في زاوية قاحلة من صحراء النقب، بالقرب من الحدود مع مصر، رقص عشرات الشبان الإسرائيليين وطالبي اللجوء الأفارقة على قرع الطبل، مغطين أعينهم من الغبار الذي تتطاير بين الحشد.

حفل العشاء بمناسبة عيد الفصح اليهودي، الذي أقيم خارج بوابات مركز الإحتجاز حولوت، سعى إلى رسم أوجه شبه بين ظروف طالبي اللجوء في إسرائيل ونزوح اليهود القدامى من مصر.

وقال غال شتورم، أحد منظمي الحفل “في عيد الفصح نحتفل بعبور الشعب اليهودي من العبودية في مصر إلى الحرية في إسرائيل. في الأساس هرب هؤلاء اللاجئين من العبودية، ونحن، بدلا من أن نمنحهم الحرية، التي نقول شكرا عليها في كل عيد فصح، قمنا بسحبها”.

بحسب منظمة العون للاجئين وطالبي اللجوء في إسرائيل (ASSAF) هناك في إسرائيل 45,000 طالب لجوء، معظمهم من إريتريا والسودان. الغالبية العظمى من المهاجرين الأفارقة المقيمين في إسرائيل يطلبون الحصول على مكانة طالب لجوء، ولكن الدولة لم تعترف تقريبا بأي من هذه الطلبات منذ بدأوا في  الوصول في منتصف سنوات ال2000.

وفقا للمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عالميا، فإن 84% من طالبي الإرتريين و56% من السودانيين حصلوا على مكانة طالب لجوء أو تم تمديد الحماية لهم في عام 2014.

الحكومة قامت بوضع سياج على الحدود مع مصر، لمنع دخول المزيد من اللاجئين، وفي السنوات الأخيرة نجح القليل منهم فقط في الدخول إلى إسرائيل. في 2012-2013 شددت الحكومة من إجراءات مراقبة الحدود خشية تدفق جماعي للمهاجرين، الذين بلغ معدل اجتيازهم الحدود إلى داخل إسرائيل في مرحلة معينة بضعة آلاف شهريا.

إسرائيل أيضا شجعت ودفعت المال لبعض طالبي اللجوء للإنتقال إلى أوغندا أو رواندا. بعض اللاجئين الذين تركوا إسرائيل غرقوا خلال محاولاتهم الوصول إلى أوروبا، كما يقول شتورم. تدّعي إسرائيل أن معظم المهاجرين المتواجدين حاليا في إسرائيل جاءوا إليها سعيا إلى فرص إقتصادية جديدة، وليس فرارا من خطر في أوطانهم.

تحتجز الحكومة طالبي اللجوء بموجب قانون منع التسلل من سنوات الخمسين، الذي هدف في الأصل إلى منع مسلحين من دخول البلاد، وهو تفسير قانوني رفضته مجموعات حقوقية.

مركز الإحتجاز حولوت، الذي يبعد نحو نصف ساعة بالسيارة جنوب غرب مدينة بئر السبع، يضم نحو 2,000 طالب لجوء المطالبين بتسجيل حضورهم خلال ساعات الصباح والمساء لكن لديهم حرية مغادرة المكان خلال اليوم. تدير مركز الإحتجاز، الذي يُسمى منشأة مفتوحة، مصلحة السجون الإسرائيلية. عادة يُحتجز طالبو اللجوء في المنشأة لمدة عام. المنطقة معرضة لظروف طقس قاسية، ولا توجد أي مجتمعات قريبة منها ما لا يترك أمام نزلاء المكان الكثير ليشغلهم.

يقول علي حسن صالح من دارفور إن “الحياة في حولوت صعبة جدا، حتى الماء الذي نستخدمه ليس صحيا. تحيط بنا الأبقار والدجاج، والروائح سيئة. نحن بحاجة أيضا إلى تثقيف أنفسنا، ولكن لا يوجد هناك أي مدرسة للتعليم، لذا نحن نكافح فقط”.

كلف بناء المنشأة نحو 323 مليون شيكل، وتشغيلها يكلف الدولة نحو 100 مليون شيكل سنويا، وفقا لمنظمة العفو الدولية.

شتورم يقول أنه كان من الأفضل إستثمار هذه الأموال في دمج طالبي اللجوء والإهتمام بهم، حيث يعيش معظمهم في أحياء فقيرة في جنوب تل أبيب، ويعاني الكثير منهم من مشاكل نفسية جراء  تعرضهم للصدمة في أوطانهم وخلال رحلتهم إلى إسرائيل.

أعضاء “تيلم ميخينا”، وهو برنامج إعدادي ما قبل الخدمة العسكرية في مدينة يافا، قاموا بزيارة المنشأة في وقت سابق من هذا العام. الأعضاء البالغين 55 في هذا البرنامج، الذي يهدف إلى تجهيزهم لأدوار قيادية في الجيش وما بعد ذلك، يشاركون في حلقات تدريسية في مناطق مختلفة في البلاد. في الحلقة التدريسية الأولى لهم، التي شملت جولة في جنوب إسرائيل، قاموا بزيارة حولوت.

يقول شتورم، الذي نشأ في وسط إسرائيل، بالقرب من مدينة نتانيا، “عندما تركنا المكان، كل ’الميخينا’ تقريبا تركت مع شعور بالصدمة من أوضاع اللاجئين هناك”، وأضاف: “أنا أشعر بالغضب، وبخيبة الأمل أيضا، لأنني أرى أن هذه هي الطريقة التي تتصرف بها الدولة. أشعر بالخجل أولا، لأنني أشعر بأنني جزء من الدولة”.

القضية أثارت اهتمام ثمانية من أعضاء البرنامج الإعدادي، حيث بدأوا ببحث الموضوع وبعصف ذهني للخروج بأفكار تمكنهم من القيام بدور فعّال في هذه المسألة، كما تقول ميكا فريمان، عضوة أخرى في “الميخينا” وصديقة طفولة لشتورم.

وتقول فريمان: “بإمكاننا أن نكون أكثر أخلاقية وعدلا ومراعاة للآخرين الذين لم يأتوا إلى هنا بحثا عن عمل، بل لأنه لم يكن بإمكانهم حقا البقاء في الأماكن التي أتوا منها، ويمكنني التواصل مع هذه القصة كيهودية. أشعر حقا بأنني ملزمة بالمساعدة”.

قررت المجموعة تنظيم حفل بمناسبة عيد الفصح اليهودي خارج مركز الإحتجاز، بمشاركة نزلاء حولوت وبمساعدة “بينا ميخينا” القريبة ومنظمة “حاخامات من أجل حقوق الإنسان”. المجموعة قامت بإنشاء صفحة على الفيسبوك للإعلان عن الحدث ونظمت حافلات من تل أبيب وبئر السبع. الهدف، كما قالت فريمان، كان جلب الناس إلى حولوت لتعريفهم على الظروف هناك وسماع قصص سكان المكان.

وتقول فريمان: “من المهم جدا في نظري أن يأتي الأشخاص إلى حولوت بأنفسهم، وأن يروا المنشأة بأنفسهم، وسماع الأشخاص يتحدثون ويروون قصصهم، لأن هذا الموضوع لا تتم مناقشته كثيرا”. وتضيف: “أنا أؤمن حقا بأنه في اللحظة التي سيحصل فيها الناس على المعلومات ويلتقون بالأشخاص، سيكون الوضع مختلفا”.

نحو 250 شخصا جاءوا إلى الحفل، الذي أقيم مساء الخميس، بالإضافة إلى العشرات من نزلاء حولوت. الجمهور استمع إلى ما كان لطالبي اللجوء والنشطاء ليقولونه، وقرأ من “هغاداه” (رواية خروج اليهود من مصر) أعدت مخصصا، وتناول الطعام ورقص على أنغام الريغي وعروض موسيقى حية. الأجواء كانت مرحة وإيجابية على الرغم من قساوة شمس الصحراء والغيوم والغبار، الذي غطى وجوه المشاركين وأحيانا حجب المتحدثين عن أنظار الحشد.

وقال هاغوس تاكلي، الذي فر من التجنيد الإجباري في إريتريا ويتواجد في إسرائيل منذ ستة أعوام ونصف وفي حولوت منذ ستة أشهر، “اليوم أشعر أنني بحالة جيدة. أشكر حقا المجتمع الإسرائيلي”.

الجيش الإريتري يقوم بتجنيد القاصرين قسرا، ويجبرهم على الخدمة العسكرية إلى أجل غير مسمى في ظروف قاسية.

ويقول تاكلي: “الأمر لا يشبه الخدمة الوطنية كما يقولون، فأنت تبقى هناك ولا تحصل على ما يكفي من المال، وتفتقر لكل شيء، ولا يوجد لديك ما تأكله”.

يقول تاكلي أنه رأى أوجه تشابه بين قصة الفصح اليهودي ومحنة اللاجئين الإرتريين.

وقال: “لقد كانوا عبيدا في مصر لسنوات عدة، ونجحوا في اجتياز هذه الحياة القاسية”، وأضاف أن “المواطنين الإريرتريين يعانون من نفس الظروف. فهم يعيشون في ظل دكتاتورية. هم سجناء داخل البلاد”.

علي حسن صالح، الذي فر من الإبادة الجماعية في دارفور وتحدث أمام الجمهور خلال الحدث، قال إنه راى إلهاما في هذا العيد.

وقال: “هذا يقول لي أيضا أن بإستطاعتي النضال، لأن اليهود في ذلك الوقت عانوا كثيرا وناضلوا حتى حصلوا على حريتهم”.

محمد يعقوب، وهو من دارفور أيضا، يتواجد في حولوت منذ تسعة أشهر. حفل عيد الفصح أعطاه الأمل، كما يقول، لكنه دعا الحكومة الإسرائيلية إلى معالجة المشكلة ومنح اللاجئين الفرصة للعيش والعمل في البلاد.

وقال مع الموسيقى في الخلفية: “نحن سعداء جدا ونتمتع بوقتنا مع جميع الإسرائيليين، شعورنا هو ’ياللروعة، هناك بعض الأشخاص الذيت يهتمون حقا بأمرنا’”. وتابع القول: “اليوم أشعر بأن هناك أمل، ولكننا بحاجة إلى التنفيذ”، قبل أن يعود إلى حلقة الرقص.