هرع غلعاد موليان مسرعا إلى منزله في حيفا بعد ظهر الخميس، آملا بأن يتمكن من إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحريق الذي اجتاح الحي الذي يسكن فيه. وصل ليجد عمال بناء فلسطينيين لا يزالون على السطح. في مخاطرة كبيرة على أرواحهم، وفي تحد لأوامر الشرطة، الرجال، الذين جاءوا من الضفة الغربية لإضافة بضعة طوابق لبنايته، ساعدوا في إخماد النيران بالماء، وتمكنوا من وقف النار قبل بضعة أمتار من وصولها إلى بالونات غاز الطبخ في المبنى.

وقال موليان لتايمز أوف إسرائيل الأحد من سقف مبنى الشقق الخاص به: “عندما أسمع سياسيين يحولون النار الرهيبة [إلى أمر] بين اليهود والعرب، أشعر بغضب شديد”. الخط العريض من الرماد والأشجار المتفحمة قطعت بالعرض حي روميما الجبلي في الأسفل بدت كنهر مجفف من الحمم البركانية. الحريق كان قريبا جدا، أوراق الأشجار التي يمكن الوصول بسهولة إليها من السطح كانت متفحمة.

في اليوم الذي كاد فيه موليان أن يخسر منزله، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من داخل حيفا بأن الحرائق، التي دمرت أكثر من 1,000 منزل وأجبرت عشرات الآلاف على الفرار من المدينة، كانت “إرهاب حرق متعمد”.

على الرغم من أنه لم يتم حتى الآن إثبات أن أي من الحرائق – منذ إندلاعها يوم الثلاثاء، تم تسجيل أكثر من 100 في وسط وشمال إسرائيل – تم إضرامها من قبل عرب لدوافع قومية. وسارع الإعلام الإسرائيلي إلى الإعلان عن مجيء “إنتفاضة الحرق المتعمد”. في غضون ذلك، لم تتمكن السلطات حتى الآن من تحديد فيما إذا كانت الحرائق مفتعلة.

حتى ليلة الأحد، أعلنت الشرطة الإشتباه بأن 30-40 من بين الحرائق البالغة 90 التي تم التحقيق فيها حتى الآن، أضرمها مفتعلو حرائق. لكن الشرطة قالت أيضا بأنها لم تجد حتى الآن أي دليل على أن الحرق المتعمد كان منسقا لدوافع قومية أو مخطط له مسبقا. تم التحقيق مع 50 شخصا للإشتباه بضلوعهم في الحرائق وإعتقال 24، 18 منهم عرب من مواطني إسرائيل. إثنان منهم فقط، من مدينة أم الفحم وقرية دير حنا العربيتين في شمال إسرائيل، إعترافا بالحرق المتعمد حتى الآن.

ولكن داخل حيفا، التي تُعتبر منارة للتعايش في إسرائيل، وحيث 11% من سكانها البالغ 250 ألفا هم من العرب، كل من تحدث لتايمز أوف إسرائيل قالوا بأنهم على ثقة من أن مفتعلي الحرائق ليسوا من سكان المدينة الأصليين. لا يوجد هناك ابن أو ابنة لمدينة حيفا – عربيا كان أو يهوديا – كما قالوا، بإمكانه حرق مدينتنا الحبيبة.

ليان نجمي (22 عاما) من سكان مدينة حيفا، 29 نوفمبر، 2016. (Luke Tress/Times of Israel)

ليان نجمي (22 عاما) من سكان مدينة حيفا، 29 نوفمبر، 2016. (Luke Tress/Times of Israel)

موليان، الذي يرسل أطفاله إلى مدرسة “يد بيد” اليهودية-العربية في المدينة، قال أن الأعضاء العرب في المدرسة يشعرون بأنهم “تحت هجوم” منذ الحرائق، وأشار إلى أنه كان شاهدا على تحريض قوي ضد العرب عبر الفيسبوك.

يوم السبت، اعتقلت الشرطة رجلا من كريات أونو، القريبة من تل أبيب، دعا إلى “هجمات حرق متعمد” ضد العرب. تم الإفراج عنه في اليوم التالي تحت قيود لم يتم تحديدها.

يقول موليان: “علينا التحلي بالصبر وعدم إلقاء اللوم على الآخرين، ما حدث جرى لكلينا. تعاملنا مع النار كمادة، والآن علينا التعامل مع نار الكراهية”.

في الشقة المقابلة لبيت موليان، يسكن جوزيف غورين، وهو على الطرف الآخر من الطيف السياسي. غورين هو صاحب شركة هايتك ويصف نفسه على أنه ناخب “ليكود عقلاني”.

وقال غورين بأنه “متأكد” من أنه لا أحدا من حيفا مسؤول عن الحرائق في المدينة، لأن السكان فيها أفضل تعليما وأقل كراهية أحدهم تجاه الآخر. لكنه يعتقد أن أحد مواطني إسرائيل من خارج المدينة هو المسؤول عن الحرائق على الأرجح.

غورين، الذي يقول أنه كان “يساريا حقيقيا” خلال سنوات عملية السلام المتفائلة في سنوات التسعين لكنه أصيب بخيبة أمل بعد فشل المحادثات، يحمل المسؤولية للمؤسسات المسلمة من التيار السائد التي يقول بأنها “تقف وراء” الشبان الذين يعتقد هو بأنهم مسؤولون عن هذا الفعل.

روضة الأطفال التي يتعلم فيها أبناء غورين، التي تقع في مرمى النظر من شقته، “احترقت تماما” يوم الخميس بعد إخلائها. على مسافة أبعد قليلا، يشير فورين إلى “مستشفى فليمان”، المتخصص برعاية المسنين، حيث اضطُر المسعفون إلى إخلاء مئات المرضى المتصلين بأجهزة تنفس إصطناعي.

مفتعلي الحرائق المشتبه بهم، كما قال، كان هدفهم “حرق الناس أحياء”.

وأضاف: “ترحيل، إعدام، أيا كان – يجب أن يكون العقاب شديدا”.

نتنياهو كان قد هدد بسحب مكانة الإقامة من مفتعلي الحرائق، في حين دعا وزير الأمن العام غلعاد إردان إلى هدم منازلهم، وهي السياسة التي تتبعها إسرائيل أحيانا مع فلسطينيين تتهمهم بالإرهاب ضد إسرائيليين.

رونق ناطور، المديرة العامة المشاركة في منظمة “سيكوي”، التي تعمل على دعم المساواة بين اليهود والعرب في إسرائيل، تقول إنه في حال أن مقتعلي الحرائق عملوا بدوافع قومية “يجب معاقبة الإرهابي”.

لكنها ترى أن الموضوع الأهم هو ليس في ما إذا كان الجناة عربا من حيفا أم لا، بل أن “السيد نتنياهو ووزراء آخرين إستخدموا [الحرائق] للتحريض ضد 20% من السكان”.

وقالت: “في الوقت الذي حارب فيه العرب الحريق بنفس الطريقة كاليهود نجد أنفسنا متهمين بأننا السبب…من غير المسؤول إطلاق مزاعم كهذه من دون توفر أي دليل. الحكومة أخذت سؤالا نظريا وحولته إلى حقيقة”.

إيرز غلر، المشرف الإقليمي على المسعفين لمنظمة “نجمة داوود الحمراء” في منطقة الكرمل في حيفا، قال بأنه شعر بأن السرعة التي اندلعت فيها النيران في حيفا وعبر إسرائيل تشير إلى ان بعضها مفتعل.

وقال: “الأمر أكثر من أن يكون مجرد صدفة. في وقت واحد تقريبا، لديك حرائق تأتي من أماكن كثيرة… ولم يحدث ذلك في يوم واحد، لقد حدث في ساعة واحدة، وبعد ذلك بساعتين كان هناك حريق آخر، وحريق آخر… أنا أعمل هنا منذ سنوات كثيرة، وهذه المرة الأولى التي أرى فيها شيئا من هذا القبيل”.

خلال مقابلة في مكتبه، لم يتوقف هاتف غلر عن الرنين. في حين أنه تم إخماد النيران، لكن عمل المسعفين في حيفا لم يكتمل بعد.

وقال غلر: “في نجمة داوود الحمراء، لدينا عرب، لدينا مسيحيون، لدينا مسلمون. نعمل جنبا إلى جنب… نعرف بعضنا البعض. إذا كنت تتحدث عن المستقبل، فحيفا هي مدينة قوية. هناك علاقة قوية بيتن جميع المجتمعات… عرفنا أياما أسوأ من ذلك. أحد الإرهابيين في العمليات الإنتحارية خلال الإنتفاضة الثانية خرج من أحد أحيائنا. مع ذلك، العلاقات جيدة وأعتقد أنها ستبقى قوية”.

لينا نجمي (22 عاما) ترعرعت في حي عين هيام اليهودي-العربي المختلط، تحدثت مع تايمز أوف إسرائيل خلال تجولها بالسيارة في المدينة الساحلية المزدحمة.

وقالت: “هذا بيتنا. إنها مدينتنا. إنه بلدنا… لطالما تفاخرت بأن جمال المدينة سببه الاحراش الخضراء في قلب الحي”، مشيرة إلى المنازل الحجرية العربية القديمة المنتشرة في الشارع.

نجمي، التي نشأت في عائلة مسلمة ليبرالية، تلقي محاضرات في الخارج عن ما تصفه بـ”التعايش المشترك” في إسرائيل، وتحارب ما تشعر بأنها مفاهيم خاطئة حول الدولة اليهودية والمجتمع العربي في داخلها.

وتقول إن “العلاقات هنا لم تتضرر. هناك فهم واضح جدا بأننا نعيش معا… إنه وطننا. جميعنا يعيش هنا تحت مظلة واحدة”.

النيران المستعرة في حيفا، 24 نوفمبر، 2016. (AFP PHOTO/AHMAD GHARABLI)

النيران المستعرة في حيفا، 24 نوفمبر، 2016. (AFP PHOTO/AHMAD GHARABLI)

لكنها تقر مع ذلك بأن العلاقة بين اليهود والعرب في حيفا لم تكن دائما مثالية. على سبيل المثال، كانت هناك دعوات إلى مقاطعة المواطنين العرب في إسرائيل بعد موجة هجمات الطعن الفلسطينية التي بدأت في إسرائيل في شهر أكتوبر من العام الماضي. حتى أنه كان هناك موقع إلكتروني نشر قائمة المصالح التجارية التي يملكها عرب في حيفا. لكن لم تتم مقاطعة المحلات التجارية العربية، ووصفت نجمي الذين دعوا إلى هذا الإجراء “أقلية صوتية”.

وقالت: “الأمر يتلخص بهذه الفكرة: إذا تمكن الناس من التعرف حقا على بعضهم البعض، وليس فقط لقاءهم مرة في الأسبوع [ولكن] العيش معهم – عندما يكون لديك ذلك، ستهتم بالصداقة، وستهتم أكثر بالشخص كإنسان، بغض النظر عن عرقه”.

في غضون ذلك في أسفل التل، في أزقة حي وادي النسناس العربي، التي بدأت تزين نفسها مبكرا إستعدادا لأعياد الميلاد، يؤكد السكان هناك على عدم وجود “إنتفاضة حرق متعمد”.

صاحب المتجر المسيحي الوحيد الذي يقوم بفتح محله أيام الأحد أصر على أن العلاقات بين اليهود والعرب ستخرج سالمة من الحرائق الأخيرة. الرجل، الذي طلب عدم نشره اسمه، حمل الإعلام مسؤولية “تضخيم القصة”.

وقال: “لا توجد لدينا مشاكل هنا. لدينا تعايش سلمي مشترك هنا، وسيبقى الوضع كذلك”.