رمضان في رام الله. من الصعب القول إن شيئا ما تغير في الجو العام هذه السنة في أعقاب “إنتفاضة الأفراد”. الشوارع مزدحمة والأسواق مكتظة والمحال التجارية تعلن عن حملات وتنزيلات. جنون التسوق بمناسبة شهر رمضان في أوجه. بين مرة والأخرى تظهر يافطة تدعو إلى مقاعطة البضائع الإسرائيلية ويبدو أنه لا يوجد هناك من يقوم بذلك أو متحمس أكثر من اللزوم لهذه الحملة.

محال الحلويات تعمل ساعات إضافية في تجهيز القطايف. بعد 16 ساعة من الصوم عن الشرب والأكل والتدخين تشكل القطايف ذروة وجبة الإفطار التي تعلن إنتهاء يوم الصوم.

تحت السطح ظل الواقع المؤسف والقابل للإنفجار كما هو بالنسبة للسكان الفلسطينيين. على الرغم من هبوط مستوى العنف، ولكن مع إسرائيل لم يتغير أي شيء. الأفق السياسي مع إسرائيل يبدو مسدودا وكذلك التوتر بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية لا يزال كما هو. جولة أخرى من المحادثات التي أجريت في قطر بين ممثلي فتح من جهة وحماس من الجهة الأخرى انتهت في الأسبوع الماضي من دون تحقيق تقدم يُذكر. لا توجد هناك مصالحة داخلية فلسطينية. في فتح عم الغضب من الصورة التي نشرتها السلطات في قطر من وجبة الإفطار التي أقيمت هناك لمسؤولين من الحركتين والتي يظهر فيها عزام الأحمد، أحد ممثلي حركة فتح، وهو يأكل بشهية لحم خروف. عادت حماس وفتح لمهاجمة أحدهما الأخرى، وفي الضفة والقطاع عادت قوى الأمن التابعة للمنظمتين بإعتقال وملاحقة أعضاء التنظيمات المنافسة.

معنى ذلك بالنسبة لإسرائيل، بإختصار، هو أن التنسيق الأمني بين إسرائيل والفلسطينيين سيبقى كما هو. نعم، على الرغم من قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بوقف التنسيق الأمني هناك حتى من سيقول أن هذا التنسيق تحسن وأفضل من أي وقت مضى. على الرغم من خطاب محمود عباس شديد اللهجة في البرلمان الأوروبي الخميس، والذي اتهم فيه إسرائيل بقتل الفلسطنييين، في المواقع الإلكترونية التابعة لحركة حماس ينشرون بشكل شبه يومي تقارير عن المزيد من المداهمات والإعتقالات التي نفذتها قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في صفوف نشطاء في الجهاد الإسلامي أو في حماس.  وعلى الرغم من محاولات بعض المتحدثين بإسم قوى الأمن الفلسطينية إنكار وجود تنسيق كهذا، يبدو أن الوضع الفعلي مختلف تماما وأن العلاقات بين المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وتلك الفلسطينية آخذة بالإزدهار. ويدور الحديث هنا على جميع الأصعدة: الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك) ومديريات التنسيق والإرتباط.

مؤخرا فقط على سبيل المثال قرر أحد قادة المناطق الفلسطينيين، الذي رُزق بطفل، دعوة نظيره الإسرائيلي للحفل. يبدو ذلك غير واقعي بالنظر إلى الواقع السياسي، ولكن على المستوى الشخصي نشأت في مرات كثيرة علاقات شخصية بين قادة إسرائيليين وفلسطينيين. الأهم من ذلك، نجحت السلطة الفلسطينية في الأشهر الأخيرة في إحباط عدد كبير من العمليات ضد أهداف إسرائيلية، سواء من خلال مراقبة مواقع التواصل الإجتماعي أو من خلال معلومات إستخباراتية محددة، وصلت أحيانا من الجانب الإسرائيلي.

متظاهر فلسطيني يتحدث الى رجال شرطة الشغب الفلسطيني وهم وراء دروعهم في محاولة لعرقلة تقدم المحتجين الذين يتظاهرون ضد التعاون الجديد بين الشرطة الفلسطينية والشرطة الاسرائيلية للعثور على ثلاثة من المراهقين الإسرائيليين المفقودين في 23 يونيو 2014 في مركز بلدة الضفة الغربية رام اللهAFP PHOTO / ABBAS MOMANI

متظاهر فلسطيني يتحدث الى رجال شرطة الشغب الفلسطيني وهم وراء دروعهم في محاولة لعرقلة تقدم المحتجين الذين يتظاهرون ضد التعاون الجديد بين الشرطة الفلسطينية والشرطة الاسرائيلية للعثور على ثلاثة من المراهقين الإسرائيليين المفقودين في 23 يونيو 2014 في مركز بلدة الضفة الغربية رام اللهAFP PHOTO / ABBAS MOMANI

عملت أجهزة الأمن الفلسطينية على تحييد “نقاط إحتكاك” ثابتة بين شبان فلسطينيين والجيش الإسرائيلي. في المقابل كان هناك هبوط في مستوى عمليات الجيش الإسرائيلي داخل مدن الضفة الغربية بصورة أدت إلى التلقيل من الإشتباكات بين الجانبين. على الأرض سُجلت أحيانا مظاهر غير متوقعة لتنسيق غير “كلاسيكي” بين الطرفين. من أبرزها على سبيل المثال قرية بيت عمر التي تقع بين بيت لحم والخليل. في كل جنازة أجريت في القرية تقريبا تم تسجيل حالات إلقاء حجارة على مركبات إسرائيلية سافرت على طريق رقم 60 ما أدى إلى إطلاق نار من الجانب الإسرائيلي ومصابين فلسطينيين والمزيد من الجنازات وهكذا دواليك. حتى قرر رئيس المجلس المحلي في مرحلة معينة الأخذ بزمام الأمور ووقف في أيام الجنازات مع مركبته وأصدقائه بين الشبان وبين الجنود وبذلك منع وقوع المزيد من التقلى والجرحى. عندما قلّ عدد المصابين، قلّ إلقاء الحجارة أيضا بدرجة معينة.

سيكون هناك من يقول بأن هذا التنسيق لا ينبع من حب بين الجانبين. وهو محق بكل تأكيد. طريقة عمل السلطة الفلسطينية تغيرت في الأساس في أعقاب الخصومة المريرة مع حركة حماس وإدارك أن “إنتفاضة القدس”، كما تسميها الحركة، خدمت مصالح حماس وأضرت بشكل كبير بمكانة السلطة. من هنا عمليا جاء القرار للعمل ضد منفذي الهجمات وضد التظاهرات.  بالنسبة للسلطة الفلسطينية، فإن استطلاعات الرأي التي تم نشرها وأشارت إلى هبوط في شعبية الرئيس محمود عباس وحركة فتح بين الجمهور، وكذلك نتائج الإنتخابات في بير زيت والتي فازت بها حماس (وهي بمثابة بارومتر للرأي العام الفلسطيني) هي تنبيه بأن هجمات الأفراد هي سلاح ذو حدين. المشكلة كانت أن الرأي العام ضغط لوقف التنسيق الأمني والسياسيون في فتح مثل أي سياسي جيد، أدركوا إلى أين تهب الرياح وسارعوا للخروج بتصريحات ضد التنسيق الأمني.  من هنا جاء إعلان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الهيئة الفلسطينية الأكبر التي يُفترض أنها المسؤولة عن اتخاذ قرارت إستراتجية، عن وقف التعاون الأمني. ولكن عمليا، كما ذكر أعلاه، لم يتغير أي شي.

لن نرفع الراية البيضاء

عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية وإتحاد كرة القدم الفلسطيني، جبريل رجوب،  يذكره الكثير من الإسرائيليين من فترة عمله رئيسا لجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في الضفة. صوت إيجابي وعاقل أيد دائما العيش المشترك واتفاق سلام مع إسرائيل. في السنوات الأخيرة، ربما بسبب المنافسة في قيادة فتح ومحاولة إعادة تثبيت مكانته، أدلى بعدد من التصريحات المتطرفة للغاية، من ضمنها تصريح قال فيه أنه لو كان في السلطة الفلسطينية قنبلة ذرية، لكان استخدمها ضد إسرائيل.

في الوقع رجوب ظل “أبو رامي” الذي نعرفه، ربما أكثر تشاؤما، وربما متطرف في تصريحاته حول الحكومة الإسرائيلية، ومع ذلك، في محادثة أكثر خصوصية وأقل نارية، من الواضح أن الرجل لا يزال يرغب باتفاق سلام مع إسرائيل على أساس الدولتين لشعبين.

في حديث من مكتبه في شمال رام الله هذا الأسبوع، سألته كيف أنه لا يتم تطبيق قرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حيث أن التنسيق الأمني لا يزال قائما. رجوب، سياسي محنك معتاد على التعامل مع وسائل إعلام إسرائيلية، أعطى جوابا طويلا لم يعطي فيه حلا لهذا التناقض.

رئيس إتحاد كرة القدم الفلسطيني جبريل رجوب خلال حديثه في مؤتمر صحفي في رام الله، 2 فيراير، 2014. (Issam Rimawi/Flash90)

رئيس إتحاد كرة القدم الفلسطيني جبريل رجوب خلال حديثه في مؤتمر صحفي في رام الله، 2 فيراير، 2014. (Issam Rimawi/Flash90)

“في سنوات التسعينات قررنا أن تكون هناك مصالحة بين الشعبين بحسب اتفاق تمت المصادقة عليه في مؤسسات الطرفين. الرئيس الأمريكي في حينها أيده أيضا وحتى مؤسسات الأمم المتحدة. نشأت آلية تعاون بيننا وبينكم في عدة مجالات، وليس في الأمن فقط: الإقتصاد والماء والمفاوضات بالطبع. واجهنا الكثير من الصعوبات خلال هذه الأعوام ولكن مؤخرا أدركنا أن طرفا واحدا، أنتم الإسرائيليون، لا يلتزم بالإتفاق الذي كان من المفترض أن يؤدي إلى إنهاء الإحتلال ولإقامة دولة فلسطينية  مع حل لمخاوف العقلانية للإسرائيليين. أنتم ركزتم فقط على الجانب الأمني.

“من جهتنا يوجد في الوقت الراهن قرار بوقف العلاقات الثنائية في كل المجالات والتوجه إلى المجتمع الدولي. لا توجد بيننا ثقة، ولا يوجد أمل ولكن في المقابل علينا العمل كسلطة مسؤولة وإثبات أحقيتنا بدولة. نحن في نقطة قررنا فيها وقف العلاقات مع الجانب الإسرائيلي، ولا يزال من غير الواضح متى سيحدث ذلك. قد يحدث ذلك غدا، اليوم أو في كل يوم آخر. الحكومة الإسرائيلية ليست شريكا بالنسبة لنا وعليكم إدراك أننا لسنا بحمقى. نحن نعمل حاليا في محاولة لعدم المس في المعسكر الذين يؤمن بالعيش المشترك والسلام عندكم وعدم إلحاق أضرار بجهود المجتمع الدولي بقيادة فرنسا.

“آمل أن تصل الرسالة إلى الإسرائيليين وأن يدركوا بأن الخطر الوجودي بالنسبة لهم يأتي من استمرار الإحتلال الوحشي والعنصري والفاشي، الشبيه بورم خبيث. وفقط إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، هي التي ستؤدي إلى الحفاظ على التطلعات القومية لدولة إسرائيل. آمل أن يتم استيعاب رسالتنا الغير عنيفة على جانبكم ولكننا لا نعتزم رفع الراية البيضاء”.

عندما أصريت مع ذلك على موضوع قرار وقف التنسيق الأمني، انتقل رجوب إلى إجابة ذكرتني ببرامج تلفزيون الواقع على التلفزيون الإسرائيلي: “يتم طهي المسألة”.