مد الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب يدا تصالحية لمنافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون في خطاب النصر الذي ألقاه في نيويورك فجر الأربعاء، بعد أن اقرت هيلاري كلينتون بخسارتها في الإنتخابات الرئاسية لصالح المرشح الجمهوري.

وقال ترامب إن “الوقت حان لنعمل معا”، وتعهد بأن يكون رئيسا “لجميع الأمريكيين”، وشكر كلينتون، التي قامت بالإتصال به مقرة بنتائج الإنتخابات، على الخدمة التي قدمتها للوطن وهنأها على الحملة الإنتخابية التي خاضتها بضراوة.

وقال ترامب خلال خطاب النصر في السباق إلى البيت الأبيض: “عملت هيلاري لفترة طويلة وبشكل حثيث، وندين بها بالإمتنان على خدمتها للبلاد”.

وأضاف: “أتعهد لكل مواطن في بلادنا بأن أكون رئيسا لكل الأمريكيين”.

وقال إنه يخطط لإعادة بناء أمريكا، مع التشديد على تطوير البنى التحتية للنقل وتعزيز الإقتصاد و”مضاعفة النمو” في السنوات المقبلة.

وقال ترامب أنه يعتزم التعامل بإنصاف مع كل البلدان.

“سنتفاهم مع كل الدول إذا كانت على إستعداد للتفاهم معنا”، كما قال.

إنتصاره على هيلاري كلينتون، الذي لم يتم الإعلان عنها إلا بعد منتصف الليل بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، سينهي ثماني سنوات من الحكم الديمقراطي في البيت الأبيض ويهدد بإلغاء إنجازات رئيسية للرئيس باراك أوباما. وكان ترامب تعهد بالعمل بسرعة على إلغاء قانون الرعاية الصحية التاريخي الذي دفع به أوباما، وإلغاء الإتفاق النووي الأمريكي مع إيران وإعادة صياغات إتفاقات تجارية مع بلدان أخرى، وخاصة المكسيك وكندا.

واستطاع المرشح الجمهوري إختراق جدار حافظ الديمقراطيين عليه لمدة طويلة، حيث فاز بولاتي بينسلفانيا وويسكونسين، وهما ولايتان لم تصوتا لمرشح جمهوري للرئاسة منذ سنوات الثمانين. وكان ترامب بحاجة إلى الفوز بجميع الولايات التنافسية تقريبا، وهو ما نجح بفعله، حيث فاز في فلوريدا وأوهايو وكارولينا الشمالية وولايات أخرى.

وشهدت أسواق المال العالمية والبورصة الأمريكية هبوطا حادا، عكس مخاوف المستثمرين من الغموض المحيط برئاسة ترامب حول الإقتصاد والتجارة.

ترامب، مطور العقارات من نيويورك الذي يعيش في ناطحة سحاب راقية في مانهاتن، استطاع إنشاء تواصل مذهل مع الطبقة العاملة البيضاء الأمريكية التي تشعر أنها نُسيت في إقتصاد متغير وبلد متنوع. واعتبر الهجرة، من أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، بأنها  جذر المشاكل التي يعاني منها الكثير من الأمريكيين ولعب على وتر المخاوف من الإرهاب في الداخل والخارج.

وسيدخل ترامب البيت الأبيض مع كونغرس تحت سلطة جمهورية كاملة، حيث تفوق المرشحون الجمهوريون لمجلس الشيوخ على منافسيهم الديمقراطيين في الولايات الرئيسية، من ضمنها كارولينا الشمالية وإنديانا وويسكونسين. وحافظ الجمهوريون على سيطرتهم أيضا في مجلس النواب.

السيطرة على مجلس الشيوخ تعني بأن لترامب ستكون حرية كبيرة في تعيين قضاة المحكمة العليا، ما يعني تغييرا بإتجاه اليمين من شأنه أن يستمر لعقود.

وقلب ترامب سنوات من الأعراف السياسية في طريقه إلى البيت الأبيض، حيث وجه إهانات شخصية قاسية ضد خصومه، ووصف المهاجرين المكسيكيين بالمغتصبين والقتلة، وتعهد بمنع دخول المهاجرين المسلمين إلى الولايات المتحدة لفترة مؤقتة. ولم يكشف أبدا عن عائداته الضريبية، وحطم عقود من التقاليد في الحملات الإنتخابية، وتجنت المعطيات القوية والجهود الميدانية من النوع الذي ساعد أوباما على الفوز بولايتين في البيت الأبيض، معتمدا بدلا من ذلك على تجمعاته الإنتخابية الكبيرة لتحفيز وحشد مناصريه. حملته الإنتخابية شهدت الكثير من الفوضى في كثير من الأحيان مع تغيير مدير الحملة ثلاث مرات هذا العام.

المديرة الأخيرة لحملته، كيلي آن كونواي، أشادت بإنجازات فريقها مع الإعلان عن النتائج النهائية، وكتبت على تويتر “تجمعات الحشود تهم” و”قمنا بتوسيع الخريطة”.

كلينتون قضت أشهرا حذرت فيها الناخبين من عدم أهلية ترامب للرئاسة. ولكن السناتور ووزيرة الخارجية السابقة وجدت صعوبة في توضيح الهدف الأساسي والمنطقي وراء ترشيحها لنفسها.

وازداد الإحباط في حزب كلينتون مع مرور ساعات الليل، حيث غادر المناصرون مقر حملتها الإنتخابية، بينما بكى آخرون وعانقوا بعضهم البعض. وتوقف كبار المساعدين في الحملة عن الرد على الإتصالات والرسائل النصية، في حين شاهدت كلينتون وعائلتها نتائج الإنتخابات في فندق راق.

في الساعة الثانية صباحا، طلب رئيس حملة كلينتون الإنتخابية جون بوديستا من الحشد التوجه إلى منازلهم وقال إن السباق لم ينتهي رسميا، لكن مصير المرشحة الديمقراطية كان قد حُسم.

وسيرث ترامب دولة مرتبكة وتشهد انقساما عميقا في الفرص الإقتصادية والثقافية، وكذلك إنقساما عرقيا وثقافيا.

نتائج إستطلاعات الرأي التي أجريت عند خروج المصوتين من صناديق الإقتراع أظهرت هذه التصدعات: النساء في البلاد دعمن كلينتون بفارق كبير، في حين أن دعم الرجال لترامب كان أكثر احتمالا وبشكل كبير. أكثر من نصف المصوتين البيض دعموا المرشح الجمهوري، في حين صوت تقريبا 9 من بين 10 أمريكيون من أصول أفريقية وثلثي اللاتينيين لصالح المرشحة الديمقراطية.

دوغ راتليف، رجل أعمال يبلغ من العمر (67 عاما) من ريتشلاندس في ولاية فيرجينيا، قال بأن إنتخاب ترامب هو أحد أسعد الأيام في حياته.

وقال راتليف، وهو صاحب مراكز تجارية في منطقة تضررت بشكل كبير من إنهيار صناعة الفحم: “هذه البلاد لم يكن فيها أمل”. وأضاف: “ستتغير الأمور. أعرف بأنه لن يكون مثاليا، ولكن لديه قلب، ويمنح الناس الأمل”.

وتعهد ترامب بإتخاذ سلسلة من التغييرات الجذرية في السياسة الخارجية الأمريكية، بما في ذلك بناء جدار على طول الحدود الأمريكية المكسيكية وتعليق الهجرة من البلدان المرتبطة بالإرهاب. وأشاد أيضا بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وتحدث عن بناء علاقة أفضل مع موسكو، مثير قلق بعض المسؤولين في حزبه الذين يخشون من تعامله بتسامح مع إستفزازات بوتين.

سوء علاقة الحزب الجمهوري مع مرشحه بدت واضحة حتى النهاية. الرئيس السابق جورج دبليو بوش وزوجته لاورا رفضا إعلان دعمهما له، وقررا عدم التصويت للرئاسة، بحسب المتحدث بإسمهما فريدي فورد.

رئيس مجلس النواب، بول رايان، وهو مؤيد متردد لترامب، اتصل برجل الأعمال في وقت متأخر من الليل لتهنئته، بحسب متحدث بإسم رايان. رئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونول قال بأن الشعب الأمريكي “اختار اتجاها جديدا لأمتنا”.

أوباما، الذي شارك بقوة في الحملة من أجل كلينتون خلال الخريف أملا منه في أن تساعد شعبيته المتزايدة على رفع فرص فوزها، إلتزم الصمت حيال فوز ترامب، ولكن من المتوقع أن يقوم بدعوته إلى البيت الأبيض هذا الأسبوع. اللقاء مع الرجل الذي نشر شائعات كاذبة عن أن الرئيس قد لا يكون وُلد في الولايات المتحدة سيكون سيكون على الأرجح محرجا.

الديمقراطيون، وكذلك بعض الجمهوريين، توقعوا بأن يضر ترشيح ترامب الغير تقليدي بسباق الإقتراع وحتى أن يؤدي إلى قلب بعض الولايات الجمهورية الحمراء في السباق الرئاسي. ولكن ترامب حافط على الولايات الجمهورية، بما في ذلك في جورجيا ويوتا، حيث استثمرت حملة كلينتون الإنتخابية موارد كبيرة هناك.

وكانت كلينتون قد طلبت من مناصريها الإبقاء على البيت الأبيض بين أيدي حزبها لولاية ثالثة. وقدمت نفسها على أنها مكملة لتراث أوباما وتعهدت بإكمال أجندته الغير منتهية، بما في ذلك تمرير تشريعات حول الهجورة وتشديد القيود على الأسلحة وإدخال إصلاحات على قانون الرعاية الصحية خاصته.

لكنها واجهت طوال الحملة أسئلة ملحة حول مصداقيتها. وطفت هذه المشاكل على السطح مجددا، عندما أعلن مدير مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) جيمس كومي عن إستعراض رسائل بريد إلكتروني جديدة من ولايتها في وزارة الخارجية. يوم الأحد، قبل يومين من الإنتخابات، أعلن كومي عن عدم وجود مواد جديدة تبرر توجيه تهم جنائية ضد كلينتون.