قد تلمحهن يسرن بتلكأ وهن متزينات في محطة الحافلات القديمة في تل أبيب، أو يتجولن في محيط محطة القطار في بئر السبع، أو يحاولن إغواء زبائن على ساحل حيفا. ولكن بعيدا عن العنوان العرضي (مثل العنوان عن مومس تشنق نفسها في بيت للدعارة في تل أبيب)، مخبؤون في “شقق سرية”، فإن نحو 12,000 عامل في مجال الدعارة في إسرائيل في مهنة تدخل أرباحا بقيمة 1.2 مليار شيكل (318 مليون دولار)، هم غير مرئيين بالنسبة لكثير من الإسرائيليين.

لكن قريبا قد يتم طرح القضية في الكنيست: أعلنت وزارة العدل في الأسبوع الماضي عن نيتها تشكيل لجنة لتقييم تجريم دفع المال مقابل الجنس، في تبني لنموذج معتمد في دول مثل السويد والنرويج والذي تبنته في أوائل هذا الشهر فرنسا أيضا. المديرة العامة لوزارة العدل، إيمي بالمر، سترأس اللجنة، وسيكون فيها أيضا ممثلون من وزارات أخرى لكن لم يتم تعيينهم بعد، بحسب المتحدث بإسم وزيرة العدل أييليت شاكيد.

في حين أن الدعارة في إسرائيل لا تزال قانونية، فإن القوادة والإتجار بالجنس وإدارة بيوت دعارة هي جرائم يعاقب عليها القانون. تشكيل اللجنة يتبع جهود استمرت لعقد من الزمان تقريبا  بذلتها نائبات في الكنيست لطرح تشريع لتجريم الزبائن، وعلى رأسهن رئيسة حزب (ميرتس) زهافا غلئون. على الطرف الآخر من الخارطة السياسية، قامت عضو الكنيست من حزب (البيت اليهودي)، شولي معلم رفائيلي، بدعم جهود غلئون مؤخرا. في حين أننا في إنتظار ما الذي ستوصي به اللجنة، فإن النائبتين القادمتين من خلفتين سياسيتين  متناقضتين إقترحتا في الماضي فرض غرامات أو عقوبة بالسجن تصل إلى مدة عام على الزبائن، مع إمكانية أن يحضر المخالفين لأول مرة حلقات دراسية عن الدعارة بدلا من الإجراءات الجنائية. إقترحت غلئون ومعلم-رفائيلي أيضا توسيع خدمات الرعاية للمومسات. (في عام 2012، لاقى مشروع قانون طرحته غلئون وعضو الكنيست أوريت زوارتس من حزب “كاديما” دعما من اللجنة الوزارية للتشريع، لكن تم حل الحكومة قبل مواصلة الإجراءات).

مع ذلك، أظهر إستطلاع رأي تم إجراؤه مؤخرا، بأن الإسرائيليين قد لا يكونوا متحمسين لفكرة معاقبة الأشخاص الذين يترددون على مومسات، على الرغم من إعتقادهم بأن من شأن ذلك ردع الظاهرة. في غضون ذلك، حذر منتقدو الإجراء من أن المحاولة قد تقضي عمليا على فكرة حق النساء في بيع أجسادهن، وقد يؤدي إلى جعل أوضاع المومسات أسوأ مع إضطرارهن إلى العمل بشكل سري، وقد يخلق أيضا نظام عدالة غير متكافئ يعاقب الزبائن ولكن يبرئ المومسات.

بحسب الدراسة الشاملة الأولى عن العاملين في مجال الدعارة التي أجرتها وزارة الرفاه في الشهر الماضي، فإن معظم العاملين في هذا المجال هم يهود وإسرائيليون وأمهات فوق سن الثلاثين ومن الإتحاد الوسوفييتي سابقا ودخلوا إلى المهنة لأسباب مالية. بالمعدل، يستقبل هؤلاء 5.5 زبون في اليوم، 76% منهم يريدون ترك هذا المجال.

صورة توضيحية: مومس تقف في شارع جنوب تل ابيب، 1 يناير، 2013. (Flash90)

صورة توضيحية: مومس تقف في شارع جنوب تل ابيب، 1 يناير، 2013. (Flash90)

’أرغب بالموت كل يوم من هذا العمل’

 

تقرير وزارة الرفاه قدر بأن هناك حولي 11,420-12,730 عامل جنس في إسرائيل، 95% منهم من النساء، 89% منهم فوق سن 18. بين 970-1,260 (11%) قاصرون. الأرقام تشير إلى أن عدد المومسات لكل 100,000 إسرائيلي هو ما بين 121-128 – أقل من دول مثل النمسا وبلجيكا والمجر والسويد؛ وأكثر من جمهورية التشيك وإيرلندا والنرويج والدنمارك.

حوالي 97% من النساء يحلمن الجنسية الإسرائيلية، و86% منهن يهوديات. معظمهن فوق سن الثلاثين (70%)، ولديهن طفل واحد على الأقل، وغالبية ضيئلة منهن (52%) ولدن في الإتحاد السوفييتي سابقا. معظمهن دخلن مجال الدعارة بسبب مشاكل مالية (66%) و7% بسبب إدمان على المخدرات. للخمس منهن لقب جامعي.

“الشقق السرية” التي يصل عددها إلى 265، تحقق أرباحا تصل إلى 510 مليون شيكل (135 مليون دولار) سنويا، 43% من المبلغ الإجمالي السنوي (1.2 مليار شيكل في 2014) الذي تحققه صناعة الدعارة. خدمات المرافقة حققت أرباحا وصلت إلى حوالي 220 مليون شيكل (58 مليون دولار) وأرباح مراكز التدليك التي تعرض تقديم خدمات جنسية وصلت إلى 70 مليون شيكل (18 مليون دولار) سنويا، حوالي 6% من الإجمالي السنوي. حوالي ربع المومسات الإسرائيليات استقبلن أكثر من سبعة زبائن يوميا (المعدل هو 5.5)، بحسب التقرير.

شرطة الهجرة خلال ترحيل مومسات من شرق اوروبا بالقرب من حيفا. (Moshe Shai/Flash90)

شرطة الهجرة خلال ترحيل مومسات من شرق اوروبا بالقرب من حيفا. (Moshe Shai/Flash90)

التقرير أظهر أيضا أن المشاكل المالية هي القوة التي تدفع النساء إلى الدعارة (66%) وبالنسبة لمعظمهمن (71%) هي أيضا سبب بقائهن (23 منهم قلن بأنهن باقيات في هذا المجال لأن “ذلك يلائمهن”). معظم النساء قلن بأنهن يرغبن بترك هذا العمل (76%)، 10% منهم قلن بأن لا رغبة لديهن بترك هذا المجال، في حين قالت 7% منهم من أنهن لا يعرفن، في حين قالت 7% “ليس في الوقت الحالي”.

تقول إحدى المشاركات المجهولات في إستطلاع الرأي، الذي أجرى مقابلات وجها لوجه مع 609 نساء (من دون الكشف عن هوياتهن)، “الأطفال يكبرون ويسألون إلى أين تذهب والدتهم ليلا. لا أستطيع مواصلة الكذب طوال الوقت وأن أقول لهم بأنني أعمل في حانة”.

مشاركة أخرى تقول، “لقد سئمت من ذلك. هذا صعب جدا نفسيا، كما تعلم. ليس سهلا في كل يوم، كل تجربة دعارة هي تجربة غير سارة. لم أعتد على ذلك. في تفكيري، أنا مومس”.

وتضيف ثالثة، “في كل يوم أريد الموت من هذا العمل”.

بعضهن بدوْن أقل وضوحا. “لا أعرف – عندما يكون لدي مال سأترك. على الأقل مليون”، كما قالت إحداهن.

ونقل التقرير عن امرأة اخرى قولها، “أريد ذلك، ولكن أنظر في أعمال أخرى. التنظيف لا يلائمني، [الدعارة] تلائمني أحيانا”.

“لا أعرف. ربما عندما أكبر في السن سأرغب بترك العمل، وعندها ربما سأكون سكرتيرة”.

بعضهن أصرين على أن هذه المهنة تلائمهن: “أعتقد أن هذه أكثر فتراتي إنتاجا، ولدي الصبر لذلك. عندها (قبل 28 عاما) فعلت ذلك لأنني كنت مجبرة. الحياة أجبرتني على ذلك. ولكن أليوم أقوم بذلك بكل سرور”.

“الأطفال يكبرون ويسألون إلى أين تذهب والدتهم ليلا. لا أستطيع مواصلة الكذب طوال الوقت وأن أقول لهم بأنني أعمل في حانة”

(لأغراض هذا المقال، يجب التمييز بين الدعارة والإتجار بالجنس، حيث أن الأخير غير قانوني، على الرغم من أن هناك تداخل محتمل بينهما. حول الإتجار بالجنس، رفعت وزارة الخارجية  الأمريكية في عام 2012 إسرائيل إلى “المستوى 1” في الإتجار بالبشر، مشيرة إلى أن الحكومة تلبي الحد الأدنى من المتطلبات اللازمة لمنع هذه الظاهرة، ولكنها حث على فرض عقوبات أشد على من يقف وراءها).

هل جميع المومسات ضحايا؟

فكرة معاقبة زبائن الدعارة طُرحت لأول مرة في السويد في قانون شراء الجنس في عام 1999، الذي اعتمدته منذ ذلك الحين النرويج وأيسلندا وكندا وإيرلندا الشمالية، ويلزم الزبائن بدفع غرامة مالية أو مواجهة عقوبة بالسجن تصل مدتها إلى 6 أشهر. في دفاع عن ما يبدو كتناقض في جعل شراء الجنس غير قانوني مع الإبقاء على بيعه قانونيا، قالت السويد بأن الدعارة بجهورها هي عمل فيه إستغلال وعنف من قبل الزبائن، الذين يتمتعون بموقف قوة وعليهم تحمل العبء الأكبر من الجزاء.

لاحقا تم تصدير النقاش إلى خارج السويد، في بلدان ظهر فيها انقسام بهذا الشأن. عاملة جنس رفعت في 7 أبريل لافتة كُتب عليها، “لا تحرروني، سأهتم بنفسي!”، بعد أن صادقت فرنسا على تغريم زبائن الدعارة بمبلغ 4,000 يورو.

“الخطاب الليبرالي المضلل حول حق النساء في بيع أجسادهن يتجاهل علاقات القوة في عالم الدعارة، وعلاقات القوة في العالم ككل. الدعارة، بشكلها الحالي، يمكن أن تتواجد فقط في عالم غير متساو من المقبول فيه إستعباد النساء لحاجات الرجل. مجتمع يسمح بشراء أجساد النساء يبث أنه بالإمكان شراء جميع النساء”

مرددة وجهة النظر السويدية، أكدت غلئون في 18 أبريل على أن “الدعاره هي عنف جنسي وإستعباد للنساء، والغالبية العظمى من الحالات لا توفر سبل عيش للنساء بل للقوادين”.

وتابعت قائلة: إن “الخطاب الليبرالي المضلل حول حق النساء في بيع أجسادهن يتجاهل علاقات القوة في عالم الدعارة، وعلاقات القوة في العالم ككل. الدعارة، بشكلها الحالي، يمكن أن تتواجد فقط في عالم غير متساو من المقبول فيه إستعباد النساء لحاجات الرجل. مجتمع يسمح بشراء أجساد النساء يبث أنه بالإمكان شراء جميع النساء”.

متحدثا عن المعارضة لخطط معاقبة الزبائن، أشار الباحث يهودا توران في تقرير للكنيست في عام 2008 إلى أن التباين في العقوبات كان “إشكاليا” للبعض.

صورة توضيحية لمومس خارج بيت دعارة جنوب تل أبيب، تنظر على شرطية تقف في مكان قريب منها، 21 سبتمبر، 2008. (Kobi Gideon/Flash90)

صورة توضيحية لمومس خارج بيت دعارة جنوب تل أبيب، تنظر على شرطية تقف في مكان قريب منها، 21 سبتمبر، 2008. (Kobi Gideon/Flash90)

وكتب، “هناك هؤلاء الذين لديهم تحفظات جوهرية حول نموذج التجريم أحادي الجانب، حيث أنه يعطي إعفاء للمومسات اللواتي هن أيضا شريكات في العمل المحظور. التجريم أحادي الجانب من شأنه توجيه رسالة بأنه يُسمح للنساء العمل في الدعارة، أو يمكن أن يُفسر على أنه إعلان إجتماعي من هذا النوع، وهو ما يُعتبر إشكاليا للكثيرين”.

المسائل الأخرى المدرجة شملت مشكلة فرض القانون، حيث أن ميزانية الشرطة الإسرائيلية محدودة. القانون سيجعل عملية جمع الأدلة صعبة، حيث أن المومسات قد يخشين من التعاون أو يملن إلى حماية زبائنهن، كما قال. علاوة على ذلك، القانون ضد الزبائن قد يزيد من صعوبة ملاحقة أولئك الذين يديرون العمليات بالنسبة لقوى الأمن، حيث أن ذلك يضر بشهادة الكثيرين من شهود العيان، أي الزبائن. أخيرا، قد يجبر ذلك المومسات على العمل سرا، ما سيؤدي إلى جعل ظروف عملهن أسوأ، بحسب الباحث.

موقف الإسرائيليين

 

أظهرت إستطلاعات رأي وجود تأييد متزايد بين الإسرائيليين لقوانين تستهدف من يقوم بشراء خدمات جنسية، لكنهم ما زالوا يفضلون تشريعا يفرض حظرا شاملا.

في إستطلاع رأي أجرته وزارة الرفاه في 15 سبتمبر شمل 754 إسرائيليا وجد أن 54% منهم يؤيدون “تشريعا ضد زبائن خدمات الدعارة”، ولكن عندما تم تحديد السؤال أكثر حول ما إذا كان ينبغي “معاقبة” الزبائن، هبطت النسبة إلى 42%. الغالبية العظمى من الذين شملهم إستطلاع الرأي (83%) قالوا بأن على الحكومة العمل لمعالجة ظاهرة الدعارة، ولكن نسبة المؤيدين لقيام الحكومة بالسماح لبيوت الدعارة بالعمل قانونيا كانت أكبر قليلا (59%) من نسبة الذين أيدوا حظرا شاملا (52%). بكلمات أخرى، الإسرائيليون الذين شملهم إستطلاع الرأي أعربوا عن تأييدهم لتشريع من نوع ما، ولكن على الأرجح تشريع لا يشمل عقوبات جنائية.

رئيسة حزب ميرتس زهافا غال اون، يونيو 2013 (Miriam Alster/Flash90)

رئيسة حزب ميرتس زهافا غال اون، يونيو 2013 (Miriam Alster/Flash90)

تأييد معاقبة أولئك الذين يقومون بإستئجار خدمات مومسات ارتفع مقارنة باستطلاعات رأي سابقة (22% في إستطلاع رأي أجرته الكنيست بتكليف من غلئون أعلنوا تأييدهم لفرض عقوبات؛ 43% في عام 2013)، ولكن وزارة الرفاه أشارت في تقريرها إلى أنه “من غير الواضح ما إذا كان التغيير نتيجة للصياغة (التجريم مقابل العقوبة) أو أن هناك دعم متزايد لمعاقبة الزبائن”.

هذا لا يعني أن الإسرائيليين لا يجدون عموما الدعارة ضارة. حوالي 81% قال في إستطلاع الرأي الذي أجري عام 2015 بأن الظاهرة تمس بالكرامة الإنسانية، و70% وافقوا على أنها ظاهرة إجتماعية تمس بالعلاقة بين الرجال والنساء، في حين قال 74% منهم بأنهم يعتقدون بأن عمال الجنس غير قادرين على ترك هذه الدائرة من دون مساعدة.  الإسرائيليون يعتقدون أيضا بأن المومسات يعانين عادة من أذى نفسي (87%) وأذى جسدي (76%) واغتصاب (70%) وسرقة (60%). في الوقت نفسه، 55% منهم قالوا بأن للنساء الحق على أجسادهن، بما في ذلك بيع أجسادهن، وغالبية من شملهم إستطلاع الرأي عارضوا معاقبة المومسات (63%).

وحوالي النصف (54%) قالوا بأن قوانين من شأنها معاقبة الزبائن ستخفف من الظاهرة.

مظاهرة ضد الإتجار بالنساء أمام الكنيست الإسرائيلي في 5 فبراير، 2012. (Uri Lenz/Flash90)

مظاهرة ضد الإتجار بالنساء أمام الكنيست الإسرائيلي في 5 فبراير، 2012. (Uri Lenz/Flash90)

متطرقا إلى التفاوت بين معارضة الرأي العام والآراء حول فعاليته، خلص تقرير الكنيست في عام 2008 إلى أنه “على الرغم من أن آراء وتوقعات الرأي العام لا تتوقع بالضبط التأثير القانوني، يبدو أن حقيقة أن معظم الجمهور لا يعتقد بأنه ينبغي معاقبة الزبون تدل على وجهة نظر ترى بالدعارة مخاطر مشروعة وواسعة النطاق لعدم الإمتثال للقانون، وبالتالي إحتقار للقانون. من جهة أخرى، يبدو أن حقيقة أن معظم الجمهور يرى بأن التشريع المقترح سيقلل من نطاق الدعارة يعزز من من حجة أن وصمة العار للجريمة التي سترافق تجريم الزبون – إلى جانب التثقيف وتقديم الدعم – سيكون لديها على الأرجح تاثير على التغيير المعياري والمجتمعي”.

التقرير شدد أيضا على العلاقة بين عدم وجود دعم شعبي والتشريع: هل التشريع سيعكس التغيير المجتمعي أم سيخلقه؟

التقرير يشير إلى دكتولا نويا ريمالت من جامعة حيفا، التي شهدت أمام لجنة في عام 2007 أنه على الرغم من أنه من الأفضل أن يكون وعي الرأي العام هو الذي يدفع للتشريع، فهناك حالات في القانون الإسرائيلي التي خلقت فيها القوانين النقاش، مثل القوانين الصارمة ضد التحرش الجنسي في سنوات التسعينات، وحظر التدخين في الأماكن العامة.

في ذلك الوقت قالت ريمالت إن “عملية تثقيفية يجب أن تسبق التغيير القانوني”، مضيفة بأن “ذلك لا ينجح دائما بهذه الصورة”.