عقدت حكومة السلطة الفلسطينية، برئاسة رئيس الوزراء رامي الحمد الله، جلسة في قطاع غزة صباح الثلاثاء للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.

بعد الصور الاحتفالية والكثير من المصافحات، توصلت الحكومة إلى قرارها الأول: إزالة العقوبات التي فرضتها حكومته على القطاع إلى حين اجتماع ممثلين عن الفصيلين الفلسطينيين “فتح” و”حماس” في القاهرة في الأسبوع المقبل، على أقل تقدير.

بكلمات أخرى: لنرى ما لدى “حماس” لتقدمه وعندها سنتحدث. لا يوجد هناك غذاء مجاني، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يريد التأكد من أن “حماس” تدرك ذلك.

في حين أن أجهزة الإستخبارات المصرية حاولت ترتيب عرض من الوحدة في غزة، صب عباس الماء البارد على “حماس” ومصر وحتى على المسؤولين الكبار في “فتح” الذين سافروا إلى القطاع.

في لقاء مع شبكة التلفزيون المصرية CBC ليلة الإثنين، بعث عباس برسالة لكل الأطراف المعنية: إن الطريق إلى المصالحة طويلة وتتعلق بنقطة واحدة – سلاح “حماس”.

وبعد أن تعهدت الحركة من غزة بأنها لن تتخلى عن ترسانتها، جاء عباس وقال بوضوح إنه لن يقبل بنسخة فلسطينية لمنظمة “حزب الله” في لبنان أو بتخزين الأسلحة من قبل أي مجموعة غير السلطة الفلسطينية.

وقال عباس “دولة واحدة، حكومة واحدة، سلاح واحد”، وهو الشعار الذي دفع به دائما.

وقال عباس “كما قمت بسجن أعضاء من فتح لحملهم السلاح، الأمر نفسه سيكون مع جميع الفصائل”.

فلسطينيون يحتشدون عند معبر ’إيريز’ مع وصول موكب رئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله إلأى بيت حانون شمال قطاع غزة، 2 أكتوبر، 2017. (AFP Photo/Mahmud Hams)

فلسطينيون يحتشدون عند معبر ’إيريز’ مع وصول موكب رئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله إلأى بيت حانون شمال قطاع غزة، 2 أكتوبر، 2017. (AFP Photo/Mahmud Hams)

تصريحات عباس هذه لا تدع مجالا للغموض. لقد أعلم رئيس السلطة الفلسطينية “حماس” ومصر والرأي العام الفلسطيني بأنه لن تكون هناك مصالحة أو وحدة حقيقية إذا أصرت “حماس” على عدم التخلي عن سلاحها.

باختصار، لا ترفعوا سقف آمالاكم.

لم يكن محتوى المقابلة التي أدلى بها عباس للإعلامية المقربة من النظام المصري لميس الحديدي هو الذي أوصل الرسالة فقط، وإنما أيضا لغة جسده ونبرته واختياره للكلمات، والتي أظهرت جميعها أنه يرى بأن المصالحة بين حركتي “فتح” و”حماس” غير واقعية.

عندما سُئل عن الأسباب التي أدت إلى نسف اتفاق المصالحة السابق الذي تم التوصل إليه في عام 2014، رد عباس من دون تردد: “قاموا [حماس] بخطف الجنود الثلاثة”، قبل أن يسارع إلى تصحيح نفسه بالقول “الأولاد”، في إشارة إلى اختطاف الفتية الإسرائيليين الثلاثة في الضفة الغربية من قبل عناصر في الحركة، وهو ما ساهم في اندلاع الحرب بين إسرائيل و”حماس” في عام 2014.

في المقابلة، تطرق عباس أيضا إلى نقل السلطة في غزة إلى السلطة الفلسطينية، مشددا على أنه معني بالسيطرة على المعابر الحدودية.

وقال إن “السلطة الفلسطينية ستسيطر على المعابر”، وعندما سُئل عما إذا كانت “حماس” ستوافق على ذلك، رد عباس بإن الإختبار الحقيقي سيكون على الأرض.

رئيس السلطة الفلسطينية رام الحمد الله (وسط الصورة) بترأس اجتماع لحكومة المصالحة في مدينة غزة، 3 أكتوبر، 2017. (AFP Photo/Pool/Mohammed Abed)

رئيس السلطة الفلسطينية رام الحمد الله (وسط الصورة) بترأس اجتماع لحكومة المصالحة في مدينة غزة، 3 أكتوبر، 2017. (AFP Photo/Pool/Mohammed Abed)

فيما يتعلق بالعقوبات الإقتصادية التي فرضتها السلطة الفلسطينية على غزة، حمّل عباس “حماس” المسؤولية في تشكيلها لهيئة إدارية خاصة بها في غزة، وهو ما اعتبره تماديا.

وشدد عباس على أنه فقط بعد استعادة حكومته للسيطرة الإدارية في غزة “تماما كما تفعل في الضفة الغربية”، سيتم رفع العقوبات.

رئيس المكتب السياسي لحركة ’حماس’ إسماعيل هنية يلوح للجماهير عند وصوله لعقد لقاء مع رئيس وزراء السلطة الفلسطينية ومسؤولين آخرين في مدينة غزة في 1 أكتوبر، 2017. (AFP Photo/Said Khatib)

رئيس المكتب السياسي لحركة ’حماس’ إسماعيل هنية يلوح للجماهير عند وصوله لعقد لقاء مع رئيس وزراء السلطة الفلسطينية ومسؤولين آخرين في مدينة غزة في 1 أكتوبر، 2017. (AFP Photo/Said Khatib)

عندما سُئل من قبل محاورته حول ما الذي سيقوله لرئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية عندما يقوم بزيارة غزة، بدا وكأن عباس تماسك نفسه وامتنع عن إعطاء رد قاسي.

بعد سنوات من محاولات المصالحة الفاشلة، بدا عباس أيضا متشككا بشأن فرص وحدة وطنية حقيقية.

لقد وضّح أن إجراء إنتخابات قريبة هو أمر غير مؤكد، وأن حتى إقامة الدولة الفلسطينية لن تحدث قريبا – وهو تصريح مفاجئ من قائد يقول لشعبه في كل فرصة ممكنة إن إقامة دولة خاصة به هي أمر وشيك.

على الرغم من هذا التشكك، تحدث عباس باحترام عن مصر ودورها في التوسط في المصالحة.

مصر ترمي بثقلها وراء جهود المصالحة

فيما يتعلق بمصر، يمكن عذر أي مشاهد للتلفزيون المصري لاعتقاده بأن ما يجري في غزة في اليومين الأخيرين هو شأن مصري داخلي. فالإعلام المصري لا يصور الرئيس عبد الفتاح السيسي على أنه من يقف وراء هذه المصالحة فحسب، ولكن يتم تصويره أيضا على أنه القائد الأعلى في المنطقة الذي تمكن من المصالحة بين طفلين ووضع حد لمشاجراتهما.

لقد رمت المخابرات المصرية بثقلها وراء هذه المسألة. الجنرال سامح كامل، المسؤول عن الشؤون الإسرائيلية-الفلسطينية في المخابرات المصرية، وصل إلى غزة الإثنين، في حين كان من المقرر أن يصل وزير المخابرات المصرية خالد فوزي في زيارة إلى رام الله يوم الثلاثاء قبل أن يتوجه إلى القطاع.

في الأسبوع المقبل، ستستضيف مصر مسؤولين كبار من حركتي “فتح” و”حماس” في القاهرة لإجراء مناقشات أكثر عمقا عن تفاصيل اتفاق المصالحة.

مقاتل من حركة ’حماس’ يقف إلى جانب يافطة تحمل صورة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالقرب من مقر الحكومة في مدينة غزة، 3 أكتوبر، 2017. (AFP Photo/Mohammed Abed)

مقاتل من حركة ’حماس’ يقف إلى جانب يافطة تحمل صورة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالقرب من مقر الحكومة في مدينة غزة، 3 أكتوبر، 2017. (AFP Photo/Mohammed Abed)

لقد كان الجنرال كامل ممثلا للمخابرات المصرية في تل أبيب لعدة سنوات. وهو يدرك جيدا قيود كل طرف في أي اتفاق مصالحة، وكذلك موقف إسرائيل من الوحدة الفلسطينية.

ينبغي على الفلسطينيين أن يأملوا بأنه ما زال لديه بعض الأوراق ليلعبها، حيث أن المواقف التي طرحها عباس من جهة وتلك التي طرحتها “حماس” من الجهة الأخرى تشير إلى أن جهود المصالح ستنتهي مع قليل من الضجة.