كيسوفيم – على عمق خمسة أمتار تحت الأرض، وحوالي 200 متر داخل الأراضي الإسرائيلية، يقع مدخل نفق ضيق أدى تدميره في شهر أكتوبر إلى تصعيد التوتر في محيط قطاع غزة، ما أدى إلى إطلاق صواريخ وقذائف هاون بالإضافة إلى مواجهات عنيفة متكررة على طول السياج الأمني المحيط بالقطاع الساحلي.

يوم الخميس، سمح الجيش للصحافيين بزيارة النفق، الذي تم حفره من قبل حركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية، وكذلك إلى داخل موقعي بناء حيث يعمل العمال على الحفر عميقا تحت الأرض لبناء جدران إسمنتية محصنة ومجهزة بأجهزة إستشعار لجدار ضخم تحت الأرض يهدف لمحاصرة قطاع غزة ووضع حد لتهديد الأنفاق تحت الأرض مرة واحدة وإلى الأبد.

في الأسابيع والأشهر القادمة، مع التقدم في أعمال البناء، يتوقع الجيش إيجاد وتدمير المزيد من الأنفاق الهجومية الممتدة إلى داخل الأراضي الإسرائيلية من غزة. الجدار تحت الأرض الذي يتم العمل على بنائه سيمنع من “حماس” و”الجهاد الإسلامي” وحركات متطرفة أخرى في غزة عن  ما يمكن القول إنه السلاح الإستراتيجي الوحدي الذي بحوزتها حاليا، وهي حقيقة يقول مسؤول إن هذه الحركات بدأت تستوعبها ببطء.

وقال المسؤول “إن المسألة فقط هي إدراكهم لذلك”.

نفق حركة “الجهاد الإسلامي” الفلسطينية بدأ من مدينة خان يونس في غزة، على بعد نحو كيلومتر من الحدود مع إسرائيل. بحسب المسؤول في الجيش الإسرائيلي، تم حفره بمعدل يتراوح بين 10 و20 مترا يوميا من قبل عمال عملوا في نوبات ووصل عمقه الأقصى إلى 28 مترا.

نفق تم تدميره لحركة ’الجهاد الإسلامي’ الفلسطينية، امتد من غزة إلى داخل إسرائيل، بالقرب من كيبوتس كيسوفيم في جنوب البلاد. (Jack Guez/AFP/POOL)

النفق نفسه لم يكن مثيرا للاهتمام. على الأرضية تناثرت زجاجات الصودا الفارغة وأكياس البلاستيك التي حملت التراب مرة. قطع خشنة من حديد التسليح تدلت من الجدران. رأس هذا المراسل الذي يصل طوله إلى 1.83 مترا لامس السقف. ولكن لسكان كيبوتس كيسوفيم القريب، على بعد نحو كيلومترين، كان من الممكن أن يتسبب هذا النفق بكارثة.

بحسب أحد السيناريوهات الكارثية، كان بإمكان عشرات المسلحين الخروج من النفق الهجومي والتسلل إلى داخل بلدة إسرائيلية متاخمة للحدود والقيام بمذبحة ضد السكان أو احتجازهم كرهائن. من الناحية العملية، تم استخدام الأنفاق حتى الآن لشن هجمات تسلل ضد جنود إسرائيليين، بما في ذلك عمليات اختطاف.

في 30 أكتوبر، قام الجيش الإسرائيلي بتفجير الممر تحت الأرض، ما أسفر عن مقتل خمسة من عناصر “الجهاد الإسلامي” الذين كان يقومون بأعمال حفر حينذاك على الفور. وقُتل أيضا تسعة عناصر آخرين، الذين كانوا جزءا من محاولة إنقاذ خطيرة، من ضمنهم قائدان كبيران وعنصران من حركة “حماس.

وتوعدت حركة “الجهاد الإسلامي” المدعومة من إيران بالإنتقام، وبالفعل شنت عددا من الهجمات في الأشهر التي تلت ذلك، وانضمت إليها منظمات متطرفة صغيرة أخرى في القطاع.

قبل موجة الهجمات هذه، كان عام 2017 في طريقة ليكون واحدا من أكثر السنوات هدوءا من حيث الهجمات من قطاع غزة، مع مرور عدة أشهر من دون وقوع أي حادثة. بدلا من ذلك، في غضون بضعة أسابيع، شهدت إسرائيل سقوط عدد من الصواريخ والقذائف يساوي العدد الذي سقط فيها في العامين السابقين معا.

في أوائل ديسمبر، كشف الجيش الإسرائيلي عن تفق آخر امتد إلى داخل الأراضي الإسرائيلية وقام بتدميره. من قام بحفر هذا النفق هي حركة “حماس”. ليلة السبت الماضي، قام الجيش بتدمير نفق ثالث، امتد إلى داخل إسرائيل من مدينة رفح في غزة، من تحت معبر كيرم شالوم (كرم أبو سالم)، الذي تمر عبر تقريبا جميعه المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر.

على الرغم من مرور أسبوعين منذ سقوط آخر قذيفة من غزة في إسرائيل – تم إطلاق قذائف أخرى خلال هذه الفترة لكنها سقطت قبل دخولها إسرائيل – يعتقد الجيش أنه لا يزال هناك احتمال لتجدد الصراع.

جدار ’بأي ثمن’

في غضون ذلك، يستمر العمل على قدم وساق على الجدار تحت الأرض الذي يبلغ طوله 65 كيلومترا،  ويشار إليه في إسرائيل باسم “العائق”.

ضابط عسكري إسرائيلي يدخل نفقا تم تدميره لحركة ’الجهاد الإسلامي’ الفلسطينية، امتد من غزة إلى داخل إسرائيل، بالقرب من كيبوتس كيسوفيم في جنوب البلاد. (Jack Guez/AFP/POOL)

أحد المخاوف الرئيسية للجيش الإسرائيلي هو أن تحاول “حماس” أو “الجهاد الإسلامي” استخدام أحد أنفاقهما المتبقية لتنفيذ هجوم داخل إسرائيل قبل اكتشافه. ومع ذلك، قال مسؤولون عسكريون مرارا وتكرارا إنه لن يكون هناك ما سيردعهم عن استكمال الجدار.

وقال مسؤول في الجيش الإسرائيلي في شهر أغسطس إن “إسرائيل ستدافع عن هذا الجدار بكل طريقة ممكنة”، وأضاف “”سيتم بناء هذا الجدار. نقطة. بأي ثمن”.

حتى الآن، تم بناء حوالي أربعة كيلومترات من الجدار حول أكثر البلدات الإسرائيلية عرضة للخطر منذ بدء العمل عليه بصورة جادة في أوائل الصيف الماضي. بالإضافة إلى عمليات الحفر الفعلية للجدار، كان على الجيش أيضا بناء خمس مصانع إسمنت في المنطقة والقيام باستعدادات أخرى.

ومن المقرر أن ينتهي العمل على بناء الجدار تحت الأرض قبل نهاية عام 2019، بحسب ما قاله مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي.

وقال المسؤول إنه من دون إمكانية الوصول إلى الأنفاق، سيكون على المنظمات المتطرفة في غزة التحول إلى أساليب أخرى لتهديد إسرائيل، والتي ستكون على الأرجح طائرات مسيرة وهجمات من البحر أو أنواع صواريخ أكثر تطورا.

وحذر الجيش الإسرائيلي “حماس” من مغبة محاولة تحقيق تقدم على كافة هذه الجبهات الثلاث.

ولكن في حين أن الجيش يستعد لهذه التهديدات الجديدة، فإن شعبة غزة في الجيش الإسرائيلي تعمل 24 ساعة في اليوم، ستة أيام في الأسبوع – على الرغم من أن معظم العمال ليسوا يهودا، إلا أن أعمال البناء تتوقف يوم السبت – لإنهاء الجدار تحت الأرض ووضع حد لتهديد الأنفاق، بحسب ما قاله المسؤول الكبير في الجيش الإسرائيلي.

طريقة  بناء جدار هائل تحت الأرض

الجيش كان قد اقترح بناء الجدار في أعقاب حرب غزة في عام 2014، والتي تُعرف في إسرائيل باسم “عملية الجرف الصامد”. خلال المعارك، استخدمت “حماس” على نطاق واسع شبكات الأنفاق لإرسال مقاتليها إلى داخل إسرائيل وكذلك لنقل عناصرها وذخيرتها داخل قطاع غزة.

على الرغم من أن الجيش كان قد كشف في السابق عن أساليب بناء الجدار تحت الأرض – عن طريق استخدام تقنية شائعة تُعرف باسم “الجدران الطينية” – فإن يوم الخميس شكل فرصة أولى أتاحها الجيش للصحافيين لإلقاء نظرة عن قرب على مواقع البناء، لكن التصوير كان ممنوعا.

مئات الاشخاص الذين يعملون على هذا المشروع جاءوا من جميع أنحاء العالم، من البرازيل إلى الهند، بحسب مسؤول في الجيش الإسرائيلي.

فرق بناء إسرائسبسة تعمل على جدار حدودي إسمنتي يمتد فوق وتحت الأرض على طول الحدود مع غزة، سبتمبر 2016. (لقطة شاشة: Ynet)

خشية أن تحاول “حماس” أو منظمات متطرفة أخرى عرقلة عمليات البناء، على كل العمال ارتداء خوذات وسترات واقية، لكن يوم الخميس لم يرتدي الكثير منهم سترات واقية وجميعهم تقريبا كانوا من دون خوذات.

مستخدمين ماكنة تُدعى “هيدورميل”، يقوم العمال بحفر خندق عميق في الأرض وملئه بخليط سائل من الطين والماء، ما يمنع الحفرة من الانهيار. بعد ذلك يقومون بإنزال شبكة معدنية، توفر دعما وقوة للجدار. وفي النهاية، يقومون بإنزال أنبوب إلى أسفل الخندق وملء الفراغ بأسمنت، الذي يدفع بدوره خارجا خليط البنتونيت.

وبمجرد الإنتهاء من خندق واحد، ينتقل الفريق للعمل على الخندق الذي يليه، لمسافة 65 كيلومترا.

ومن المفترض أيضا أن تكشف العملية بشكل تلقائي عن أي نفق يمتد إلى داخل إسرائيل، حيث أن خليط البنتونيت السائل سيصب فيه.

ولم يحدد الجيش عمق الجدار تحت الأرض، واكتفى المسؤول العسكري فقط بالقول، بابتسامة، بأنه “عميق بما فيه الكفاية”.

ويتم بناء الجدار بكامله داخل الأراضي الإسرائيلية، على بعد 50 مترا من الحدود مع غزة في أقرب نقطة لها وعلى بعد 300 مترا من أبعد نقطة .

وإجمالا، من المتوقع أن يكلف تحصين الحدود مع غزة حوالي 3 مليار شيكل (877 مليون دولار)، مع تخصيص 2.4 مليار شيكل (700 مليون دولار) للجدار تحت الأرض.

بالإضافة إلى الجدار تحت الأرض، يقوم الجيش أيضا ببناء سياج فولاذي جديد، يبلغ طوله حوالي ثمانية أمتار، بالإضافة إلى وضع حواجز مياه إضافية على الساحل المحيط بغزة وإجراءات وقائية أخرى بهدف منع التسلل إلى داخل إسرائيل من البحر، كما حدث خلال حرب غزة في عام 2014.