ظهيرة يوم الأربعاء في وسط مدينة الخليل. بعد حوالي 36 ساعة سيُغلق تسجيل القوائم المختلفة للإنتخابات البلدية ومن الصعب الشعور بوجود ترقب لها. أولئك الذين يرون بأنفسهم كمرشحين يقومون بحشد مستشاريهم وأصدقائهم إستعدادا للحظة التي سيُعلن فيها رسميا عن خوضهم الإنتخابات لرئاسة البلدية، ولكن في شوارع المدينة لا يوجد بعد أي علامة للدعاية الإنتخابية.

عدد غير قليل من الزبائن يملؤون مطاعم المدينة الشهيرة: الخليل وأبو مازن وقصر الباشا ومن الصعب القول أن السكان متشوقون للإنتخابات البلدية المقرر إجراؤها في الثامن من أكتوبر.

حديث اليوم يدور حول الحادثة التي وقعت هنا قبل أسبوعين فقط. شجار بين طفلين تطور إلى شجار دام ومسلح بين عائلتين.

ومع ذلك، وعلى الرغم من أن الرأي العام في الخليل يبدو غير مبال، فإن للإنتخابات في المدينة كما في الأماكن الأخرى في الخليل وغزة، تداعيات بعيدة المدى.

هذه هي الإنتخابات الأولى منذ أكثر من عقد من الزمن التي يتم فيها إجراء تصويت في الضفة والقطاع معا والتي تتنافس فيها أكبر حركتان، “حماس” و”فتح”، وجها لوجه.

أيا كانت النتيجة، فسيكون لها تأثير ليس فقط على مكانة هاتين الحركتين، ولكن أيضا على من يقف على رأس كل منهما وحتى على العلاقات بين الفلسطينيين وإسرائيل.

إذا حققت “حماس” إنجازات كبيرة في الإنتخابات في الضفة الغربية، يمكن التكهن أنه سيكون هناك في إسرائيل من سيحاول أن يقول “لقد كنا محقين، لا يوجد هناك شريك”. كذلك إذا حدث عكس ذلك، إذا فازت “فتح” في الضفة وحتى في غزة، سيأتي من يقول أنه “طوال الوقت قلنا لكم، هناك شريك”. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنه في نهاية المطاف يدور الحديث عن إنتخابات بلدية لن تغير من الواقع السياسي أو الأمني بين الطرفين بشكل فوري. المشلكة هي أنه على المدى الطويل، يبدو إن مستوى الريبة وعدم الثقة بين الشعبين سيزداد في حال إنتصار كاسح لحركة “حماس”.

المشكلة هنا في الخليل كما في مدن أخرى في الضفة، تكمن في أنه نظرا لتعدد القوائم العلمانية، فهناك احتمال معقول بأن يعاني المعسكر الأكثر إعتدالا، أي معسكر “فتح” وأمثاله، من إنقسام وتنافس داخلي ما سيمهد الطريق أمام انتصار لقوائم تضم مرشحين من حركة “حماس”.

بالنسبة لرؤساء الحركة في غزة والخارج يدور الحديث هنا عن فرصة إستثنائية كما يبدو، لمعرفة توجه الجمهور و”اتجاه ريح” الرأي العام.

لكن التخوف من إعتقالات من قبل إسرائيل أو السلطة، دفع بناشطي “حماس” في الضفة إلى الإمتناع عن خوض الإنتخابات البلدية علنا والإكتفاء بشخصيات شبه مستقلة يُعرف عنها دعمها للحركة.

وهكذا، حتى في حالة الخسارة يمكن لحركة “حماس” الإدعاء بأن القائمة لا تنتمي لها. وبذلك فإن المخاطرة في مشاركة “حماس” في الإنتخابات أقل مقارنة بالأضرار المحتملة التي يمكن أن تتسبب بها هذه الإنتخابات لحركة “فتح”.

أي أنه كما حدث في الإنتخابات البرلمانية في عام 2006، قد تدل هذه الإنتخابات عن مدى ضعف “فتح” والمعسكر العلماني أكثر من دلالتها على قوة “حماس”.

عندا يصبح العدو صديقا والصديق عدوا

على بعد 20 دقيقة في السيارة من الخليل، وصلنا إلى يطا، بلدة أو مدينة، يتوقف ذلك على الشخص الذي تسألونه. يعيش في المنطقة حوالي 120 ألف شخص.

على الرغم من أن الإنتخابات ستُجرى بعد شهر ونصف وبالرغم من البعد عن المركز السياسي في رام الله، لكن العاصفة هنا بدأت. المضايقات والعنف والتهديدات وغير ذلك، خاصة بين مجموعات تُعتبر منتمية لحركة “فتح” أو مقربة منها.

في يطا أيضا امتنعت “حماس” عن ترشيح قائمة تحت إسم “حماس”. كما في أماكن أخرى، لم يسارع مسؤولو الحركة إلى الإعلان عن ترشيح أنفسهم خوفا من قوى الأمن الإسرائيلية أو الفلسطينية. لكنهم يدفعون بشخصيات مقربة منهم في قوائم مستقلة أو شبه مستقلة.

إحدى هذه القوائم هي “المشتركة”، برئاسة موسى محامرة، رئيس البلدية المنتهية ولايته، الذي استقال بالأمس فقط من منصبه لخوض الإنتخابات.

قد يبدو هذا الإسم مألوفا للإسرائيليين أيضا. من هذه العائلة خرج منفذي هجوم “سارونا” وليس بعيدا عن منزل المرشح في الإنتخابات المحلية، يمكن رؤية ما تبقى من منزليهما اللذين تم تفجيرهما وتدميرهما.

“في قائمتي”، كما يقول محامرة، “هناك ممثلون من جبهة التحرير العربية، الجبهة الشعبية. هناك عدد من الحركات السياسية الممثلة هنا. في قائمتي هناك ممثلون من حماس وممثلون مستقلين”.

في الماضي كان عضوا في منظمة “حزب الشعب”، التي تُعتبر يسارية، ولكنه تركها في أعقاب تأييدها لإتفاق أوسلو الذي أبرم في عام 1993. هذا يعني أن حركة “حماس” المتدينة تواصلت مع من كان في الماضي ممثلا لحركة يسارية علمانية، لضمان هزيمة “فتح” أكثر من ضمان انتصارها.

وقال “بلدة يطا كبيرة جدا. عدد السكان هناك كبير وهناك نقص في المؤسسات الحكومية، لا توجد هناك بنى تحتية كافية. هناك مشكلة كبيرة في هذين المجالين. كل هذه المشاكل دفعتني لترشيح نفسي مجددا لرئاسة البلدية”.

عندما سألت الحمامرة عن علاقة إسرائيل بالإنتخابات المحلية، وجد صعوبة في وقف تدفق الكلام.

“للأسف هناك أكثر من مؤشر على تدخل (إسرائيل) في الإنتخابات الفلسطينة، بواسطة أشخاص مرتبطين بالإدارة المدنية الإسرائيلية، وكذلك بواسطة تدخل مباشر لدولة إسرائيل وأجهزتها للتأثير على الإنتخابات”.

عندما سئل إذا كانت إسرائيل “تدفع” بمرشحين، أجاب “نعم، بالضبط”.

“إنها (إسرائيل) تقوم بالدفع بأشخاص، ولديها دور في تأجيج الوضع الأمني والتغيير الذي حدث في الوضع الأمني في الشارع الفلسطيني، نتيجة للتدخل الغير منطقي والغير مقبول هذا”.

عندما طُلب منه شرح كيف تقوم إسرائيل بالتدخل، أجاب بعموميات، متهما إسرائيل بإستخدام الفلسطينيين الذين عملوا في التنسيق مع الإدارة المدنية كعملاء لها لتنفيذ تعليماتها.

وقال “إنها تتدخل بواسطة أشخاص تابعين لها، أشخاص كانوا في الماضي في تنسيق مع الإدارة المدنية. إنها تتدخل في كل ما يحدث في الشارع الفلسطيني فيما يتعلق بالإنتخابات، وتعمل على منع المواطنين الفلسطينيين من التصويت في الإنتخابات المحلية بحرية. الجميع يعرف ذلك، هذا معروف في الشارع ومعروف في السلطة الفلسطينية أن إسرائيل تتدخل بشكل مباشر في الإنتخابات. هناك توجه محدد جدا من جهتها للمرشحين المختلفين”.

يكرر محامرة مرة تلو الأخرى مصطلح “أصدقاء مردخاي”، أي أصدقاء منسق أنشطة الحكومة في الأراضي، العقيد يوآف مردخاي، ولكنه لا يشير بالتحديد إلى إسم المرشح الآخر، الذي تدور حوله العاصفة السياسية الكبيرة في يطا، إسماعيل أبو حميد.

في الماضي كان أبو حميد رئيسا لبلدية يطا، حتى عام 1995. عندما دخلت السلطة ترك منصبه وهو يدرس حاليا ترشيح نفسه من جديد.

“في الساعات القريبة سأقرر نهائيا إذا كنت أود المشاركة في الإنتخابات أم لا”، كما قال لنا. أبو حميد هو صاحب محطة وقود كبيرة عند مدخل المدينة ويحمل بطاقة هوية إسرائيلية”. “لدي منزل في بيت صفافا”، كما قال، وأعمال تجارية في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل.

عندما قابلناه كان محاطا بأشخاص، جزء منهم حاول مساعدته في التوصل إلى قرار، آخرون قدموا الحراسة له كما يبدو خوفا على حياته.

في الأسابيع الأخيرة وُزعت ضده مناشير في أنحاء المدينة، اتهمته بالتعاون مع إسرائيل. أبو حميد قال إن رجاله وجدوا الأشخاص الذين قاموا بتعليق هذه الملصقات. “لقد أطلقوا النار علي لكن أبناء عمومتي نجحوا في أخذ المسدس منهم وتسليمه للأمن الوقائي”.

ما لم يذكره أبو حميد هو أن واضعي الملصقات هم من عناصر “فتح” الذين لم يرغبوا برؤيته من جديد الإنتخابات ووتقسيم الصوت العلماني.

وقال “نشروا ملصقات ضدي كُتب فيها بأنني عميل، رجل حماس، رجل الإدارة المدنية، بأن إسرائيل هي التي بعثت بي. والمسؤول عن هذه الملصقات معروف لكن السلطة لا تقوم بإتخاذ الإجراءات اللازمة، لا تفعل شيئا. أطالب السلطة إتخاذ الإجراءات اللازمة ومحاكمة المسؤولين عن ذلك”.

يوضح أبو حميد مرة تلو الأخرى بأنه لم يتحدث مع أي إسرائيلي عن الموضوع ويهاجم كل من ينتقده بسبب علاقته مع إسرائيل. “هناك تنسيق أمني، وهناك تنسيق مع السلطة، وهم يقومون بمهاجمتي أنا على علاققي إسرائيل؟”.

مستوى التهديد: معتدل

يطا ليست الوحيدة التي تواجه تهديدا بوجود مرشح قد يسرق أصواتا من “فتح” على الأرجح.

واحدة من الإذاعات الأكثر شعبية في في الخليل هي إذاعة “الحرية”، التي يرأسها الصحفي أيمن القواسمة. القواسمة، الذي يبلغ من العمر (43 عاما) فقط، يُعتبر شخصية مركزية في المدينة والمحافظة. في مكتبه ستجد صورا مع ياسر عرفات وحتى كأس فلسطين في كرة القدم الذي فاز به نادي “الأهلي” من الخليل قبل أسابيع قليلة في مباراة جرت ضد الفريق من خان يونس.

القواسمة، التي قام الجيش الإسرائيلي بإغلاق إذاعته في شهر نوفمبر الماضي لإتهامها بالتحريض، أعاد فتح الإذاعة في شهر أبريل الماضي. الآن قرر ترشيح نفسه لرئاسة بلدية المدينة على رأس قائمة تحت اسم “الشهيد فهد القواسمة” (رئيس بلدية الخليل في سنوات السبعين الذي اغتيل في عمان في عام 1984).

“القرار لم يكن قراري”، على حد قول أيمن القواسمة. “اجتمع رؤساء 19 عائلة في المدينة في حارة الشيخ وقاموا باختياري”.

عندما سألته عما إذا كانت القائمة تمثل حمولته فقط، رد مطمئنا بأن هناك ممثلين في القائمة عن عدة عائلات،”أخذنا بعين الإعتبار التقسيم الجغرافي للأحياء وتقسيم العائلات في المدينة، واخترنا أشخاصا أصحاب جودة إستثنائية”، كما قال.

في الماضي اعتُبر القواسمة مقربا من “فتح”، لكن اليوم يحاول تجنب ربطه اسمه بالحركة. ويحتج عندما يُسأل عن أي من الحركتين يعتبر نفسه مقربا أكثر، “فتح” أم “حماس”.

وقال “نحن نعتبر التيار الخاص بنا ممثلا للناس في الشارع الذي يمثلون عمليا الجزء الأكبر في الواقع. الأشخاص الذين ينتمون للفصائل يشكلون 40% من الشعب هناك 60% غير منتمين وليسوا أعضاء في أي فصيل. نحن نتوجه لهؤلاء الأشخاص”.

“إن ممثلينا هم أبناء الجيل الجديد، جئنا بوجوه جديدة. لدينا في القائمة أكثر من سيدة واحدة”، كما قال بفخر.

وأقر القواسمة بأن ضغوطا مورست عليه لعدم خوض الإنتخابات لكنه عاد وكرر أنه “قُرر ترشيحي لرئاسة البلدية”.

في الوقت الذي كانت تُجرى فيه المقابلة في مكاتب الإذاعة، لم يكن واضحا بعد من سيترشح عن “حماس” أو “فتح”. ولكن من السهل التخمين حتى بشكل ظاهري، بأن قائمة القواسمة ورفاقه الذين تجمعوا في مكتبه، ستأخذ أصواتا من أولئك الذين يفكرون بالتصويت لحركة “فتح”.