودية ينشدون “هافا ناغيلا” لرئيس الوزراء الإسرائيلي في أي مكان في العالم العربي.