حاملين أعلام بثلاثة ألوان ولافتات تندد بتركيا، أجرى أبناء الطائفة الأرمنية الصغيرة في إسرائيل قداسا يوم الجمعة في البلدة القديمة في القدس لإحياء الذكرى المئوية للإبادة الجماعية للشعب الأرمني.

وارتدى المشاركون قمصانا ووضعوا دبابيس تصور وردة أرجوانية، تُعرف بإسم “لا تنسني” (“أذن الفأر” بالعربية)، وترمز للقارات الخمس التي استقر فيها الأرمن في أعقاب المذبحة التي إرتكبتها الحكومة التركية والتي حصدت حياة ما يُقدر عددهم بحوالي 1.5 مليون شخص بين الأعوام 1915 و 1923. بعد القداس سار المشاركون باتجاه القنصلية التركية في القدس لاحتجاج صامت على رفض تركيا الإعتراف رسميا بالإبادة.

ولكن أرمن إسرائيليين تحدثوا إلى تايمز أوف إسرائيل يوم الجمعة على الجانب الآخر من كاتدرائية سانت جيمس في الحي الأرمني، أظهروا استياء أكبر من رفض إسرائيل الإعتراف بما يقولون بأنه أول جريمة قتل جماعي في القرن الـ 20، وتمهيد للمحرقة اليهودية خلال الحرب العالمية الثانية.

يقول إسحاق بانويان، مدير فندق من حيفا، “عانى الشعب اليهودي من المحرقة، وأنتم لا تسمحون لأي شخص بنسيان ذلك”. وتابع قائلا، “لسبب ما، تحتفظون بمالحرقة لأنفسكم. المحرقة ليست ملكا لكم فقط؛ لقد مر الشعب الأرمني بواحدة أيضا. يُدعى ذلك إبادة، ونريد منكم الإعتراف بذلك”.

ترك أجداد إسحاق بلدتهم بالقرب من أضنة في جنوب تركيا في 1915 واستقروا في كفر ناحوم، على الضفة الشمالية من بحيرة طبريا، حيث وُلد والديه. بعد إقامة دولة إسرائيل، كما قال، تم “تهجير” الطائفة الأرمنية في المنطقة إلى الناصرة. استقرت عائلته في نهاية المطاف في حيفا حيث وُلد.

يقول بانويان، “لم تكن حياتنا سهلة أبدا غي إسرائيل”. ويتابع، “نحن طائفة هادئة، ونطالب بهدوء بحقوقنا. السبب الوحيد الذي يمنع حصولنا على اعتراف من شعب إسرائيل وحكومته هو المصالح الإسرائيلية في تركيا. على الرغم من أنه من المفروض أن العلاقات مع تركيا سيئة، لا تقوم إسرائيل بأي شيء [للإعتراف بالإبادة]. من المهم جدا لإسرائيل الإعتراف [بالإبادة]، لأنه بمجرد أن تقوم إسرائيل بذلك، فإن العالم بأسره سيحذو حذوها”.

على الرغم من أن وزير التربية والتعليم السابق يوسي سريد حاول إدخال موضوع إبادة الأرمن على المناهج المدرسية الإسرائيلية في سنوات الـ 90، تتجنب إسرائيل رسميا استخدام كلمة “إبادة” عند وصفها للحدث، وتستخدك الكلمة “مأساة” بدلا منها. يوم الجمعة، شاركت رئيسة حزب ميرتس “زهافا غلئون”، خليفة سريد في رئاسة الحزب، في طقوس إحياء ذكرى ضحايا المذبحة الأرمن.

انتقلت كناريك غيفورغيان، وكيلة سفر تبلغ من العمر (41 عاما)، إلى بيتح تيكفا من العاصمة الأرمنية ياريفان في عام 2000. وقالت أنها جاءت إلى القدس “لإحياء ذكرى ضحايا الشوآه (الكلمة العبرية للمحرقة)، الذين قُتلوا فقط لكونهم أرمن ومسيحيين”. ثلاثة فقط من أصل 47 فرد من عائلتها الموسعة التي عاشت بالقرب من بلدة إليشكيرت شرقي تركيا نجوا من الإبادة، كما تقول.

وتتذكر غيفورغيان الرواية التي نقلها لها جدها، الذي كان في السادسة من عمره في ذلك الوقت وأحد النجاة القلائل: دخل جنود أتراك القرية، وأرسلوا النساء والفتيات في “مسيرة موت” باتجاه الصحراء وقتلوا الرجال والفتيان على الفور.

تقول غيفورغيان، أن “والدته قامت بإخفائه تحت كومة من القماش وبهذه الطريقة نجا”. وأضافت أنه “قضى ثلاثة أيام تحت جثث أفراد عائلته. عندما غادر الأتراك، وصل الأكراد وأخذوه في مسيرة موت، ولكن لحسن حظي أنه نجا ووصل إلى أرمينيا. عانى الكثير من الصعاب، ولكن العائلة اليوم كبيرة جدا”.

من المهم بالنسبة لغيفورغيان تعليم أبنائها عن إبادة الأرمن، ولكن الكتب العبرية حول هذا الحدث تكاد لا تكون موجودة، كما تقول.

تقول، “أرغب برؤية كتب أكثر بالعبرية” وتتابع، “على الشعب اليهودي، الذي عانى من المحرقة، أن يكون أكثر نشاطا في رواية قصتنا”.

وأضافت غيفورغيان أن على إسرائيل الإعتراف رسميا بالإبادة الأرمنية وتجريم إنكارها. بعد النجاة من الإبادة في 1915 وقوع بعض النجاة ضحايا لمذبحة ثانية عام 1938 بعد رفضهم اعتناق الإسلام. ووقع هجوم آخر ذات دوافع عرقية في إسطنبول عام 1956. وتؤكد على أنه بالإمكان تقديم الجناة في هذه الجرائم أو أحفادهم للمحاكمة اليوم.

خلال أيام قليلة، تعتزم الطائفة الأرمنية في إسرائيل – التي لا يزيد عددها عن 10,000 – تقديم رسالة إلى قيادة البلاد تطالبها فيها باعتراف رسمي بالإبادة، كما قالت.

“لدي ثلاثة أبناء. أحدهم يخدم في الجيش وآخر سيبدأ الخدمة قريبا. أعتقد أنني كأرمنية استحق شرف الإعتراف الإسرائيلي، وخاصة أن اليهود مروا أيضا بذلك للأسف”.

تقول جورجيت أفاكيان، عضو في اللجنة الوطنية الأرمنية في القدس، أنه تم أخذ جدها وعمها وقتلهما على يد الحكومة التركية في 24 ابريل من عام 1915. في هذا اليوم، حوطت الحكومة التركية النخبة الأرمنية التي تعيش في إسطنبول في محاولة “لإسكات الشعب”. وكان والدها، الذي كان في الـ 15 من عمره في ذلك الوقت، قد فر إلى أرمينيا هربا من التجنيد التركي. وصل والد أفاكيان إلى فلسطين الإنتدابية عام 1926، حيث ولدت. كانت والدتها في الرابعة من عمرها عندما تم تهجيرها من مسقط رأسها في غازي عنتاب جنوب شرق تركيا.

تقول أفاكيان، “ستروي لنا دائما ما رأت”، وتتابع “تتذكر الحدث لأن الأتراك سحبوا أقراطها وأرادوا خطفها. ولكن عمها، الذي كان مديرا لدار الأيتام الأرمن، أخذها ورباها. قُتل والدها وتوفيت والدتها في المسيرة عبر الصحراء السورية”.

تقول أفاكيان أن رفض إسرائيل الإعتراف بمحنة الأرمن سببه اعتبارات إقتصادية “بائسة” متعلقة بعلاقتها مع تركيا.

وترى أن “الضمير يجب أن يسبق دائما أي شيء آخر”، وتتابع، “لدى اليهود التزام خاص. لو رد العالم على الإبادة الجماعية للأرمن، لما كانت المحرقة حدثت أبدا. قال هتلر عام 1939: ’من يتذكر الأرمن اليوم؟’”.