رام الله – في صباح يوم بارد ومشمس في منتصف شهر ديسمبر، ترك أكثر من ألف فلسطيني أماكن عملهم واحتشدوا في ميدان صغير متاخم لمكتب رئيس وزراء السلطة الفلسطينية رامي الحمد الله في الضفة الغربية.

وبدأت المجموعة، التي ارتدى جزء كبير منها ملابس رسمية، بالهتاف ضد مؤسسة الضمان الإجتماعي الفلسطينية التي تم إنشاؤها حديثا والزيادات الضريبية المطلوبة لتمويلها، في الوقت الذي وقف فيه عناصر من قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في مكان قريب وقامت بسد الطريق المؤدي إلى مكتب الحمد الله في وسط رام الله.

وصرخ المتظاهرون بصوت واحد “الشعب يريد إسقاط مؤسسة الضمان الاجتماعي”، ودعوا إلى إقالة الحمد الله ووزير العمل في السلطة الفلسطينية، مأمون أبو شهلا.

لأكثر من 15 عاما، حاولت السلطة الفلسطينية إنشاء مؤسسة ضمان اجتماعي لتوفير معاشات تقاعدية ومجموعة متنوعة من مخصصات التأمين للفلسطينيين في القطاع الخاص.

في عام 2003، مررت السلطة التي تتخذ من رام الله مقرا لها قانونا لإنشاء مؤسسة كهذه، ولكن في أعقاب انتقادات دولية بشأن استدامتها، قامت السلطة الفلسطينية بإلغاء الخطة.

بعد ذلك، سعت السلطة الفلسطينية إلى الحصول على مساعدة منظمة العمل الدولية وحكومات أجنبية وهيئات دولية أخرى لصياغة قانون جديد. بعد سنوات من المشاورات، وقّع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على قانون جديد في أواخر عام 2016 يقضي بتأسيس مؤسسة ضمان اجتماعي فلسطيني.

على مدى الشهرين الماضيين، حاولت السلطة الفلسطينية تنفيذ القانون من خلال تسجيل الفلسطينيين من القطاع الخاص في مؤسسة الضمان الاجتماعي الفلسطيني، إلا أن جهود رام الله اصطدمت بعقبات في أعقاب احتجاجات شبه أسبوعية.

عناصر الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية في مظاهرة في رام الله، الضفة الغربية، 12 ديسمبر، 2018. (Luke Tress/Times of Israel)

على هامش الاحتجاجات في رام الله، قال نضال قوران (30 عاما)، الذي يعمل مدرسا: “الجميع هنا يريد نظام ضمان اجتماعي، لكن مع الفساد المستشري في حكومتنا لا يمكننا أن نثق بمؤسسة قامت بتأسيسها. ماذا لو قامت الحكومة في يوما ما بأخذ الأموال التي أعطيناها للمؤسسة للتعامل مع ما تقول إنها أزمة مالية؟”

وتعتبر الغالبية العظمى من الفلسطينيين مؤسسات السلطة الفلسطينية فاسدة، بحسب استطلاعات رأي أجراها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية.

ونُظمت الاحتجاجات ضد مؤسسة التضامن الاجتماعي في رام الله والخليل ونابلس وأجزاء اخرى من الضفة الغربية، شارك فيها بعض الفلسطينيين لأول مرة في حياتهم.

في المظاهرات، ارتدى معظم المتظاهرين قفازات جراحية زرقاء ولوح بعضهم بأعلام زرقاء.

وقال قوران إن “القفازات لا تتعلق بمهنة أو فكرة محددة. إنها تهدف إلى توحيدنا جميعا في نضالنا… إنها تخدم غرضا مشابها لغرض السترات الصفراء في فرنسا”.

في الاحتجاجات الأخيرة ضد غلاء المعيشة في فرنسا، ارتدى آلاف المتظاهرين سترات صفراء.

وأعرب العديد من المتظاهرين أيضا عن مخاوفهم من دفع ضرائب إضافية.

وقال نادر كوسا، وهو رجل أعمال يبلغ من العمر 42 عاما، على هامش الاحتجاجات في رام الله: “بالكاد أملك المال الكافي حتى أتمكن من أن أصرف على نفسي كل شهر. لا يمكنني أصلا تحمل كل نفقاتي. آخر ما أريده هو التخلي عن المزيد من راتبي”.

ويلزم القانون الذي وقّع عليه عباس الفلسطينيين العاملين في القطاع الخاص بتقديم دفعات شهرية لمؤسسة الضمان الاجتماعي؛ ويُلزم أصحاب الشركات بدفع 10.9% من أول 14,500 شيقل (4000 دولار) من رواتبهم للمؤسسة في حين يلزم الموظفين بدفع 7.2%.

في المقابل، يلزم القانون مؤسسة الضمان الاجتماعي الفلسطيني بدفع المعاشات التقاعدية للفلسطينيين في القطاع الخاص الذين دفعوا ما لا يقل عن 180 دفعة للمؤسسة ووصلوا سن 60 عاما، ويفرض على المؤسسة أيضا دفع تكاليف التأمين ضد الإصابة في مكان العمل واستحقاقات أمومة.

بالإضافة إلى ذلك، ينص القانون على قيام مؤسسة الضمان الاجتماعي في مرحلة لاحقة بتوفير التأمين الصحي ومستحقات بطالة ومخصصات تأمين أخرى.

ورفض مسؤولون في السلطة الفلسطينية انتقادات المحتجين.

وقال وزير العمل في السلطة الفلسطينية، أبو شهلا، الذي يشغل أيضا منصب مدير مجلس إدارة المؤسسة، لتايمز أوف إسرائيل في محادثة هاتفية أجريت معه في أوائل شهر يناير “هناك الكثير من الشائعات والمعلومات المغلوطة التي تدور حول مؤسسة الضمان الاجتماعي. تماما مثلما لا تستطيع الحكومة الوصول إلى الحساب المصرفي الشخصي لأي شخص، فهي لن تكون قادرة على دخول أي من حسابات مؤسسة الضمان الاجتماعي. الحقيقة هي أنه لا يوجد لدى الأشخاص الذين يقولون إنهم قلقون من اختفاء أموالهم ما يخشونه”.

فلسطينيون يتظاهرو ضد الزيادة في الضرائب الحكومية في رام الله، الضفة الغربية، 12 ديسمبر، 2018. (Luke Tress/Times of Israel)

كما قال أبو شهلا أيضا إن الفلسطينيين في القطاع الخاص بحاجة إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي لحمايتهم عندما يكبرون في السن أو يصبحون غير قادرين على العمل.

وقال “لا يمكن لوزارة الشؤون الإجتماعية [في السلطة الفلسطينية] أو الجمعيات الخيرية توفير الحماية التي ستمنحها مؤسسة الضمان الاجتماعي”، في إشارة منه إلى الوزارة المسؤولة عن الرفاه الاجتماعي في السلطة الفلسطينية. “علينا ضمان أن تكون لكل شخص في مجتمعنا، بما في ذلك الفقير، الأموال للعيش عندما يكبر في السن أو يصاب أو تخرج في إجازة ولادة أو في أي ظروف أخرى”.

وتطرق عباس للاحتجاجات في خطبه الأخيرة وقال إن القيادة الفلسطينية في رام الله سترحب بإدخال تعديلات على القانون الذي أنشاء مؤسسة الضمان الاجتماعي الفلسطيني.

وقال عباس في لقاء مع مسؤولين في حركة “فتح” في 9 ديسمبر: “لقد وضعنا قانونا يُسمى قانون الضمان الاجتماعي. فيه مئة خطأ. كيف يمكن إصلاح القانون؟ من خلال المناقشات والحوار وتبادل وجهات النظر والقيام بعد ذلك بتعديلات من الألف إلى الياء. لا يوجد هناك قانون مقدس تم تسليمه للبشرية. بالإمكان تغيير أي قانون”.

وقال أبو شهلا إنه قام هو ومسؤولون آخرون ومجموعات مجتمع مدني بمناقشة عدد من التعديلات التي سيتم إدخالها على القانون في المستقبل القريب. على سبيل المثال، قال إن السلطة الفلسطينية ستقوم قريبا بتغييره للسماح للأرامل اللواتي يعملن في القطاع الخاص بالحصول على المعاشات التقاعدية المخصصة لأزواجهن المتوفين.

وزير العمل في السلطة الفلسطينية، مأمون أبو شهلا. (Screenshot: Palestine TV)

غير أن جعفر صدقة، وهو صحافي فلسطيني يغطي الأخبار الاقتصادية، قال إن التعديلات على القانون قد لا تنجح في تهدئة الاحتجاجات الفلسطينية.

وقال صدقة: “يمكن للتعديلات المساعدة في تعزيز القانون، ولكنها قد لا تكون كافية للجمهور. لكثير من الأشخاص لا توجد ثقة فيه”.

وأظهر استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجري مؤخرا إن غالبية الرأي العام الفلسطيني لا تؤيد تنفيذ القانون.

ووجد استطلاع الرأي الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في ديسمبر 2018 إن 51% من الفلسطينيين يعارضون تطبيق القانون؛ 9% يؤيدون تطبيق القانون بعد تعديله؛ 13% يؤيد تطبيقه بشكل فوري؛ و27% لا رأي لهم.

وقال الحمد الله إنه سيكون على أصحاب الشركات وموظفيهم التسجيل في مؤسسة الضمان الاجتماعي حتى 15 يناير.

القانون ينطبق أيضا على الفلسطينيين العاملين في القطاع الخاص في قطاع غزة وإسرائيل.

وقال صدقة إن الشركات التي تتخذ من رام الله مقرا لها ستقوم على الأرجح بتسجيل موظفيها في غزة في مؤسسة الضمان الاجتماعي، إلا أن الفلسطينيين الآخرين في القطاع الساحلي، سيمتعنون عن التسجيل على الأرجح في المؤسسة ما دامت حركة “حماس” مسيطرة على القطاع.

وأعلنت حماس معارضتها الشديد لمؤسسة الضمان الاجتماعي وأكدت على أن إنشاءها يُعتبر انتهاكا للقوانين الدستورية الفلسطينية.

في هذه الصورة التي تم التقاطها في 19 ديسمبر، 2015، سيدات فلسطينيات يمررن من أمام منزل تم طلاؤه باللون الأخضر في مخيم الشاطئ في مدينة غزة. AP Photo/Hatem Moussa)

وقال أبو شهلا إنه تلقى وعودا شفوية من وزير الرفاه الإسرائيلي حاييم كاتس بأن تقوم الحكومة الإسرائيلية بالبدء بإرسال جزء من رواتب العمال الفلسطينيين في إسرائيل إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي.

وفقا لأبو شهلا، كانت هناك في مطلع شهر يناير مفاوضات جارية بين محامين من السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية حول كيفية تحويل الأموال لمؤسسة الضمان الاجتماعي.

ولم ترّد وزارة الرفاه الإسرائيلية على طلب بالتعليق على تصريحات أبو شهلا.

بالعودة إلى المظاهرات، حاول بعض المحتجين شق طريقهم لاجتياز عناصر قوى الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية باتجاه مكتب الحمد الله.

باستخدام مكبر للصوت، دعا أحد قادة المتظاهرين الذي وقف على شاحنة المحتجين إلى  عدم الاقتراب من عناصر الأمن.

وصرخ: “سوف ننتصر في هذه المعركة، ولكن علينا أن نكون منضبطين وسلميين”.

بعد ثوان من ذلك، تراجع المتظاهرون الذي حاولوا التدافع لاجتياز قوى الأمن الفلسطينية وبدأوا في الهتاف داعين لإسقاط مؤسسة الضمان الاجتماعي مجددا.