رأس خميس، القدس – عندما كان جميل سندوقة بجيل سنة، انتقل والدية من شقة غرفة واحدة بائسه في مدينة القدس القديمة إلى حي رأس خميس النائي, الواقع في ضواحي مخيم شعفاط للاجئين في شمال شرق القدس.

قال سندوقة, ابن ال-38 سنة, صائد أفاعي والذي يعمل كحارس على حافلات الاولاد المدرسية, ساخرا “منذ ذلك الحين لم اغادر المكان. لقد حوكمت بالسجن المؤبد”.

إحساسه بالسجن ليس احساسا لا أساس له من الصحة. واعتبارا من عام 2007، فصل حي رأس خميس وثلاث أحياء مجاورة (مخيم شعفاط ورأس شحادة وضاحية السلام) عن مدينة القدس بالجدار الأمني، الذي يفصل بين ما يقدر بربع السكان العرب في المدينة عن مكان عملهم ودراستهم.

يعيش ما يقدر ب-000 55 فلسطيني في رأس خميس والأحياء المحيطة به، جميعها تقع خلف الجدار الامني.
كي يدخل القدس، على سندوقة -الذي يدفع ضرائب البلدية– عبور نقطة تفتيش شيدت مؤخرا، وان يقدم بطاقة إقامتة في القدس. تم اغلاق معبر منفصل المؤدي إلى خارج الحي في عام 2012, بعد عمليه تخريبيه والتي قتل خلالها أحد جنود دورية الحدود الإسرائيلية وأصيب آخر بجروح.

عندما يؤكد رئيس البلدية نير بركات على أهمية القدس موحدة، انه لا يتخذ رأس خميس في عين الاعتبار: في ديسمبر 2011, اثار بركات دهشة أعضاء يمينيين بالحكومة عندما أعلن علنا أن الأحياء خارج الحاجز ينبغي الا تبقى جزءا من القدس.

رئيس بلدية القدس نير بركات بعد فوزه بالانتخابات 2013 (بعدسة يوناتان سنايدل/ فلاش 90)

رئيس بلدية القدس نير بركات بعد فوزه بالانتخابات 2013 (بعدسة يوناتان سنايدل/ فلاش 90)

اقتبست صحيفة معاريف الإسرائيلية عن بركات, “أوصي بفصل ما يقع خارج الجدار الامني. ينبغي علينا التخلي عن مناطق البلدية إلواقعه خلفه وضم المناطق المحصوره في الجانب الإسرائيلي, التي حاليا ليست تحت ولاية بلدية القدس اليها”.

عبر أعضاء الكنيست اليمينيين عن غضبهم إزاء تصريحات بركات. ثم اتهم رئيس التحالف (نائب وزير الخارجية اليوم) زئيف الكين (من الليكود), رئيس البلدية بتقويض سلامة القدس الإقليمية، المنصوص عليها في قانون القدس عام 1980, الذي يقول أن “سلامة ووحدة قدس الكبرى.. لا يجوز الاعتداء عليها”. اضاف عضو الكنيست ارييه الداد من حزب “الاتحاد الوطني” واصفا تصريحات بركات “بالخيانة”، بموجب قانون يحظر اي تصرف الذي يسمح بنقل اراضي واقعه تحت السيادة الإسرائيلية لدولة غريبه.

ولكن تصريحات بركات بالكاد فاجأت مراقبين للواقع السياسي في القدس الشرقية. في حين اقتراب الجدار على الإنتهاء، ميزانيات البلدية المخصصه للرعاية الاجتماعية، التعليم والبنية التحتية للأحياء إلواقعه خلفه قلصت بشكل كبير جدا. مقدمي الخدمات، بالاضافه الى سيارات الإسعاف وعربات الإطفاء، توقفت عن العمل وراء الحاجز. وسلمت البلديه جمع القمامة هناك إلى مقاولين من القطاع الخاص.

في يوليو 2012، ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، ان المدير العام لبلدية القدس يوسي هيمان اجتمع مع منسق أنشطة الحكومة في مناطق ايتان دانجوت، طالبا فيها أن يتحمل جيش الدفاع الإسرائيلي مسؤولية الشؤون المدنية خارج الجدار. التزام البلدية الاخير بتقديم أسماء جميع الشوارع في القدس الشرقية العربية بنهاية عام 2014, لا يشمل الأحياء الواقعه في الجانب الآخر من الجدار.

قال عضو المجلس يكير سيغيف لموقع الأنباء الإسرائيلية واي نت في يناير 2010, “ان البلدية قد استوعبت الرسالة القادمة من الحكومة الإسرائيلية التي بموجبها, هذه الأحياء لا تشكل جزءا من القدس، وتتصرف بناء على ذلك، وان السلطة الفلسطينية هي التي تقوم بترميم الطرق وتسيير الخدمات الاجتماعية هناك”.

اضاف سيغيف، عضو الحزب الذي ينتمي اليه رئيس البلديه بركات, “ان هذه الأحياء بعيدة عن متناول إسرائيل، وايضا عن البلدية. من الناحية العملية، انها تقع في رام الله. بغض النظر عن اليمين الشبه-موهوم، أنا لا أعرف اذا كان أي شخص يحاول بجدية تطبيق السيادة الإسرائيلية في هذه المناطق”.

عمارات في راس خميس من وراء الفاصل الامني في شرقي القدس (بعدسة الحانان ميلر/ تايمز أوف اسرائيل)

عمارات في راس خميس من وراء الفاصل الامني في شرقي القدس (بعدسة الحانان ميلر/ تايمز أوف اسرائيل)

اليوم، الخدمات الأساسية لهذه الأحياء أبعد ما تكون عن فعاله. لا تجرؤ السلطة الفلسطينية على إرسال قوات أمن خاصة بها الى هناك؛ ومع انعدام قرار سياسي ينص على غير ذلك، من المفترض أن تكون خدمة البريد، المياه والصرف الصحي مقدمة من إسرائيل.

قال سندوقة, “سوف تسعد السلطة الفلسطينية بالحصول على هذا المكان. أنها ستقدم كافة الخدمات له. لماذا بنى [رئيس الوزراء السابق أرييل] شارون الجدار؟ اراد تسليمنا لأبو-مازن [رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس]. وسوف نكون الدفعة الأولى [الإقليمية] [في صفقة سلام] “.

عالقة في طي نسيان البلدية والسياسية، اقام سكان الحي لجانا – تمولها السلطة الفلسطينية والاتحاد الأوروبي-للتعامل مع السلطات الإسرائيلية. يتراس سندوقة مجلس رأس خميس، والذي يقدر عدد سكانه ب-17000-20000.

قال سندوقة للتايمز اوف إسرائيل, ان الوضع الأمني والمدني قد تدهور بشكل كبير منذ انتهاء بناء الجدار العازل حول رأس خميس في عام 2007. لقد ارتفعت نسبة الإجرام، عمليا ان الشرطة نادراً ما تدخل الحي. يضم رأس خميس الآن المركة الاكبر في المدينة لتجارة المخدرات، الواقع في مصنع كوكا كولا مهجور محاط بأكوام من قمامة محروقه على بعد 100 متر فقط من نقطة التفتيش. وقعت تسع جرائم قتل في المنطقة منذ عام 2007 مقارنة بصفر خلال 40 عام منذ 1967، عندما سيطرة اسرائيل على الإقليم في حرب الستة الأيام.

اضاف سندوقة, “عندما تكون نزاعات عائليه داميه هنا، نشعر كما لو أننا في سوريا. كما لو أنها جبهة النصرة تقاتل المتمردين. لا أحد يستخدم المسدسات هنا، فقط بنادق M-16s وال-أية كيه-47. أرسلنا خطابات إلى وزير الأمن الداخلي، وإلى قائد [الشرطة] اللوائي. لا أحد يريد التعامل مع هذا”.

كل شيء عباره عن نضال بالنسبه لساندوقا وزملائه الثمانية في لجنة الحي. أنهم يحاربون شركة البريد الإسرائيليه لمدة ست سنوات في المحكمة من اجل وضع صناديق بريد في الحي. تصر الشركة على وضعهم في الجانب الإسرائيلي من الحاجز. شركة المياه تراجعت عن قرار بتركيب عدادات مياه للمباني السكنية، والتي معظمها من 8-9 طوابق، و التي — بدون استثناء لكامل الحي – شيدت بصورة غير قانونية. يضطر السكان لشحن المياه من سكان الحي المجاور, عناتا وضخه في خزانات كبيرة موضوعه على سطوح منازلهم.

جميل سندوقة , راس خميس (بعدسة الحانان ميلر/ تايمز اوف اسرائيل)

جميل سندوقة , راس خميس (بعدسة الحانان ميلر/ تايمز اوف اسرائيل)

عندما دمر عمال بناء الحاجز الأمني بالخطأ نظام المجاري في الحي، المسؤول عن صرف المجاري في شوارع رأس خميس، رفضت وزارة الدفاع الدفع مقابل الضرر. جمع ساندوقا وزملاؤه 50,000 شاقل (14,000 دولار) ووضعوا أنابيب جديدة. وعندما كان الطريق المؤدي إلى عناتا بحاجة للتصليح خلال شهر رمضان المبارك، جمع ساندوقا الأموال في المسجد المحلي.

وأشار, “ان السكان تبرعوا بعشرة، او خمسة عشر شيكل”.

مسالة التعليم حتى أكثر صعوبة. بامكان المدرسة الابتدائية الرسميه الوحيده في رأس خميس استيعاب 800 تلميذ فقط. مدرسة الأمم المتحدة التي تديرها الأونروا في مخيم شعفاط المجاور تستوعب الطلاب الآخرين. ولكن 500 3 طفل أخر من الأحياء الواقعه خارج الحاجز يضطرون إلى السفر إلى نقطة التفتيش كل صباح، حيث تفرقهم الحافلات التي استأجرتها المدينة إلى مدارس خاصه ومدارس العامة عبر المدينة. وقد ناشد ساندوقا البلدية لجمع الأولاد الأصغر سنا من نقطه داخل الحي، دون جدوى حتى الآن.

الاوضاع المتدهوره في رأس خميس كانت السبب في انتقال للعديد من السكان المحليين إلى حي بيسغات زئيف اليهودي القريب، أو ألى أبعد من ذلك، إلى قرية عين نيقوبا غرب القدس. وقد باع هؤلاء السكان أو قاموا بتأجير منازلهم للفلسطينيين من نابلس وجنين والخليل، الذين كما يقول ساندوقا ساهموا لارتفاع معدل الجرائم في الحي.

الحي اليهودي بسجات زيئيف يطل على راس خميس من وراء الجدار (بعدسة الحانان ميلر/ تايمز اوف اسرائيل)

الحي اليهودي بسجات زيئيف يطل على راس خميس من وراء الجدار (بعدسة الحانان ميلر/ تايمز اوف اسرائيل)

وقال “لا أحد يعرف من هم، أو ما يريدون. ربما كانوا فارين من مشاكل في مدنهم. من هنا إلى جنين, شمال الضفة الغربية ليست هناك حتى نقطة تفتيش واحدة التي يمكنها ايقافهم”.

ولكن القلق الأكبر والذي يواجه السكان, هو التهديد الذي يلوح في الأفق, بهدم المنازل. في أواخر العام الماضي، تم نشر إخطارات مهدده بالهدم من البلدية على جدران المباني السكنية التي شيدت على مدى السنوات الثلاث الماضية.

وقال أبو أحمد، البالغ 58 من العمر ، والذي تلقى منزله الجديد إخطارا بالهدم مؤخرا,اننا اقوياء، ولكن التهديد بالهدم بالفعل يسبب لنا الخوف”.

واخبرت بلدية القدس التايمز اوف إسرائيل, في رد عبر البريد الإلكتروني أن سياستها اتجاه الأحياء الواقعه خارج الجدار الأمني لا يختلف عما هو عليه للأحياء الموجودة داخله.

ولكن هذا الادعاء لم يقنع جميل ساندوقا. قال ان رأس خميس يذكره بحي في كوميديا سوريه اعتاد أن يشاهد كطفل يسمى “حارة كل من إيده إله”.

يقول, “هكذا ارى هذا المكان. الجميع يفعل ما يريد . أننا ندعو أنفسنا ‘مركز النفايات البشرية ‘”.