تحدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس تحذيرات الولايات المتحدة ومررت بغالبية ساحقة مشروع قرار يدين إعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ودعوتها لبقية الدول بنقل بعثاتها الدبلوماسية إلى المدينة.

وصوت 128 بلدا لصالح النص، في تحد للتهديدات الأمريكية – التي كررتها السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي وبقوة خلال خطاب لها قبل التصويت – بقطع المساعدات عن البلدان التي  ستصوت لصالح مشروع القرار.

وصوتت تسع دول – الولايات المتحدة وميكرونيزيا وغواتيمالا وناورو وبالاو وجزر المارشال وهندوراس – ضد مشروع القرار.

وامتنع 35 بلدا، من ضمنهم عدد من البلدان التي كان المتوقع أن تصوت لصالح مشروع القرار مثل المكسيك وكولومبيا ومالاوي ورواندا، عن التصويت. في حين اختارت 21 دولة عدم المشاركة في عملية التصويت على الإطلاق.

من خلال الامتناع، كسرت كل من المجر وكرواتيا ولاتفيا ورومانيا وجمهورية التشيك اجماع الاتحاد الأوروبي في التصويت. وكان الإتحاد الأوروبي قد رفض في وقت سابق بقوة محاولة تغيير وضع القدس في غياب وضع نهائي لاتفاق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وزارة الخارجية الإسرائيلية قالت إن عدد البلدان التي عارضت أو امتنعت عن التصويت أو غابت عنه هو “بالغ الأهمية”. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية عمانويل نحشون “ليس كل العالم جزءا من هذا العرض”.

متحدث باسم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قال إن “التصويت هو انتصار لفلسطين”، وتعهد ب”مواصلة جهودنا في الأمم المتحدة وفي جميع المحافل الدولية لإنهاء الإحتلال وإقامة دولتنا الفلسطينية مع القدس عاصمة لها”.

يوم الإثنين، في مجلس الأمن الدولي، صوت 14 من أصل 15 عضوا لصالح مشروع القرار، الذي فشل في المرور بسبب الفيتو الأمريكي. في الجمعية العامة لا تتمتع أي دولة بحق النقض، ولكن – على النقيض من مجلس الأمن – فإن مشاريع القرارات التي تمر فيه غير ملزمة قانونيا.

في نوفمبر 2012، صوت 138 بلدا لصالح مشروع قرار في الجمعية العامة يمنح مكانة دولة غير عضو ل”دولة فلسطين”. وصوتت 8 دول ضد النص، مع امتناع 41 بلدا. قبل أقل من شهر، صوت 151 بلدا لصالح مشروع قرار في الجمعية العامة يدين إسرائيل بلغة أكثر شدة من نص مشروع قرار يوم الخميس، ست دول فقط عارضت النص، في حين امتنعت 9 دول عن التصويت.

في إشارة إلى قرارات سابقة للجمعية العامة ومجلس الأمن، أعرب النص الذي تم تمريره يوم الخميس عن “الأسف العميق من القرارات الأخيرة المتعلقة بمكانة القدس”، في إشارة إلى قرار ترامب من 6 ديسمبر بالإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وندد بنيته نقل السفارة الأمريكية إلى المدينة.

وأكد نص القرار أيضا على أن “أي قرارات أو إجراءات من شأنها تغيير طابع أو وضع أو التكوين الديمغرافي لمدينة القدس لا يوجد لها أي أثر قانوني وباطلة ولاغية ويجب إلغاؤها امتثالا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي هذا السياق، يدعو جميع الدول إلى الامتناع عن إنشاء بعثات دبلوماسية في المدينة المقدسة”.

من دون ذكر أي دولة بالاسم، يعرب القرار عن “الأسف العميق من القرارات الأخيرة المتعلقة بوضع القدس”.

قبل عملية التصويت، ألقى عدد من المسؤولين بخطابات أمام “الجلسة الخاصة الطارئة” حول “الإنشطة الإسرائيلية غير الشرعية في القدس الشرقية المحتلة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة”، وهو عنوان الجلسة التي دعت إليها اليمن وتركيا.

سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، هيلي، دافعت عن قرار الإدارة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقالت إن للولايات المتحدة الحق السيادي بوضع سفاراتها أينما تشاء، وحذرت من أن أمريكا – الممول الأكبر للأمم المتحدة – لن تقبل أن لا يتم احترامها وأن تدفع ثمن “الامتياز المشكوك فيه”.

السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي تتحدث في قاعة الجمعية العامة في 21 ديسمبر، 2017 في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. (Spencer Platt/Getty Images/AFP)

وأضافت “هذا القرار لا يحكم مسبقا على أي قضايا وضع نهائي، بما في ذلك حدود القدس. إن القرار لا يستبعد حل الدولتين، إذا وافق الطرفان عليه”، وتابعت “إن القرار لا يمس أبدا بجهود السلام. وإنما يعكس قرار الرئيس إرادة الشعب الأمريكي وحقنا كأمة في اختيار موقع سفارتنا”.

وأكدت هيلي على أن “أمريكا ستضع سفارتنا في القدس”، وأضافت “هذا ما يريد الشعب الأمريكي منا أن نفعله. وهو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله”. وأعلنت أن أي تصويت في الأمم المتحدة لن يحدث أي تغيير في القرار الأمريكي. لكنها توعدت  بأن أمريكا ستتذكر هذا التصويت، عندما يُطلب من أمريكا مرة أخرى تقديم أكبر مساهمة لميزانية الأمم المتحدة أو عندما “تطلب منا العديد من الدول، كما يفعلون عادة، بدفع المزيد واستخدام نفوذنا لصالحها”.

سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون قال إن “اولئك الذين يدعمون مشروع القرار اليوم هم مثل الدمى يتم التلاعب بهم بواسطة خيوط أسياد الدمى الفلسطينيين”، وأضاف “أنتم مثل الدمى المتحركة يتم اجباركم على الرقص بينما تتفرج القيادة الفلسطينية بغبطة”.

سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دنون يتحدث أمام قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، 21 ديسمبر، 2017، في مدينة نيويورك. ( Spencer Platt/Getty Images/AFP)

وأضاف دنون إن تمرير مشروع القرار يُبعد آفاق السلام. “إذا قمتم بالتصويت لصالحه، فأنتم ترفضون السلام”، مضيفا أنه لا شك لديه بأن مشروع القرار هذا سينتهي به الأمر “في سلة مهملات التاريخ”.

خلال الخطاب، عرض دنون عملة معدنية من عام 76 ميلادي تم صكها خلال الثورة اليهودية ضد الرومان، وتم توزيع نسخ منها للسفراء في الأمم المتحدة قبل عملية التصويت. “على العملة مكتوب ’حرية صهيون’. يثبت ذلك الرابط القديم لليهود بالقدس”، وأضاف أن “لا إعلان اليونسكو ولا الخطابات الفارغة ولا قرار الجمعية العامة ستخرجنا من القدس”.

وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، يتحدث أمام قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، 21 ديسمبر، 2017، في مدينة نيويورك. (Spencer Platt/Getty Images/AFP)

وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي هاجم الاعتراف الأمريكي بالقدس معتبرا إياه “عدوانا”. وقال إن فلسطين تقبل بحق الولايات المتحدة باتخاذ قرارات سيادية، لكن فقط عندما تكون هذه القرارات متماشية مع القانون الدولي.

وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو وصف اعتراف ترامب بالقدس خرقا للقانون الدولي و”هجوما على القيم العالمية”.

وقال إن دولة عضو هددت جميع الدول الأعضاء الأخرى بالتصويت ضد مشروع القرار أو “مواجهة العواقب”، في إشارة على الأرجح إلى الولايات المتحدة. وتابع أنه تم تهديد دول بقطع مساعدات التنمية عنها. “هذا تنمر وهذه القاعة لن تقبل بذلك. فمن غير الأخلاقي الاعتقاد أن الأصوات والكرامة للبيع… لن يتم تهديدنا. قد تكون قويا، لكن ذلك لا يجعلك محقا”.

ورفض المسؤولون الإسرائيليون نتيجة التصويت قبل البدء بالعملية.

في وقت سابق يوم الخميس قال رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو إن “دولة اسرائيل ترفض هذا التصويت فورا حتى قبل اجرائه”، وأضاف أن “القدس هي عاصمتنا. سنواصل البناء فيها والسفارات الأجنبية، وعلى رأسها السفارة الأمريكية، ستنتقل إلى القدس. سيحدث ذلك”.

وقبل تصويت يوم الخميس، بذل الدبلوماسيون الإسرائيليون في الخارج جهودا مكثفة بهدف اقناع أكبر عدد من الدول  بمعارضة مشروع القرار أو الإمتناع عن التصويت.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية، عمانويل نحشون، قبل ساعات من التصويت إن “وزارة الخارجية مستمرة في جهودها لاقناع أكبر عدد ممكن من الدول بعدم دعم مشروع القرار، بما في ذلك تجنب عملية التصويت”.

وقال “إنه جهد يمتد عبر العالم، في كل قارة”، مضيفا إن “جهودا خاصة تُبذل في أوروبا، على أمل منع اجماع أوروبي في دعم مشروع القرار”.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث وإلى جانبه يجلس وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون (من اليسار) خلال جلسة للمجلس الوزراء في غرفة المجلس الوزاري في البيت الأبيض في العاصمة الأمريكية واشنطن، 20 ديسمبر، 2017. (AFP/Saul Loeb)

يوم الأربعاء، أشادة ترامب بالتحذير الذي وجهته هيلي للدبلوماسيين الأجانب بأنها ستقوم ب”تسجيل أسماء” الدول التي ستصوت لصالح مشروع القرار الذين ينتقد الموقف الأمريكي إزاء القدس.

وقال الرئيس لأعضاء مجلسه الوزاري في البيت الأبيض “أعجبتني الرسالة التي وجهتها هيلي في الأمس في الأمم المتحدة لجميع هذه البلدان التي تأخذ أموالنا وتصوت بعد ذلك ضدنا في مجلس الأمن، أو من المحتمل أن تصوت ضدنا في الجمعية”.

وأضاف “يأخذون مئات الملايين من الدولارات وحتى المليارات من الدولارات، وبعد ذلك يصوتون ضدنا”، وتابع “حسنا، نحن نراقب هذه الأصوات. دعوهم يصوتوا ضدنا، سنوفر الكثير. فإننا لا نبالي”.