إعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ما هو إلا قبول بالواقع، كما قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مرارا وتكرارا خلال رحلته التي استمرت ليومين إلى أوروبا هذا الأسبوع.

نتنياهو صرح الإثنين من مقر الإتحاد الأوروبي في بروكسل: “أعتقد أن ما قام الرئيس ترامب بفعله هو وضع الحقائق مباشرة على الطاولة”.

وأضاف أن “السلام يستند على الواقع. إن السلام يستند على الإعتراف بالواقع، وأعتقد أن حقيقة أن القدس هي عاصمة إسرائيل تظهر بوضوح لكل من يزور إسرائيل، ويرى مقر برلماننا، الكنيست، ومقر حكومتنا وديواني وديوان رئيس الدولة والمحكمة العليا”.

قبل يوم من ذلك، خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، زعم نتنياهو أن السلام يجب أن يُبنى على “أساس الحقيقة، على حقائق الماضي والحاضر”.

كلما سارع الفلسطينيون إلى قبول “الواقع” بأن القدس هي عاصمة إسرائيل، كان ذلك أفضل، كما قال. وأضاف أن خطوة ترامب ثقبت خيال الفلسطينيين بأن القدس لهم، وبذلك دفعت بقضية السلام قدما، حسب أقواله.

وعندها، وبينما كان يحض الآخرين على تقبل الواقع، بدا أن نتنياهو بنفسه فقد إحساسه بالواقع، وتوقع أن “جميع أو معظم الدولة الأوروبية ستقوم بنقل سفاراتها إلى القدس، والإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والتواصل معنا بقوة من أجل الأمن والازدهار والسلام”.

لقد أوضح الأوروبيون مرارا وتكرارا أنهم لن يعترفوا بالقدس عاصمة لإسرائيل ولن ينقلوا سفاراتهم إليها.

قبل تصريحاته بلحظات قالت وزيرة خارجية الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني لنتنياهو: “أنت تعرف ما هو موقف الإتحاد الأوروبي”.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو خلال فطور مع وزراء خارجية دول الإتحاد الأوروبي في بروكسل، 11 ديسمبر، 2017. (Avi Ohayon/GPO)

“نحن نعتقد أن الحل الواقعي الوحيد للصراع بين إسرائيل وفلسطين يستند على الدولتين مع القدس عاصمة لدولة إسرائيل ودولة فلسطين وفق حدود 1967. هذا هو موقفنا الموحد وسنواصل احترام الاجماع الدولي حول القدس حتى يتم حل الوضع النهائي للمدينة المقدسة من خلال مفاوضات مباشرة بين الأطراف”، كما قالت.

يوم الجمعة أصدرت كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والسويد بيانا مشتركا أعادت فيه التأكيد على موقفها بأن القدس يجب أن تكون في نهاية المطاف عاصمة للدولتين الإسرائيلية والفلسطينية. “إلى ذلك الحين، لا نعترف بوجود سيادة على القدس”، كما جاء في البيان.

صحيح، في الأسبوع الماضي اعترفت جمهورية التشيك بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل. لكن المسؤولين الإسرائيليين منقسمين حول ما إذا كان ذلك أمرا جيدا أو سيئا بالنسبة للدولة اليهودية، بالنظر إلى أن هذا الإعتراف الجزئي يزيد من ترسيخ الموقف القائل أن القدس الشرقية ليست جزءا من إسرائيل وستصبح عاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية.

حتى المجر، التي كانت في الأسبوع الماضي الدولة الوحيدة من بين الدول 28 الأعضاء في الإتحاد الأوروبي التي اعترضت على إصدار بيان مشترك للتنديد بخطوة ترامب، أعلنت الإثنين أنها لن تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

يوم الإثنين قال رئيس الوزراء فيكتور أوربان، الذي رحب بحفاوة بنتنياهو في شهر يوليو، للصحافيين: “لا يوجد سبب يدفع المجر لتغيير سياستها في الشرق الأوسط. سنستمر مع السياسة المتوازنة التي نتبعها”.

دركي ينظر إلى رجل يلوح بالعلم الإسرائيلي وآخر يلوح بالعلم الأمريكي اللذان يقفان مقابل متظاهرين لا يظهرون في الصورة يشاركون في مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في باريس، 9 ديسمبر، 2017، احتجاجا على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل. (AFP/ Zakaria ABDELKAFI)

زعيم اليمين المتطرف في النمسا ووزير داخليتها المستقبلي على الأرجح، هاينز كريستيان شتراخه، الذي قال لنتنياهو في شهر يونيو أنه “من غير المعقول بالمرة عدم وضع سفارتنا النمساوية في القدس، كما نفعل في عواصم أخرى لبلدان أخرى في جميع أنحاء العالم”، وأشار هذا الأسبوع إلى أن فيينا لن تخرج على الأرجح عن الإجماع الأوروبي في هذا الشأن.

وبينما سار موكب نتنياهو عبر شوارع بروكسل المثلجة في طريقه إلى المطار، كررت موغيريني مجددا أن رؤية رئيس الوزراء بشأن اعتراف الدول الأوروبية بالقدس عاصمة لإسرائيل هي حلم بعيد المنال.

وقالت خلال مؤتمر صحفي عُقد في وقت الغداء “أدرك أن رئيس الوزراء نتنياهو ذكر بضع مرات أنه يتوقع من الآخرين الحذو حذو  الرئيس ترامب في قراره نقل السفارة إلى القدس. يمكنه الاحتفاظ بتوقعاته للآخرين، لأنه من جانب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لن تأتي هذه الخطوة”.

في ’عرين الأسد’، أي الإتحاد الأوروبي، لا تزال هناك لعملية السلام أهمية

رحلة نتتنياهو إلى “عرين الأسد” – كما وصف مساعدوه عاصمة الإتحاد الأوروبي على ضوء انحياز الإتحاد المزعوم للفلسطينيين – كانت ذات نوعية مختلفة عن رحلاته السابقة حتى الآن هذا العام.

في عام 2017، قطع نتنياهو العالم ذهابا وإيابا: زار إفريقيا مرتين – في ليبيريا وكينيا – وأصبح أول رئيس وزراء في منصبه يزور أمريكا اللاتينية وأستراليا وسنغافورة. وقام أيضا بزيارات إلى نيويورك وموسكو والصين وبوادبست وأماكن أخرى حيث بإمكانه التركيز على الترويج لإسرائيل كقوة صاعدة، وكبلد الشركات الناشئة الذي لديه الكثير ليقدمه لبلدان العالم.

في روسيا والصين ووسط أوروبا وأمريكا الجنوبية، الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني لا يهم الكثيرين. وخاصة في إفريقيا، حيث يرى العديد من القادة هناك بنتنياهو في الأساس زعيما قويا لدولة لديها القدرة على المساهمة بشكل كبير في المساعدات الإنمائية والابتكار التكنولوجي والخبرة الأمنية.

لكن في أوروبا الوضع مختلف. لدى الكثير من القادة هناك، سواء في الإتحاد الأوروبي أو لدى الدول الأعضاء كل على حدة، قلق عميق بشأن الجمود في العملية السلمية، والذي يرون بنتنياهو مسؤولا عنه في الأساس.

وصل نتنياهو إلى بروكسل بهدف التخفيف مما يُنظر إليها على أنها عدائية أوروبية تجاه الدولة اليهودية من خلال تبديد ما أسماها ب”الأساطير حول الشرق الأوسط” ومن خلال تسليط الضوء على مجالات مختلفة يمكن لإسرائيل أن تساهم فيها.

وزيرة خارجية الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، من اليمين، ورئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، خلال مؤتمر صحفي مشترك في بنى مجلس الإتحاد الأوروبي في بروكسل، الإثنين، 11 ديسمبر، 2017. (JOHN THYS / AFP)

أن التحدي الأكبر الذي تواجهه القارة هو موجة اللاجئين من الشرق الأوسط، كما افترض خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع موغيريني.

من خلال “منع انهيار أجزاء عدة من الشرق الأوسط متاخمة لإسرائيل والتي كان سيسطر عليها لولا ذلك مسلحين إسلاميين، ما سيدفع ملايين كثر إلى داخل أوروبا”، تقدم الدولة اليهودية خدمة أمنية لشعوب أوروبا، حسب أقوال نتنتياهو.

وتابع نتنياهو حديثه مشيدا ببراعة صناعات المركبات والأمن الإلكتروني والغاز الطبيعي الإسرائيلية.

وأضاف: “لذلك، فإن الشراكة بين إسرائيل وأوروبا حيوية؛ في رأيي، إنها مهمة ليس لنا فقط – من الواضح أنها كذلك، وإلا لما كنت هنا – ولكن أعتقد أنها مهمة لأوروبا أيضا”.

وأكد على استعداد إسرائيل للتوصل إلى اتفاق سلام، لكنه حمّل عدم استعداد الفلسطينيين القبول بالدولة اليهودية في إطار أي حدود مسؤولية الجمود الحالي.

وقال: “هذا ما أدى إلى الصراع، وهذا هو السبب في استمرار الصراع”.

بعد ساعتين من ذلك، قال نتنياهو لصحافيين على متن الطائرة في طريق العودة إلى البلاد إنه حض الإتحاد الأوروبي على إعادة التفكير في اثنتين من البديهيات الشائعة: إن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني هو قلب مشاكل المنطقة، وبأن المستوطنات هي قلب الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

وتجنب إعلان تأييده لحل الدولتين، كما قال، وسأل وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي ما إذا كانت هذه الدولة ستكون “كوستا ريكا أو اليمن”.

لم يكن هناك عدائية أو مقاومة لأفكار، كما قال للصحافيين. وأضاف أنه نجح “إلى حد كبير” بإقناع وزراء الخارجية بوجهات نظره.

وزيرة خارجية الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني (من اليسار) ورئيس الوزراء بينيامين نتنياهو عند وصوله إلى اجتماعهما في المجلس الأوروبي في بروكسل ، 11 ديسمبر، 2017. (AFP Photo/Pool/Eric Vidal)

ولكن بالإستناد على تصريحات موغيريني بعد مغادرة نتنياهو للمبنى، يبدو أن فرص تحقيق أمنيته بأن يكون قد نجح خلال نصف اليوم الذي قضاه في بروكسل بإقناع الإتحاد الأوروبي بتغيير موقفه أو تحويل تركيزه عن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني تضاهي الفرص في أن تتحقق توقعاته حول قيام الأوروبيين بنقل سفاراتهم إلى القدس.

صحيح، لقد تمت مناقشة علاقات ثنائية وتطورات إقليمية، كما قالت موغيريني خلال المؤتمر الصحفي، ولكن “من الواضح أن الوضع في القدس وآفاق العملية السلمية في الشرق الأوسط كانت النقاط الرئيسية التي ناقشناها”.

السلام الدائم “لا يزال على رأس سلم أولويات الإتحاد الأوروبي”، كما أكدت. “علي القول أن رئيس الوزراء نتنياهو أدرك، كما أعتقد، من الوزراء أنفسهم بأن هناك وحدة كاملة في الإتحاد الأوروبي في هذا الشأن: بأن الحل الواقعي للصراع بين إسرائيل وفلسطين يستند على دولتين، مع القدس عاصمة لدولة إسرائيل ودولة فلسطين”.