وسائل الإعلام التي تغطي الشرق الأوسط، الإسرائيلية وغيرها، تميل للتعامل فقط مع التهديدات الإقليمية، والتطورات السلبية القادمة التي تبشر “بدمارنا”. داعش، حزب الله، حماس، إيران، الجهاد الإسلامي إلخ. هذا هو الحال في بعض الأحيان، كما حدث في نهاية هذا الأسبوع، حيث يقوم العنف الإسلامي بكل وضوح بحشد قواه ما وراء هذه المنطقة.

ولكن واقع الأشهر الأخيرة في المنطقة يدل على ظهور “شرق أوسط جديد”، حيث ليس كل ما يجري به هو تطور سلبي للعالم المتحضر أو لدولة إسرائيل.

في الوقت الذي تواجه فيه فرنسا سلسلة غير مسبوقة من الهجمات الإرهابية، خريطة الشرق الأوسط آخذة بالتغير.
وبعض الدول التي عرفناها كتهديد شديد على أمن اسرائيل، مثل سوريا والعراق، اختفت عن الوجود. ومن جهة أخرى، التيارات الجديدة في الشرق الأوسط قد تخلق العديد من الفرص بالسياق العربي-الإسرائيلي.

أولا وقبل كل شيء، من بين أربعة التيارات الموجودة اليوم في العالم العربي، فإن التيارات الثلاثة التي تُعتبر إشكالية بالنسبة لإسرائيل، في حالة ضعف: المجاهدين، الإخوان المسلمين والتيار الشيعي-إيراني. بينما التيار الرابع، المعتدل أكثر، يقوى أكثر فأكثر.

تقدم التيار الجهادي (القاعدة، جبهة النصرة، داعش) يتوقف ببطء. أدى التحالف الدولي والعربي، بالإضافة الى بعض الأطراف المحلية مثل الأكراد، إلى تحول داعش لشيء مخيف اقل مما كان عليه قبل نصف عام. هنالك انجازات كبيرة للتحالف الدولي في العراق ومن الواضح أن التنظيم يواجه مشاكل جدية. هنالك تباطؤ بتوسّع داعش في سوريا أيضا، ولكن من الصعب رؤية انتهاء الحرب الأهلية هناك في المستقبل القريب.

ومن الجدير بالذكر أنه لا يتم التصدي للجهاديين في سوريا والعراق فقط. فهم يتلقون ضربات قوية في ليبيا وفي سيناء أيضا.

هذه النكسات، كما أشار هذا المراسل في وقت سابق من هذا الأسبوع، من شأنها على الأرجح أن تُصعد من الجهود لتنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا.

تطور آخر يشعر به سكان إسرائيل، هو انخفاض أسعار النفط الحاد، ما يؤدي للضعف الإقتصادي للتيار الشيعي. قد يكون لهذا التطور تأثيرا كبيرا على إيران وعلى ليونتها بالمفاوضات حول برنامجها النووي. وقد يكون له تأثيرا على التيار الشيعي بأكمله وعلى قدرة إيران الإستمرار بدعم حزب الله، الجهاد الإسلامي وما تبقى من نظام الأسد بنفس القدر. مع هبوط الأرباح من النفط بنسبة 50%، بسبب هبوط الأسعار، إيران بحاجة ماسّة لوقف العقوبات الإقتصادية المفروضة عليها. هبوط أسعار النفط هو قصة مثيرة بحد ذاته.

يعتقد العديد أن هذا يتعلق برغبة السعودية بإلحاق الأذى بالإقتصاد الإيراني، ولكن لم يكن هذا هو هدف السعوديين الأساسي. رفض السعوديون تقليص إنتاج النفط، وبهذا رفع الأسعار،يهدف بالأساس لمنع امكانية المنافسة على سوق الطاقة من قبل شركات طاقة أمريكية تنتج الغاز من الصخور النفطية. تكلفة إنتاج هذا الغاز باهظة جدا، ولهذا في حال انخفاض أسعار النفط، تتحول الصخور النفطية لغير مربحة. ولكن مع هذا، فرح السعوديون بإمكانية إلحاق الضرر بالإقتصاد الإيراني في الوقت نفسه.

وفعلا، بدأت الخطة المالية الإيرانية لعام 2015 قبل نصف عام، على اساس التقدير ان برميل النفط سوف يباع بـ115 دولار. في شهر يونيو الماضي، كانت أسعار النفط حوالي 110 دولار للبرميل. تم تعديل الخطة المالية الإيرانية بعد هبوط الأسعار، والتقدير كان أن البرميل سوف يباع بـ70 دولار.

سعر برميل النفط هذا الأسبوع وصل إلى حوالي 50 دولار. الخطة المالية الحالية لإيران هي زيادة تصدير النفط في شهر يونيو (2015) من 1.1 مليون برميل إلى 1.5 مليون. أو بكلمات أخرى، إيران تعتمد على نجاحها بالوصول إلى إتفاقية حول برنامجها النووي، وبهذا تخفيف العقوبات على صناعة النفط الخاصة بها.

التطور الإيجابي الثالث هو سقوط الإسلام السياسي، مثل الإخوان المسلمين. مع أن هؤلاء أقل تطرفا من داعش، ولكنهم لا يزالون متطرفين بما فيه الكفاية لنفرح بسقوطهم. هذا يحدث في تونس، ومصر بالتأكيد، وحتى في قطر، أكثر دولة داعمة للإخوان المسلمين في السنوات الأخيرة، والتي قررت تغيير توجهها والتقرب من التيار السني الواقعي.

والتطور الرابع متعلق بهذا التيار، الرابع، للدول العربية السنية المعتدلة. نفوذ السعودية، الإمارات ومصر يزداد وهي تحقق انجازات كبيرة في الصراع على مستقبل الشرق الأوسط. بالشراكة مع الأردن والسلطة الفلسطينية، يتكون هنا تيار سني عاقل، يرغب بإعادة الهدوء والإستقرار للمنطقة، ويعرض على إسرائيل فرصة سياسية وإقتصادية رائعة.

مقابل الدول العربية التي تتفكك و/أو تختفي (العراق، سوريا، السودان، ليبيا، اليمن)، يقف الآن بعض القادة العرب الذين يظهرون تخطيطا استراتيجيا وعزما، يمكن فقط أن نحلم أن نراه عند القادة الإسرائيليين.

يشير النجم الصاعد الجديد في سماء الشرق الأوسط، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى جانب حليفه السعودي الملك عبد الله، الذي يعاني من مشاكل صحية، ونظيره الأردني، إلى فرص لمستقبل أفضل للمنطقة.

بعد أن أحست بالعواقب القاتلة للتطرف الإسلامي، ستراقب أوروبا عن كثب وستأمل بأن يقوم المعتدلون نسبيا بمزيد من الخطوات.