جي تي ايه – ما هو المستوطن؟ بهذا السؤال إفتتح شمعون دوتان فيلمه الوثائقي “المستوطنين”، الذي انطلق الأسبوع الماضي في مهرجان “سندانس” السينمائي.

ويعطي الفيلم، من كتابة وإخراج شمعون دوتان، جواب بشكل فوري تقريبا: شخص متدين متعصب يدفعه فكر مسياني، ويعتقد أنه لدى اليهود الحق الحصري على الضفة الغربية ويمكنه استخدام جميع أنواع الحيل، العنف، ومخالفة القانون لتحقيق الأمر الإلهي للإستيطان في الأراضي المقدسة.

هناك شيء من الحقيقة في هذا الجواب، ولكنها ليست الحقيقة الكاملة.

لكن لا ينطبق هذا على معظم المستوطنين، كما اعترف دوتان بذاته خلال مقابلة مع وكالة جي تي ايه. إنهم “مستوطنين إقتصاديين” – إسرائيليون يسكنون في الضفة الغربية لأن تكاليف المعيشة أقل تكلفة من إسرائيل ذاتها. معظمهم لا يخالفون القوانين، يعيشون بالقرب من مدن إسرائيلية كبيرة ويضمون يهود علمانيين.

وقال دوتان أن 320,000 من 400,000 مستوطن في الضفة الغربية هم من هذا النوع. وفقط 80,000 المستوطنين الباقين هم “مستوطنون ايدلوجيون”، الذين يسكنون هناك لأسباب دينية أو مبادئ سياسية. ومن ضمن هؤلاء، جزء صغير من المتطرفين.

لكن هذا السياق غائب عامة من هذا الفيلم، الذي يركز تقريبا بشكل حصري على المتطرفين المتدينين اليمينيين – شبان التلال الذين يقيمون بؤر إستيطانية غير قانونية، الشبان اليهود الذين يرتكبون جرائم عنيفة أو يحتفلون بالعنف ضد الفلسطينيين، سكان أكثر البلدات المعادية للعرب في الضفة الغربية.

وأوضح دوتان لوكالة جي تي ايه أنه ركز على الهامش لأن المتطرفين يحددون توجه الحركة كلها.

قائلا: “إذا كنت تريد فهم الظاهرة، عليك التوجه إلى الهامش، إلى القادة”.

عن طريق عدم عرض معظم السياق حول المستوطنين العاديين، يعرض الفيلم صورة اليهود في الضفة الغربية بأنهم قتلة متعصبين وعنصريين، وأنهم العائق الوحيد أمام عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. أو كما يصفهم الكاتب المخضرم في صحيفة “هآرتس” عكيفا الدار في الفيلم، “وحش مكون من نصف مليون شخص يقفون في طريق السلام”.

هذا لا يعني أن المستوطنين المتطرفين ليسوا موضوع هام للدراسة. بالرغم من عددهم الصغير، لديهم تأثير كبير على مشروع الإستيطان، على العلاقات بين اسرائيل والفلسطينيين وعلى السياسة الإسرائيلية. إنهم يجذبون انتباه العالم بشكل متزايد. في 19 يناير، تصدر السفير الأمريكي في اسرائيل، داني شابيرو، عناوين الصحف بعد أن حذر من “أعمال الإنتقام الإسرائيلية في الضفة الغربية”.

يجبرنا فيلم دوتان على التعامل مع الفظاعة في حركة الإستيطان، حتى بينما يعرض جمال الضفة الغربية مع تصوير هوائي رائع بجماله. شخصيات الفيلم هم بشكل عام: مستوطنين متطرفين من مستوطنة تكواع الذين يعلنون بفخر أنهم عنصريون، الأب الذي يتحدث بشكل بشوش مع ابنائه الأطفال عن ضرب العرب عندما يكبروا، المستوطنين الذين يريدون أن يبتلع مشروعهم في نهاية الأمر المملكة الأردنية – وحتى في نهاية الأمر كل المنطقة بين نهر النيل في مصر ونهر الفرات في العراق.

“اليوم، حوالي 50 عاما بعد أن صنع أول مستوطن منزله في الضفة الغربية، دافع الإستيطان هو نجاح واضح”، يقول الراوي في الفيلم. “يرى المستوطنون أنفسهم كرواد، وقادة المجتمع الإسرائيلي. السؤال هو: إلى أين يقودنه – إلى الخلاص، كما يدعون، أم إلى الابارتهايد (الفصل العنصري)؟”

يدرس دوتان (66 عاما)، الذي عاش في الولايات المتحدة آخر 20 عاما ويدرّس السينما السياسية في جامعة نيويورك، من شخصياته بترتيب زمني. هو يبدأ مع قادة “غوش ايمونيم”، الحركة الفكرية التي، بتأثير من تعليم الحاخام تسفي يهودا كوك، تعتقد أن حرب 1967 أشارت إلى الخلاص الإلهي، وأن الإستيطان في الأراضي التي تم احتلالها سوف يساعد في بدء عصر مسياني.

شمعون دوتان، كاتب ومخرج فيلم "المستوطنين"، الذي انطلق في 22 يناير 2016 في مهرجان سندانس السينمائي (Courtesy of Shimon Dotan via JTA)

شمعون دوتان، كاتب ومخرج فيلم “المستوطنين”، الذي انطلق في 22 يناير 2016 في مهرجان سندانس السينمائي (Courtesy of Shimon Dotan via JTA)

ويمزج الفيلم بين مقابلات مع قادة الحركة المسنين وتصوير ارشيفي لقادة كشبان، يقودون مظاهرات، يقيمون بؤر استيطانية في الضفة الغربية، يحتفلون مع اتباعهم. حيث لا يوجد تصوير، يعتمد دوتان على الرسومات والتسجيلات الصوتية لرواء الأجزاء الهامة من القصة. الرسومات الجميلة بريشة الفنان دافيد بولونسكي، الذي صنع الرسومات المتحركة في فيلم “فالس مع بشير”، الفيلم الإسرائيلي من عام 2009 حول حرب لبنان الذي ترشح لجوائز الأوسكار.

والنتيجة هي نظرة فاتنة على كيفية ظهور المستوطنات، والرجال والنساء على هامش الحركة الذين يستمرون بدفع الحدود – فكريا وجسديا. ويوثق “المستوطنين” أيضا كيف ساعدت الحكومة الإسرائيلية – بشكل إرادي في بعض الأحيان، وبشكل غير إرادي في أحيان أخرى، وفي كثير من الأحيان بدون علم وبدون تفكير للمدى البعيد – على بناء وتعزيز المشروع الإستيطاني.

في أحد المشاهد، تستذكر سارة نحشون، التي لعبت دور مفصلي في تأسيس الإستيطان اليهودي في مدينة الخليل، كيف أجبرت فتح المقبرة اليهودية القديمة عندما لم يكن واضحا إن كانت اسرائيل سوف تسمح لليهود بالبقاء في المدينة. كان هذا في منتصف سنوات السبعين، وطفلها الرضيع قد توفي للتو في سريره. وقد أصرت على دفنه في الخليل، بالرغم من أنه لم يتم دفن أي يهودي هناك منذ قبل قيام دولة اسرائيل.

وعندما رفضت السلطات الإسرائيلية ذلك، قامت نحشون بتجاهلهم، وتجاوزت الجنود الإسرائيليين وهي تحمل طفلها الميت. وبعد دفن الطفل، أصبحت المقبرة موقع آخر يلزم الجنود الإسرائيليين بحراسته – موقع يهودي فعال آخر في الضفة الغربية.

ويتضمن الفيلم مقابلات مع أعضاء غير نادمين في السرية اليهودية، التي نفذت في سنوات الثمانين تفجيرات ضد رؤساء بلديات نابلس، رام لله والبيرة (وتم تشويه اثنين منهم، والثالث لم يتأذى)، خططوا لتفجير المسجد الأقصى في الحرم القدسي وزرعوا قنابل في حافلات عربية. وقد كشفتهم السلطات الإسرائيلية ونزعت فتيل القنابل قبل انفجارها.

ونرى مشاهد غير مؤرخة ليهود يضربون عرب في حقولهم بالقضبان الحديدية، يهود يضربون العرب في شوارع الخليل، يهودي يشرح ما ورد في الديانة اليهودية بأن “الإنتقام هو أمر هام”.

ولا يتم التطرق الى العنف الفلسطيني ضد الإسرائيليين تقريبا، بإستثناء بعض الإشارات الغامضة. في فيلم دوتان، الفلسطينيين الوحيدين الذين نراهم هم الضحايا. العنف الفلسطيني “لا يخص” هذه القصة، يقول دوتان.

ويوضح دوتان أن هدفه الأولي في هذا الفيلم هو الإسرائيليين، حيث يأمل أن يثير الفيلم حوارا. ولا زال دوتان يبحث عن موزع أمريكي للفيلم.

“اعتقد أن الإسرائيليين لا يعلمون الكثير عما يحدث في الضفة الغربية، والقليل عن الأساسات الفكرية للمستوطنات”، قال دوتان. “هذا الفيلم يعطي منصة لأصوات المستوطنين. آمل أن تنصت الناس إليه”.