في كل يوم جمعة تقريبًا، وأحيانًا في منتصف الأسبوع، تتكرر هذه الطقوس. يبدأ ذلك بعد صلاة الظهر في الجوامع في مركز الخليل. يجلب حجر واحد، والذي ألقي من أحد الأزقة في منطقة H-2 الموجودة تحت السيطرة الإسرائيلية، باتجاه الجنود، في أعقابه حجر آخر ومئات الحجارة بعد ذلك. تقوم قوات الجيش الإسرائيلي المتمرسة والتي تعرف الإجراءات جيدًا بإجبار راشقي الحجارة بالتراجع إلى H-1، الموجودة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.

عندها يبدأ عمل ضباط الارتباط في كلا الجانبين. يقوم قائد مديرية التنسيق والتواصل إفي بيطون، أو أحد رجاله، بالاتصال مع نظرائهم الفلسطينيين. ويقوم هؤلاء بإرسال قوة من الشرطة الفلسطينية والتي تقوم بتفريق الشبان في معظم الأحيان. في بعض الأحيان ينجح رجال الشرطة الفلسطينية بإنهاء الوضع بسرعة، وفي أحيان أخرى تنتهي الأحداث بعد بعض ساعات.

ان مستوى الثقة بين الطرفين كبير جدًا لدرجة أن الطرف الفلسطيني في حال تدهور الأوضاع يقوم بإعلام مديرية التنسيق والارتباط الإسرائيلية بأنه غير قادر على احتواء الوضع وعمليًا يترك الساحة لجنود الجيش الإسرائيلي.

وهذا ما يحصل أيضًا في حالة وجود اعتقالات. إذا أرادت قوة إسرائيلية اعتقال مطلوب في المناطق الفلسطينية، فقبل العملية بلحظات، سيتم إعلام قوى الأمن الفلسطينية وسيُطلب منها عدم الخروج من مراكز الشرطة خلال الاعتقالات. يبدو هذا الوصف وصفًا خياليًا على ضوء تبادل التهم اللانهائي بين قادة الطرفين، ولكن الواقع الفلسطيني يتطلب غير ذلك.

يتم الحفاظ على التنسيق الأمني وكذلك على عمليات قوات الأمن الفلسطينية ضد أعداء مشتركين مثل حماس والجهاد الإسلامي. قبل فترة صغيرة فقط حاولت حماس السيطرة على عدد من المساجد في المدينة وتحديد صياغة خطبة الجمعة بعد الصلاة، ولكن الأجهزة الفلسطينية منعت ذلك. هذا بالإضافة إلى عمليات الاعتقال وإحباط الهجمات المستمرة كل الوقت وبقوة من جانب السلطة في الخليل التي تعتبر معقلًا لحماس.

يبدو الواقع في المدينة غير حقيقي، وسرياليُا تقريبًا. لن ينجح أي فيلم هوليوودي بوصف الأشياء التي يتم القيام بها في الحياة اليومية.

ها هي مجموعة من جنود قوة ’الناحال’ تسير في القصبة، حيث يقوم قائدهم بإلقاء التحية على المارة الفلسطينيين وعلى التجار المداومون. ومن ثم يقوم أحد الشيوخ الجالسين في مدخل دكان بشتمه وشتم الجنود المرافقين له ويقول، “لينال منكم الله. دمرتونا”.

أحد الدكاكين في القصبة يقع تمامًا تحت حي ’أفراهام أفيبنو’. في الجهة المقابلة، في منحدرات حي أبو سنينة، يحاول عشرات الفلسطينيين بيع بضائع في إطار سوق الخردوات المحلي. في التلة المقابلة، في منطقة الشيخ لحمولة جعبري، ويتم تناول وجبة الغداء في بيت أشرف جعبري، من زعماء الحمولة.

يحافظ أشرف، كغيره من أبناء عائلته، على اتصال وثيق مع مديرية التنسيق والارتباط الإسرائيلية، في محاولة للتغلب على المشاكل اليومية. أحدى المسائل التي تم طرحها مؤخرًا هي طلب المصلين المسلمين بناء مصعد في الحرم الإبراهيمي للمعاقين ومحدودي الحركة، لكي لا يكونوا مضطرين لصعود على عدد كبير جدًا من الدرجات. لسبب غير مفهوم،او لعدم نية الجانبين (الإسرائيلي والفلسطيني) بتغيير الوضع القائم, يمنع الموافقة على بناء المصعد.

يشير ضيوف أشرف جعبري إلى عدم وجود رغبة بين سكان المدينة بانتفاضة ثالثة. في الوقت ذاته يتحدثون عن أن الرئيس عباس لا يستطيع التنازل عن حق العودة.

يقول أحدهم، “هذا حق فردي، وليس عام”. يدخل الغرفة شخصين بلباس مختلف. بعد استفسار قصير يتبين بأنهم رجال دين من الحركة السلفية “الدعوة والتبليغ”.

يدور الحديث عن مجموعة صغيرة بدأت بالانتشار بالذات في الخليل ولكن في أماكن أخرى، بما في ذلك إسرائيل. ولكن لا يدور الحديث عن نسخة من النشطاء الإرهابيين أمثال السلفية الجهادية أو حزب التحرير السياسي، بل عن حركة تركز نشاطها في مسائل دينية وخيرية فقط. مع ذلك، اللقاء مع إسرائيلي ليس بشيء بديهي بالنسبة لهم.

انخرط اثناهما في الحديث بشكل تدريجي ووجهوا بداية انتقادات لأبو مازن لتعيين محمد هباش وزيرًا للأديان، “نحن غير معنيين بالعمل السياسي أو بالمتطرفين. ما يهمنا هو إسلام وأعمال خيرية أكثر. لدينا بعض الأشخاص الذين يتصرفون من دون وعي إطلاقًا، وعلى استعداد بالقيام بأعمال انتحارية ويجب التأثير عليهم وجعلهم معتدلين.”

خلال ذلك يتطور نقاش حاد بين الجالسين على الطاولة حول المكان الذي يمكن أن تجد فيه أفضل حمص وكنافة- في الخليل أو في نابلس. يتحدث المجتمعون عن الشبان الذين لا مستقبل لهم، والذين يختارون الوصول إلى حاجز إسرائيلي مع سكين ليتم اعتقالهم للحصول على تعليم أفضل في السجن الإسرائيلي. “نقوم بإعطاء الناس التعليم والطعام ولا نطلب شيئًا، فقط أيمانهم بالله. هدفنا هو العيش بسلام وعلينا بناء تواصل مع أبناء الديانات الأخرى لتمكين ذلك،” قال لي الشيخان السلفيان اللطيفان وأضافا، “انشالله.”

يختلط الحابل بالنابل هنا. مستوطنون متطرفون، ومؤيدون لحماس، ورجال فتح، وسلفيون معتدلون ومؤيدون للقاعدة أيضًا. بين هذا وذاك يستمر جنود ’الناحال’ بالتجول في الأزقة، في محاولة لفهم من ضد من وماذا يحدث هنا بحق الله .