عندما اتهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إسرائيل بإعدام أحمد مناصرة (13 عاما) “بدم بارد” خلال خطاب متلفز مساء الأربعاء، كانت الأنفاس في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في القدس مسموعة تقريبا.

كان مناصرة لا يزال على قيد الحياة، حيث تمت الإستجابة على الفور، وكان يعالج في مستشفى هداسا بعد أن طعن وجرح مراهق يهودي بنفس عمره بشكل خطير. “إن عباس يكذب ويحرض”، قرأ بيان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

في وقت سابق من ذلك اليوم، حررت الشرطة الإسرائيلية لقطات فيديو من الهجوم نفسه. يوم الخميس، حررت لقطات تظهر مناصرة جالسا في سريره في المستشفى، حيث قالت الشرطة أنه اعترف بالهجوم.

أحمد مناصرة، الفتى الذي قام مع إبن عمه بهجوم طعن في القدس، 12 أكتوبر، 2015 في مستشفى "هداسا عين كيريم" في القدس، 15 أكتوبر، 2015. مناصرة تعرض للدهس من قبل سيارة بينما كان يحاول الفرار من موقغ الهجوم. (Courtesy)

أحمد مناصرة، الفتى الذي قام مع إبن عمه بهجوم طعن في القدس، 12 أكتوبر، 2015 في مستشفى “هداسا عين كيريم” في القدس، 15 أكتوبر، 2015. مناصرة تعرض للدهس من قبل سيارة بينما كان يحاول الفرار من موقغ الهجوم. (Courtesy)

قد لا يكون التبادل الغير مباشر بين نتنياهو وعباس أول تعبير علني عن حرب الروايات الذي يصف العنف بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وإنما هو من بين الأكثر الفاتا. كما هو الحال في صراعات سابقة، لا يتم التنازع على أسباب الحريق فقط، ولكن على الوقائع نفسها.

وحتى الآن، في العديد من الأحداث الأخيرة، إن الحقائق – والتي في بعض الحالات، موثقه بلقطات مصورة من الهاتف المحمول – والتي قد تبدو غير قابلة للطعن، وببساطة يتم انكارها من قبل الفلسطينيين.

بين الفلسطينيين، مؤكد على نطاق واسع أن شروق دويات (18 عاما)، أصيبت بعيار ناري في مدينة القدس القديمة يوم 7 أكتوبر ليس بعد طعن رجل يهودي، وإنما بعد ان هاجمها “مستوطن”، في محاولة لإزالة حجابها بالقوة. في الواقع، لقد طعنت دوايات الرجل الذي لم يعرف عنه في وسائل الإعلام، مما أدى إلى إصابته بشكل متوسط. لقد أطلق النار عليها بواسطة مسدسه الشخصي، وتركها في حالة خطيرة. اتخذ كل من دوايات وضحيتها إلى مستشفى هداسا عين كارم. وكانت قد نشرت في وقت سابق على صفحتها الفيسبوك تصريحا يعلن عن نيتها للشهادة.

يوم 9 أكتوبر، إسراء عبد من الناصرة والتي زعم أنها حاولت طعن حارس أمن في محطة الحافلات المركزية في العفولة. تم اطلاق النار على ساقيها من قبل قوات الأمن، الذي طلبوا منها مرارا أن تسقط السكين التي كانت تمسك بها.

ونفى الشيخ زيدان عبد، والد إسراء، ان ابنته حاولت طعن أحد، متهما قوات الأمن بالوقوف وبتشغيل يد خفيفة على الزناد. “يدل هذا على الاختلاف في معاملة شخص عربي ويهودي”، قال عبد. “الرجل الذي قتل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين لم يمس باذى، وهو الآن في السجن … وهنا أمامك شخص بريء، واقفا هناك، وترى لقطات ماذا حدث بالضبط”.

شمل موقع الأخبار العربية بانيت فيديو للقطات المذكورة في تقريره عن هذا الحدث، لكنه تحدث عن روايات متضاربة بين شهود العيان.

“رأيت ما حدث أمام عيني. من الزاوية التي وقفت بها أستطيع أن أؤكد أن المرأة العربية التي أصيب بعيار ناري لم تهاجم أي شخص. كانت تحمل حقيبة تشبه الحقيبة المدرسية، وأطلقوا النار عليها بناء على شك مجرد، ليس أكثر من ذلك”، قال فادي خطيب، شاهد عيان من بلدة دير حنا في الجليل الأسفل. “الشابة بالتأكيد لم تحاول طعن أحد، كما يتم الإبلاغ”.

قالت الشرطة يوم الجمعة أن عبد اشترت السكين قبل وقت قصير من الصعود إلى الحافلة، في مسقط رأسها في الناصرة. وقال المحققون أنهم يميلون نحو نسبة سلوكها لضائقة نفسانية.

بهاء عليان، المهاجم الذي فتح النار على الركاب على متن الحافلة رقم 78 في القدس يوم الثلاثاء، ادعى انه كان يحاول الدفاع عن سمعة إسراء جعابيص على الفيسبوك من اتهامات من قبل وسائل الإعلام الإسرائيلية أنها كانت في طريقها لتنفيذ هجوم في القدس. في الواقع، اصيبت جعابيص بجروح خطيرة عندما انفجرت قنابل الغاز في سيارتها بعد أن وقفت قريبا من رجال شرطة. اصيب شرطي بجروح طفيفة جراء الإنفجار.

“الطريق إلى فهم روايات الناس هي إضافة عبارة’ أتمنى أن … ‘ قبل أقوالهم،” جادل هيلل كوهين، خبير في مجال التاريخ الفلسطيني في الجامعة العبرية. “كثيرا ما يتحدث الناس عن ما يريدون أن يحدث، وليس بالضرورة ما يعتقدون أن حدث. في مرحلة ما، يبدأون تصديق ذلك بأنفسهم. حيث ينطبق هذا على كل من السرد التاريخي والسرد الحديث، ومن بينهم السرد المحلي”.

وأضاف كوهين أن هذا التحيز المعرفي موجود على كلا جانبي الصراع. عندما يدعي بعض اليهود الإسرائيليين أنه لم يكن هناك عرب في البلاد في ظهور الصهيونية، ما يعنوه حقا هو “نتمنى انه لم يكن هناك عرب عندما اتينا هنا”، قال. الشيء نفسه ينطبق على الإنكار الفلسطيني لعلاقة اليهود التاريخية بالأرض.

المؤرخ من الجامعة العبرية هيلل كوهن (courtesy/Hillel Cohen)

المؤرخ من الجامعة العبرية هيلل كوهن (courtesy/Hillel Cohen)

مضيفا: “إنه شكل من أشكال تفكير التمني الذي لا يمكن أبدا أن يتحقق. هناك شيء أساسي للغاية في الطبيعة البشرية، حيث تؤمن بما برأيك يجب أن يحدث. عندما تسمع السرد الذي يناسبك، أنت لا تفحص الحقائق حتى”.

بالنسبة لباحثين مثل كوهين، تحيزات محلية كهذه امر مدهش، حيث أنها تسلط الضوء على إدراك الأفراد لـ”قصة إطار عمل”.

“علينا أن نتعلم من هذا أن الفلسطينيين يعتبرون أنفسهم ضحايا أبرياء، وبالتالي يتجاهلون الحقيقة أن أحمد مناصرة جاء مع سكين. يرى الإسرائيليون أنفسهم بنفس الطريقة،” زعم كوهين،”تجاهل حالات لا تناسب هذا السرد، مثل إطلاق النار على فادي علون [الذي طعن موشيه مالكا (15 عاما)، بالقرب من البلدة القديمة، في 3 اكتوبر] عندما لم يعد يشكل خطرا”.

ولكن على عكس كوهين، الذي يعتقد أن إشارة عباس لكون مناصرة قتل كان خطأ صادق، كوبي ميخائيل، أحد كبار الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، قال أن نوايا رئيس السلطة الفلسطينية كانت شائنة أكثر من ذلك.

الباحث كوبي ميخائيل (courtesy)

الباحث كوبي ميخائيل (courtesy)

قال إن التدهور السريع في شعبية السلطة الفلسطينية في الشارع الفلسطيني قد قادت عباس عمدا نحو خطابه القومي في محاولة يائسة لحشد الشرعية.

“إنه كبش فداء” قال مايكل. “إنه يحاول أن يتهم إسرائيل بإرتكاب جرائم من أجل تشتيت انتباه الرأي العام عن فشله”. وقال مايكل أنه في وسائل الإعلام الفلسطينية، تعطى الحقائق بصورة منتظمة أقل أهمية من التصور.

مضيفا: “يحدث الشيء نفسه في جانبنا. ولكن هناك فرق كبير. من جانبنا، الأساس الواقعي والعملي أقوى بكثير مما لديهم”.