لم يخطط درور شاؤول إصدار فيلمه الأخير، “فلافل ذري”، في الوقت الذي تم فيه الإعلان عن الإتفاق النووي الإيراني للعالم.

ولكن هذا كان من حسن حظه.

في الواقع فإن المخرج الإسرائيلي، الذي ذاع صيته بعد فيلمه الناجح عام 1999 “عملية الجدة”، وفيلمه الحاصل على جائزة “أوفير”، “الطين الحلو”، اللذان تناول كلاهما تجارب الحياة الأسرية والحياة في الكيبوتس، لم يكن يقصد أبدا صنع كوميديا حول الحياة تحت تهديد مفاعل نووي.

شاؤول (42 عاما)، كان يعمل على فيلم كان من المفترض أن يتم تصويره في عدة مواقع في أوروبا، دراما باللغة الإنجليزية لا تجمعها أية صلة بإسرائيل. بعد وفاة منتج الفيلم، وهو لويد فيليبس الجنوب أفريفي المولود في نيوزيلندا، بشكل مفاجئ جراء نوبة قلبية، وجد شاؤول نفسه لوحده من دون تمويل.

من منزله في تل أبيب قال شاؤول في محادثة هاتفية، “فكرت، ’لنفعل شيئا مغايرا تماما، كوميديا بالعبرية حول أكثر مكان أعرفه. في ذلك الوقت كنت أتسلى بفكرة قصة حول مفاعل نووي، وأقوم بالبحث على فيسبوك ومواقع تواصل إجتماعي أخرى”.

بالنسبة لشاؤول، الذي نشأ في “أسوفيم” – كيبوتس صغير يقع جنوب البلاد ويلعب دورا رئيسيا في “الطين الحلو”، وهو فيلم يتناول قصة شبه سيرة ذاتية عنه وعن والدته التي كانت تعاني من مرض نفسي – فإن قصة “فلافل ذري” بدأت بإستدراج المشاهدين إلى مكان معزول، شبيه بالمكان الذي ترعرع فيه.

مفاعل إسرائيل النووي – “الذي لا يعرف أحد عنه شيئا”، كما قال شاؤول بلا مبالاة – يقع في مكان شبيه وبائس، بلدة التطوير ديمونا، وهو معروف من العناوين ولكن من يعرفه جيدا فقط هم الناس الذين يعيشون ويعملون فيه.

العناصر كلها كانت موجودة، كما يقول شاؤول: مفاعل نووي، والمدينة الراكدة التي يقع فيها، وعنصر مواقع التواصل الإجتماعي المضاف إلى المعادلة، حيث يتفوق الجيل الشاب على آبائه.

مع إيران في ذهنه، بدأ بالتفكير حول موقع بلدة نووية مشابهة في إيران، وعما إذا كان من المعقول أن يجد المراهقين من البلدتين أحدهم الآخر والدردشة عبر وسائل التواصل الإجتماعي.

وقال: “دفعني ذلك إلى البحث، و’بووم’، كان كل شيء موجودا هناك”.

ما يستشف على الشاشة هو تقريبا ما تصوره شاؤول قبل 5 أعوام. فتاة في إسرائيل، تُدعى نوفار (ميشيل تريفيس)، التي تعيش مع والدتها الأرملة المثيرة التي لا تقهر، ميمي (مالي ليفي غرشون)، التي تدير محلا متنقلا لصنع الفلافل في سيارة، حيث تقوم بنقله للقوات المحلية خلال مناورات في الصحراء القاحلة. ميمي تحتج بإستمرار ضد المفاعل النووي، حيث تعتقد أن زوجها المولود في إيران توفي بسبب مرض متعلق بالطاقة النووية بعد العمل في المفاعل.

في هذه الأثناء، في القاعدة العسكرية المحلية، تحاول مجموعة من السياسيين والجنرالات الشبيهة بشخصيات كاريكاتورية، والذين يضعون عصابات سوداء على أعينهم، وبعيدون كل البعد عن هموم الشارع ومع يد سهلة على الزناد، تحاول صياغة الرد الإسرائيلي على قدرة إيران النووية وتخرج بقرار ببوجيه ضربة إستباقية خلال 72 ساعة.

عندما يكتشف نوفار وميرون (عيدان كرميلي)، هاكر محلي ولطيف معجب بها، ذلك، يقومان بالإتصال عبر مواقع التواصل الإجتماعي بشرارة، فتاة إيرانية تغني الراب (تارا ملتر) المستاءة من والدها لإنتقاله إلى “ناتانز”، وهي بلدة إيرانية قريبة من مفاعل نووي. تجد نوفار شرارة عبر الإنترنت خلال محاولتها إستكامل شجرة عائلتها لوظيفة مدرسية وبينما كانت تبحث عن إجابات حول أسرة والدها المتوفي.

ويتبين أن “ناتزانز” هي البلدة التي يقع فيها مفاعل نووي تريد إسرائيل تدميره. وهي أيضا الموقع الذي سيكون المحطة القادمة التي ستقوم بزارتها شخصية رئيسية أخرى، وهي أوليفر هان (ألكسندر فيلنغ)، عضو ألماني وسيم في الفريق التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية المتواجد حاليا في البلدة. والدة ميمي تعجب بهان الأشقر في قصة حب شبه مستحيلة، والممثل، الذي يظهر في فيلم “Inglourious Basterds”، أحد آخر أفلام لويد فيليبس، يُصاب بمرض “الشرى” الحساسي الجلدي، في كل مرة يقترب فيها من يورانيوم مخصب.

وهكذا تتكشف خطوط القصة في هذه الكوميديا العبرية-الإنجليزية-الفارسية، وتكشف عن علاقات غريبة وعلاقات رومانسية بين مراهقين وعن مجموعة من الشخصيات – جدتين إسرائيلية وإيرانية، جندي مهاجر من نيوزيلندا وجنود يريدون تناول الفلافل.

ويبدأ المراهقون الثلاثة، الذين قد يكونون أكثر الشخصيات واقعية، بإكتشاف ما يحدث من حولهم ويخرجون بخطة لإحباط الهجوم.

وقال شاؤول: “قمت بالتحدث مع شبان مراهقين من إسرائيل وإيران ودول أخرى، وإنه لأمر مدهش رؤية الأمور التي يعرفونها، وكيف أن هناك أوجه شبه بين أبناء هذا الجيل أكثر من أوجه الإختلاف”. وأضاف: “فتى في الـ15 من عمره من طهران أو تل أبيب أو باريس يريد الأشياء نفسها – H&M ونفس الأحذية. حتى يتمكنوا من التواصل”.

الفيلم الذي عُرض لأول مرة في منزل مكتظ في ريشون لتسيون قبل رأس السنة العبرية والآن يُعرض في صالات العرض المحلية، مليئ بالنكات والضحكات لكل من هو على إطلاع بالشخصيات النمطية في المجتع الإسرائيلي وعناوين المفاعل
النووي.

هناك المطارة المستمر لسيارة الفلافل الخاصة بميمي وراء وحدة الجيش عبر الصحراء، وحاجتهم الشديدة لسلطة “السحوق” التي تقوم بصنعها، وفريق الجنرالات والسياسيين الذين يشبهون بشكل كبير مجموعة القادة الحاليين، والإستخدام البارع للرسائل النصية وحسابات الفيسبوك.

يقول شاؤول أنه أراد أن يكون “فلافل ذري” كوميديا، وليس إمتداد لأكثر منذ ذلك عندما كتب هذا المخرج عن الحياة في بلدة صغيرة والجيش ومتاعب الأمهات العازبات وأبنائهن المراهقين أصحاب الشخصيات المستقلة.

ولكن في حين أنه لم يخطط لإرسال أية رسائل سياسية، علق من دون قصد في عناصر دولية أخرى في لعبة القط والفأر النووية.

في بداية المشروع، كان على اتصال بالمخرجة والفنانة الإيرانية شيرين نشات، الحائزة على جائزة “الأسد الفضي” عن فيلمها “نساء من دون رجال” في مهرجان فنيسيا السنيمائي عام 2009. درس الإثنان في “ساندانس لابس” معا، ونشات، النيويوركية إيرانية المولد – التي جاءت جائزة “الأسد الفضي” الخاصة بها بعد حصول فيلم شاؤول موعاز الإسرائيلي
“لبنان” المناهض للحرب على جائزة “الأسد الذهبي” – قالت في ذلك الوقت لشاؤول “ربما يوما ما سيقوم إسرائيلي وإيراني بصناعة الأفلام معا”.

ظل صدى المحادثة يرن في رأس شاؤول، الذي استمر بالتفكير بقصة “فلافل ذري” وإمكانية أن يكون إنتاجا إسرائيليا-إيرانيا مشتركا.

إنتهى به الأمر بالعمل على “فلافل ذري” مع عدد من المنتجين، من بينهم مجموعة من الكنديين وبعد ذلك فريق من الألمان. ولكنه واصل البحث عن منتجين إيرانيين.

لكن بحثه لم يأت بثماره. في كل مرة جلس مع منتج إيراني وأخبره أنه يرغب بإخراج فيلم إسرائيلي بإنتاج مشترك وتصوير جزء من الفيلم في إيران، كان يحصل على نفس الرد.

“كانوا يقولون، ’يا رفاق، أنتم لطيفون جدا، شكرا لكم ولكن إذا لم تغيروا الموضوع سنضطر إلى ترك الطاولة”، كما يتذكر شاؤول.

تفاجئ شاؤول من هذا الرد. “كنا نقول، ’كيف يمكن ذلك؟’ هل حقا لا يستطيع منتج أفلام صنع فيلم حول ذلك”، كما قال.

عندما عثروا أخيرا على شخص كهذا، إنتهى به الأمر بالتراجع قبل ثمانية أسابيع من بدء التصوير والإختفاء تماما. في النهاية قام شاؤول، الذي لم يتخلى عن أمل تصوير الفيلم في إيران، بإنتاج الفيلم مع فريق من المنتجين الألمان والإسرائيليين والنيوزلنديين، وعدد من الإيرانيين المغتربين.

محاولته الأخيرة في تحريك الوعاء الجيوسياسي جاء قبل أسبوع من عرض الفيلم كانت عندما قام فريق العلاقات العامة المسؤول عن الفيلم بوضع لافتة عملاقة قبالة ميدان رابين في تل أبيب، معلنا عن إفتتاح سفارة إيرانية في إسرائيل، مع رقم هاتف في تل أبيب. خلال الأيام القليلة الأولى، حصل المتصلون على رسالة بالعبرية طُلب منهم فيها ترك رسالة. بعد بضعة أيام تم تغيير ذلك برسالة بالعبرية بلكنة فارسية ثقيلة، جاء فيها أن المتحدث هو المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي الذي طلب منهم شراء البطاقات للفيلم.

يقول شاؤول: “أنا لست إنسانا سياسيا، لم أكن أحاول توجيه رسالة سياسية، ولكنني كنت أحاول أظهار أننا نحن، الشعب الإسرائيلي والإيراني، وليس القادة، تجمعنا أوجه شبه أكثر من أوجه الإختلاف وأن مشاكلنا تدور حول قادتنا ورسائلهم السياسية والدينية المجنونة”.

في الوقت الحالي، يتحدث شاؤول مع موزع أفلام إيراني ويأمل بأن يتم عرض الفيم في نهاية المطاف في إيران.

وقال: “أكبر مجاملة لي حتى الآن هي أن أشخاص إيرانيين يرغبون برؤية الفيلم. الإعلام الإيراني يتوقع أن الشعب الإيراني سيحب الفيلم. أتعرفين لماذا؟ إنه فيلم بإمكانه أن يضحك الإيرانيين والإسرائيليين في الوقت نفسه”.

يتم عرض “فلافل ذري” حاليا في دور العرض الإسرائيلية في جميع أنحاء البلاد.