في أيام الأسبوع، تكتظ أزقة سوق محانيه يهودا في القدس بالمتسوقين والباعة، مكان تملأه المشاهد والأصوات والروائح. ساعات المساء خلال الأسبوع تكون مكتظة أيضا، حيث تجذت مطاعم وحانات تم افتتاحها حديثا الشباب لتمضية ساعات الليل في المدينة.

ولكن أيام السبت، يوم الراحة اليهودي، يسود في السوق تقليديا الفراغ والصمت، حيث يتم إنزال أبواب المحال وإغلاقها.

قبل نحو عام بدأ ذلك بالتغير عندما بدأ معرض فنون شارع بالظهور في السوق. يظهر هذا المعرض بكامله فقط أيام السبت، حيث تظهر لوحات لشخصيات شهيرة تم رسمها على أبواب المحال المغلقة. وجوه معاصرة وتاريخية شهيرة تنظر على الزوار خلال تجولهم بين أزقة السوق، منبهرين برؤية فن في مكان تتراكم فيه عادة الفواكه والخضار والمكسرات والبهارات.

بطلة الحرب العالمية الثانية حانا زينيس، ترتدي زيها العسكري مع شارة مظليين، تحدق يسارا تحت لافتة بائع السمك. الحاخام الأمريكي المؤثر أبراهام جوشوا هيشل يطل من مدخل كشك توابل. سيدة الأعمال والمحسنة من القران الـ -16 دونا غراسيا ناسي تظهر في زي ملكي، مع إعلان لـ”حلويات دودو” فوق رأسها. قائد حركة الإستقلال الهندية، مهاتما غاندي، يطل من تحت لافتة “كوشير”.

هذه اللوحات الضخمة والآسرة المرسومة بالرذاذ هي من عمل الفنان بريطاني الأصل سولومون سوزا، الذي يعمل طوال الليل لجعل السوق مكانا ملونا عندما تكون أبواب المحال فيه مغلقة كما هي الحال عندما تكون مفتوحة.

بدأ سوزا برسم هذه اللوحات في يناير 2015 بناء على طلب من صديقه وزميله السابق في المعهد الديني بيريل هان. متأثرا من فيلم حول فنان الشارع المشهور والمجهول في الوقت نفسه بانسكي، “الخروج عبر متجر الهدايا” (Exit Through the Gift Shop) وأعمال فنان الغرافييتي الكوري-الأمريكي ديفيد تشوي، كان لهما رؤية في تحويل السوق إلى مكان يعج بالفن والألوان.

مع قيام سوزا بمهمة الرسم، تولى هان، الذي وُلد ونشأ في حي “كراون هايتس” في بروكلين (26 عاما) مهمة منتج المشروع، الذي أطلقا عليه إسم “معرض السوق”.

موهبة سوزا إنتقلت إليه بالوراثة. جده والد والدته هو فرنسيس نيوتون سوزا (1924-2002)، أحد الأعضاء المؤسسين لمجموعة الفنانين التقدميين في بومباي وعضو بارز في الحركة الطلائعية (avant-garde) الهندية. بعض لوحاته بيعت بملايين الدولارات.

وُلد ف.ن. سوزا – الذي يُشار إليه أحيانا بـ”بيكاسو الهندي” – في بلدة غوا البرتغالية لعائلة مسيحية. زوجته الثانية كانت يزوليت دي كريستسيان (ني كون)، لاجئة يهودية تشيكية من ألمانيا النازية التي التقت به في لندن، حيث كانت تدرس الدراما وحيث كان هو يحاول تطوير حياته المهنية. ابنتهما كيرين سوزا كون، فنانة تعيش في صفد، هي والدة سولمون.

فنان معرض السوق سولومون سوزا والمنتح بيريل هان في حي نحالوت، يقفان إلى جانب لوحة ليهودا مكابي من رسم سوزا، 25 فبراير، 2016. (Renee Ghert-Zand/Times of Israel)

فنان معرض السوق سولومون سوزا والمنتح بيريل هان في حي نحالوت، يقفان إلى جانب لوحة ليهودا مكابي من رسم سوزا، 25 فبراير، 2016. (Renee Ghert-Zand/Times of Israel)

وقال سوزا لتايمز أوف إسرائيل من منزل يشارك فيه السكن مع هان وشريك آخر في حي نحالوت في القدس، “نشأت وأنا محاط بفن والدتي، وكان لدي مدرس فنون جيد في المدرسة الثانوية عندما كنا نقيم في هاكني في لندن، ولكن عدا ذلك أنا عصامي”.

’أقوم بالرسم على الجدران وفنون الشارع منذ سنوات، ولكنني فنان وحيد ولم أكن يوما جزءا من مجموعة أو من مشهد الغرافيتي’

وأضاف سوزا، “أقوم بالرسم على الجدران وفنون الشارع منذ سنوات، ولكنني فنان وحيد ولم أكن يوما جزءا من مجموعة أو من مشهد الغرافيتي”.

يتبع سوزا وهان نهج القاعدة الشعبية في مشروع معرض السوق الخاص بهما. حتى هذه المرحلة، يفضلان فعل ذلك لوحدهما، من دون دعم من منح تقدمها مصالح تجارية أو مؤسسات أو أية مساعدة من بلدية القدس.

وقال هان، “مشاركة الشريط الأحمر في ذلك سيخرج المتعة والحرية والعفوية منه. قررنا إنهاء ما بدأناه فقط بمساعدة أصدقائنا والجمهور”.

قام الشابان بإستخدام مدخراتهما وتبرعات من أصدقاء وعدد قليل من التجار في السوق لتغطية تكاليف رذاذ الطلاء.

سوزا وهان يحتفظان بمخطط لمشروع معرض السوق الخاص بهما، وهو خريطة لمحانيه يهودا وموقع لوحات سوزا فيه، القدس، 25 فبراير، 2016. (Renee Ghert-Zand/Times of Israel)

سوزا وهان يحتفظان بمخطط لمشروع معرض السوق الخاص بهما، وهو خريطة لمحانيه يهودا وموقع لوحات سوزا فيه، القدس، 25 فبراير، 2016. (Renee Ghert-Zand/Times of Israel)

مدركان لمباردات سابقة لإحياء محانية يهودا وإدخال أحداث ثقافية إليه – مثل مشروع الفن الحضري “الصفحة البيضاء” (Tabula Rasa) ومهرجان بلاباستا ضمن موسم الثقافة في القدس – يقول هان وسوزا بأنه سيكون من دواعي سرورهما العمل مع منظمات تشاركهما نفس الأفكار في المستقبل.

بمجرد إنهاء العمل على الأبواب الـ -360 في السوق، يرغب هان وسوزا بتنظيم جولات سياحية أيام السبت في السوق. متأثران من الشخصيات المعاصرة المتعددة المرسومة، يأملان في جذب أشخاص آخرين يهتمون بهذا المجال والتأثير عليهم. حتى أن هان يتصور وضع رقاقة على كل لوحة أو بجانبها يستطيع الزوار التواصل معها من خلال هواتفهم الذكية من أجل الحصول على معلومات عن الشخص الظاهر في الصورة.

مع العمل على مدى عام 2015 وفي بدايات 2016، رسم سوزا حتى الآن على 140 من أبواب المحال التجارية – بعض الصور لأشخاص مشهورين، وصورة أخرى لمشاه توراتية وغيرها. حتى الآن، لم يكن من الصعب الحصول على موافقة أصحاب المحلات للرسم على أبواب محالهم. بعضهم طلب من سوزا رسم حاخامهم المفضل أو رب العائلة الذي كان المالك الأصلي للمحل.

تفاصيل من مخطط لمشروع معرض السوق في سوق محانيه يهودا في القدس، 25 فبراير، 2016. (Renee Ghert-Zand/Times of Israel)

تفاصيل من مخطط لمشروع معرض السوق في سوق محانيه يهودا في القدس، 25 فبراير، 2016. (Renee Ghert-Zand/Times of Israel)

يأمل الشريكان في أن ينجح تداول الأحاديث عن مشروعها في الحفاظ على دعم المشروع من حيث تبرع الأشخاص بالمال لتوفير المعدات المطلوبة، ومشاركة الأفكار عن شخصيات لرسمها والتطوع في المساعدة على نشر المشروع على مواقع التواصل الإجتماعي ومن خلال العلاقات العامة. هدفهما في نهاية المطاف هو تحويل المشروع إلى مشروع غير ربحي موسع لدعم التعبير الفني والثقافي المتعلق بأرض وشعب إسرائيل.

لا يزال أمام سوزا 220 من أبواب المحال التجارية في السوق – وما زالت تنتظره ليال من الرسم. يتابع هو وهان مسار عملهما من خلال خريطة للسوق قام هما برسمها على لوحة إعلانات معلقة في غرفة المعيشة الخاصة بهما. يقومان بوضع نسخ مصغرة لكل لوحة عليها بحسب موقعها في السوق. تم توزيع اللوحات في مناطق مختلفة في السوق. ليس من الصعب ملاحظة أنه فقط في “رحوف هشزيف” (شارع الخوخ)، أحد أزقة السوق الشرقية-الغربية، حتى اليوم، هناك لوحة على كل باب.

إذا كانت الأمور تسير بشكل جيد، بإمكان سوزا رسم لوحة (كتلك التي رسمها لنجم الريغي والهيب هوب متيسياهو الذي قام برسمها ليلة السبت الماضي، كما تظهر في الفيديو أعلاه) خلال ساعة حتى ساعة نصف. في ليلة جيدة، بإمكانه رسم 4 لوحات.

’حتى لو أثرت هذه اللوحات على شخص واحد فقط، فيستحق ذلك العناء’

لا يريد الفنان إستعجال الأمور. “أبقى حتى الإنتهاء من رسم لوحة. أصغي إلى صوتي الداخلي. أريد استثمار نفسي في العمل وأن أكون راضيا عنه”، كما قال.

ويقول هان، “الجودة هي بكل تأكيد أهم من الكمية”.

على الرغم من رغبتهما في أن يكون لمعرض السوق تأثير طويل الأمد على المتفرجين، فإن سوزا وهان متصالحان مع الطبيعة الزائلة لفنون الشارع.

وقال هان، “حتى لو أثرت هذه اللوحات على شخص واحد فقط، فيستحق ذلك العناء”.

سوزا إعتاد على الرسم على أعماله.

ويقول: “أتفهم ذلك. يحدث ذلك لسبب. الحياة غير دائمة”.