حتى بعد أربعة أسابيع منذ الموجة الأخيرة من العنف، سريعا بعد الطعن والإحتجاجات والجنازات والتصريحات، لربما سيكون من الصعب معرفة بالضبط حول ماذا قامت هذه الجولة من الهجمات في الواقع.

هناك الكثير من التفسيرات بطبيعة الحال، لكنها عادة تقول أكثر عن المفسر من الظاهرة التي يحاولون تفسيرها.

العديد من النقاد المتعاطفون مع محنة الفلسطينيين قالوا أن “الإحباط” الإقتصادي والسياسي هو الدافع وراء القتل – بيان المهاجمين أنفسهم، إلى جانب الأنصار الأكثر عطفا في السياسة الفلسطينية، يبدون متناقضين في كثير من الأحيان عند إصرارهم أنهم محركون بدوافع تتعلق بالتفاني لله، الإسلام أو رؤية خلاص فلسطين.

أولئك المتعاطفون مع الإسرائيليين يلقون اللوم على “التعصب” الفلسطيني ويسيرون إلى خطاب المهاجمين الخاص كدليل لذلك. مع ذلك، هذا الخطاب، مع كل رفضه، لا يفسر هذه الفورة الخاصة، بما أنها لا ترمز إلى تغيير من الماضي. حذر الفرع الشمالي للحركة الإسلامية في إسرائيل منذ عقود أن اليهود يحاولون “سرقة” الأقصى. ومجد الرئيس الفلسطيني محمود عباس “الشهداء” – ومن بينهم قتلة أطفال المدارس الإسرائيليين – لسنوات، لإذهال الإسرائيليين وعدم الإكتراث لأحد أبدا.

ليس “التعصب” ولا “الإحباط” يفسرون حقا ما تعنيه الهجمات في السياق الثقافي والسياسي الذين ولداه، والذي يتحدث عن الوعي الجماعي الفلسطيني.

الإنتفاضة المفقودة

الانتفاضة الأولى، عام 1987، كانت جهدا شعبيا حقيقيا مدعوما من قبل قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني. كان هدفها بالتالي مجهولا وحقيقيا أكثر من أي استراتيجية محددة اعتمدت في وقت لاحق، حقيقيا بما يكفي ليؤدي إلى تحولات جوهرية في كيفية رؤية الكثير من الاسرائيليين للإدعاءات الأخلاقية للفلسطينيين بشأن الدولة اليهودية. الإنتفاضة الثانية عام 2000، مع استراتيجية واضحة ومعلنة أكثر – متسببة في ما يكفي من الألم والخوف للإسرائيليين حتى يختاروا بمحض إرادتهم مغادرة الأرض – لم تولد في القاعدة الشعبية، ولكنها تمتعت بتشجيع واضح من قبل النخبة الفلسطينية على الأقل.

لم تحظى أحدث موجة من الهجمات بدعم واسع لا بين الناس ولا لدى النخبة الإجتماعية كذلك.

في الواقع، واحدة من أهم الحقائق الرائعة بشأن هجمات الطعن والإحتجاجات التي تهيمن على عناوين الصحف منذ الأسابيع القليلة الماضية هي كيفية مشاركة بعض الفلسطينيين فيها: بضع المئات، وفي لحظات من التحريكات الكبيرة – مثل “أيام الغضب” أحيانا، والتي دعا اليها القادة العرب – ربما بضعة آلاف.

هذا الغياب هو الحقيقة أن الأخبار التلفزيونية وأشرطة الفيديو المنتشرة على الإنترنت تفشل في نقل ذلك، لأنها غير مهيأة لتروي قصة لا يمكن أن تظهر في شريط فيديو. مع ذلك، لا يمكن انكار العملية الحسابية البسيطة: الشعب الفلسطيني لا يهاجم الإسرائيليين. يبقون في منازلهم. وفي الوقت نفسه، تتشدق النخبة “بالشهداء” – قد يكون تشدق السلطة الفلسطينية سريعا. فبلا شك، تقوم السلطة بالإحتفال علنا ب​​طعن الأطفال أو تشهير الدم المعادي للسامية في وسائل الإعلام الرسمية – على الرغم من عملها في نفس الوقت بإصرار على تعطيل ووقف الهجمات ضد الإسرائيليين، وفي أحيان أكثر ندورا، التكلم ضدها.

ليس ’التعصب’ ولا ’الإحباط’ يفسرون حقا ما تعنيه الهجمات

في ظل غياب الشعب والنخبة من القتال، في المحاولة الهادئة، واليائسة لوضع حد للعنف إلى جانب الحاجة العامة لتأكيد شرعيته، تبرز رسالة أعمق. هؤلاء الشباب – حيث متوسط ​​عمر المهاجمين يحوم حوالي سن العشرين – الذين يقتلون الإسرائيليين، وغالبا ما يموتون على الفور في الهجوم، فيصبحون من الشهداء في صفوف الفلسطينيين وليس لأن الفلسطينيين يعتقدون أن لموتهم معنى، ولكن لأنه من المؤلم الإعتراف علنا ​​أنهم ليسوا كذلك. في رفضهم الإعتراف بالسلطات الفلسطينية خارج الشبكات الخاصة بهم على شبكة الإنترنت، في رجوعهم إلى الدين وبعضهم البعض بدلا من أبطال “المقاومة” الفلسطينيين الذين يقرضون أسمائهم للجماعات المسلحة الأكثر رسوخا، أنهم يقدمون نداءا عاطفيا لمجتمعهم لإستعادة الرؤية ان مجتمعهم قد تم التخلى عنه إلى حد كبير.

صورة شاشة من تصوير كاميرا امن يظهر محمد زكارنة، 16، يحاول طعن عنصر امن اسرائيلي قبل رميه بالرصاص وقتله في حاجز بالقرب من جنين، 24 اكتوبر 2015 (Screen capture: Channel 2)

صورة شاشة من تصوير كاميرا امن يظهر محمد زكارنة، 16، يحاول طعن عنصر امن اسرائيلي قبل رميه بالرصاص وقتله في حاجز بالقرب من جنين، 24 اكتوبر 2015 (Screen capture: Channel 2)

إنهم يقاومون أكثر من الإحتلال الإسرائيلي (إننا نصف رواية الإرهابيين للحظة، يعتقد معظم الإسرائيليين أن الإحتلال لا يزال قائما بسبب العنف، وليس العكس). انهم يقاتلون أيضا، وإدراك الفلسطينيون المتزايد بأن حركتهم الوطنية لا تحمل إجابات، لا سرد أو رؤية سياسية توفر طريقة للمضي قدما إلى أيام أفضل. يسعى هؤلاء القتلة الشباب، في حماسة الفدائيين، إلى إحياء فكرة بين الفلسطينيين أن النصر لا يزال ممكنا، حتى لو كان السبب أن البديل – إمكانية عدم إسقاط إسرائيل، رؤية الحنين لفلسطين الحرة وغير المنقسمة لا يمكن إعادتها – ببساطة مخيفا لتقبله.

ولذلك، من المهم الإحتفال بأفعالهم بصوت عال والإعراب عن أسفهم بهدوء. خلافا لما حدث في الإنتفاضة الثانية، في الوقت الذي أمل فيه الكثير من الفلسطينيين بالتفجيرات الإنتحارية، مع كل وحشيتها، يمكنها على الأقل أن تبرر بالأمل أنها قد تسفر عن نتائج حقيقية، لكن فقط القليل من الفلسطينيين يتوقعون الآن أو حتى يتخيلون بجدية أن أي نوع من النصر قد يأتي من موجة الإنتحار الجديدة. وفاة هؤلاء القتلة الشباب, الذين يدعون ان أفعالهم الوحشية هي استصلاح لعزة النفس والكرامة الفلسطينية، لا تقوم الا بتعميق حالة اليأس والشعور بالمهانة بين الأبناء المتركوين ورائهم.

فقدان المسار

ملكت الحركة الوطنية الفلسطينية في السابق سردا ​​متماسكا. النظام السياسي الإسرائيلي، ادعت، كانت مؤسسة سياسية معتمدة على قوة السلاح ومآلها الإنهيار تحت وطأة ظلمها الخاصة، آخذة معها إلى الاستعمار والامبريالية الغربية الملايين من اليهود الذين جرتهم معها إلى هذه الأرض. شكل هذا السرد منطقا للإرهاب الفلسطيني. إرهاب كان محتفى به بوحشية، خاصة لأنه في هذا التحليل للعدو الإسرائيلي، حصد عدد كبير من التكلفة العالية لإستمرار وجود إسرائيل سارع في إحلال يوم انهيارها، بالخضوع لنقاط ضعفها المتأصلة فيها.

قاد هذا السرد السياسة الفلسطينية لأجيال. وآمن به المعتدلين والمتطرفين على حد سواء. منطلقه الأساسي، أن يهود إسرائيل لا يحملون حقوق امتلاكهم دولة دون مكان آخر يذهبون إليه، وإنما هم استعماريون أيديولوجيون مفروضون على هذه الأرض من قبل الأجانب، أصبح ركيزة لمجموعات غير السياسة الفلسطينية ايضا. انها تقع في جذور الهوية الفلسطينية، لما اصبحت تعنيه القومية الفلسطينية. فلسطين، هوية لم تملك تعبير سياسي حتى جاءت الصهيونية إلى حيز الوجود، هي بالنسبة للفلسطينيين، على الأقل جزئيا، هذا الواقع الثقافي والإجتماعي المرسوم بتجربة صدهم من قبل الامبريالية الغازية لليهود.

لا يبعد أي من ذلك عن الفلسطينيين قوميتهم أو تاريخهم على حد سواء. لا يمكن أن تعطى هذه الهويات والروايات للأمة إلا من قبل نفسها. في الواقع، يوافق المثقفين الفلسطينيين عادة على أن تحدي الصهيونية عزز الشعور القومي الفلسطيني لمقاومة الوافد الجديد.

مع ذلك، لهذه الرؤية للدولة اليهودية مشكلة صارخة: لقد فشلت بشكل مخيف بالتنبؤ بالأحداث. إسرائيل، التي من المفترض ان تكون قذيفة جوفاء، صاحبة الإيديولوجية المصطنعة، لم تنهار تحت وزنها. في الواقع، تنه العالم العربي الذي انهار حولها بينما تواصل الدولة اليهودية، بجنون، وظلما بالازدهار. الوعد بالضعف الداخلي لإسرائيل، المعروض على الفلسطينيين في كثير من الأحيان من قبل نشطاء يهود ومنظرين فلسطينيين، قد خانهم. فشل اليهود في الرحيل، وعلى الرغم من تجمع حفنة من المثقفين اليهود المتشددين في هذه القضية، انهم لن يعترفوا بأن هويتهم الوطنية ليست حقيقية.

خطر الأقصى

استطلاع شامل وعميق بشكل مذهل للرأي العام الفلسطيني يرسم بالتفصيل المؤلم القنوط الحالي لدى الفلسطينيين.

“للمرة الأولى منذ بدأنا السؤال، أغلبية [من الفلسطينيين 53%] يطالبون الآن بحل” السلطة الفلسطينية، يوضح التقرير القائم من قبل مستطلع الرأي الفلسطيني النعروف خليل الشقاقي.

السبب الرئيسي: يشعر الفلسطينيون بالعزلة ضد تهديد إسرائيل الذي يلوح في الأفق. قال 81% من الفلسطينيين الذين شملهم الإستطلاع، أنهم قلقون “من كونهم سيتضررون من قبل إسرائيل أو مصادرة أرضهم أو هدم منازلهم”، وجدت الدراسة.

قد تفاجئ هذه الأرقام معظم الإسرائيليين، الذين يستمرون في رؤية كل من عنف المتطرفين اليهود والمعارك القانونية على بناء المساكن وملكية الأراضي في الضفة الغربية كظواهر هامشية أساسا. أيا كان نطاقهم الإحصائي – كما هو الحال مع معظم الأشياء، يقدم المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين أرقام مختلفة – ان تأثير هذه التجارب على استعداد الفلسطينيين للثقة بإسرائيل حاسما.

يسعى هؤلاء القتلة الشباب، في حماسة الفدائيين، إلى إحياء فكرة بين الفلسطينيين أن النصر لا يزال ممكنا

وهكذا، نجد أن أكثر من الثلثين (68%) من الفلسطينيين، حسب إستطلاع الشقاقي، الذين يحمون أنفسهم من الهجمات اليهودية المتطرفة، ليسوا من مسؤولية القوات الإسرائيلية، ولكن مسؤولية السلطة الفلسطينية التي تمثلهم ظاهريا. نسبة مماثلة تقريبا، 67% قالوا أن السلطة الفلسطينية لا تفعل كل ما بوسعها للوفاء بهذه المسؤولية – لأنها فشلت في حمايتهم، لكن أنها لم تحاول كما يجب.

قال ما يقارب نصف سكان الضفة الغربية (48%) أنهم قد يتطوعون لوحدات الحرس المدني الغير مسلح في مدنهم وقراهم لصد العنف الإسرائيلي، إذا عرضت الفرصة عليهم.

لا ينتهي هذا الحس بفشل مؤسساتها الوطنية عند أمنها. يشعر الفلسطينيون بالقهر من قبل قادتهم ومنظريهم.

في غزة الخاضعة لحكم حماس، حيث بالكاد يتظاهر النظام بتقديم الحقوق الفردية أو المدنية، فقط %19 يقولون ان وسائل إعلامها حرة ويقول 29% فقط انهم يستطيعون انتقاد الحكومة دون خوف (أقل من 34% الذين يقولون أنهم يدعمون حماس) . يعتقد عموما أن التجربة الفلسطينية في غزة مختلفة بطريقة أو بأخرى اختلافا جوهريا عن تلك في الضفة الغربية. عندما طلب منهم وصف قادتهم، مع ذلك، كانت الأرقام الكئيبة نفسها تقريبا في المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية. فقط %23 في الضفة الغربية قالوا أن صحافتهم حرة، و29% – مساويا لأولئك الذين تحت حكم حماس – قالوا أنهم يستطيعون انتقاد حكومتهم.

من المستحيل أن نفهم المزاعم الفلسطينية بأن إسرائيل تسعى لسلبهم الأقصى، مزاعم تكمن وراء أحداث العنف الأخيرة، من دون أولا استيعاب الحس السائد بالضعف والخذلان.

زوار يهود متشددين للحرم القدسي، 25 اغسطس 2015 (Elhanan Miller/Times of Israel)

زوار يهود متشددين للحرم القدسي، 25 اغسطس 2015 (Elhanan Miller/Times of Israel)

وفقا للإستطلاع، تعتقد الغالبية العظمى من الفلسطينيين أن إسرائيل تسعى لتغيير الوضع في الحرم المقدسي الشريف لصالحها. بالضبط النصف، 50% من الفلسطينيين يقولون أنهم يعتقدون ان إسرائيل تخطط لتدمير المسجد الأقصى وقبة الصخرة وبناء الهيكل اليهودي مكانه. يقول 21% آخرون أن إسرائيل تعتزم تقسيم الحرم القدسي الشريف لبناء كنيس يهودي إلى جانب المواقع الإسلامية. قال 10% آخرون – مما يبلغ مجموعهم الآن 81%- أن إسرائيل تريد تغيير الوضع القائم منذ خمسة عقود والذي لا يسمح سوى للمسلمين للصلاة هناك. فقط 12% قالوا أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء الوضع الراهن على نفسه.

بالطبع، على هذا القبول الواسع لمزاعم الغدر الإسرائيلي الا يفاجئ مطلعي الإنتخابات الماضية، أو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشكل عام. ولكن تابع الشقاقي هذا السؤال مع آخر، وكانت إجابات المستطلعين على هذا السؤال القادم مدهشة.

  • سائلا: هل ستنجح إسرائيل في خططها السيئة.
  • وأجاب نصف الفلسطينيين (50%) المستطلعين بنعم.

جذر ما يدعوه الإسرائيليين أحيانا “بالكذبة الكبرى” للفلسطينيين -أن اليهود يخططون لأخذ الأقصى بعيدا عنهم – ليست أمرا صعبا جدا ليفهمه الإسرائيليين في النهاية. الضعف، يعلم الإسرائيليون جيدا، يمكن أن يغير بشكل كبير وجهة نظرك للعدو.

من غير المهم تقريبا ما إذا كان أراد اي زعيم إسرائيلي فعلا تغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف في أي لحظة من الزمن. الحقيقة البسيطة أنه بإمكانهم القيام بذلك إذا ارادوا فقط – كما يعتقد عدد كبير من الفلسطينيين علنا ​​- يجلب تخفيفا حادا بشكل مؤلم لعجز وفشل التطلعات الفلسطينية. القلب النابض للهوية والجغرافيا الفلسطينية، الأساس الذي يبني مطلبهم إلى مقعد شرف في الإسلام، في قبضة العدو الحديدية.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يترأس الجلسة الأسبوعية لحكومته في القدس، 25 أكتوبر، 2015. (Alex Kolomoisky/POOL)

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يترأس الجلسة الأسبوعية لحكومته في القدس، 25 أكتوبر، 2015. (Alex Kolomoisky/POOL)

يصر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو دائما أن إسرائيل لا تملك سوى نوايا حسنة للحرم الشريف، قائلا أن حكومته ستضمن حقوق الشعب الفلسطيني والدخول إلى الأقصى تماما كما فعلت الحكومات السابقة لمدة خمسة عقود.

لا يؤمن الفلسطينيون بهذه الضمانات لعدة أسباب: مثلما لا يرى الإسرائيليين الفرق الدقيق بين الفلسطينيين، متغاضين عن اليأس الفلسطيني العام وسط إرهاب الطعن العنيف، لذلك لا يزعج الفلسطينيين انفسهم بالتمييز بين نشاط يهودا غليك أو اوري ارييل والإلتزامات القائمة منذ فترة طويلة للحكومات الإسرائيلية والشعب للوضع الراهن السلمي في الموقع.

جهل الفلسطينيين للإسرائيليين، على الرغم من التقارب الحميم الذي نعيشه جميعا، يعني أيضا أنهم يعكسون على إسرائيل قدرا من السياسة الخاصة بهم. ليس هناك شك تقريبا لدى معظم الفلسطينيين أنه إذا تم عكس التباين في القوة في الحرم القدسي الشريف، كما كان الحال قبل 1967، سيحرم المسلمون اليهود منه كما يعتقدون أن إسرائيل تفعل معهم. من الصعب أن نثق حقا أن اليهود لا ينوون فعل الشيء نفسه.

أخيرا، وربما الأهم من ذلك، لا يبدو نتنياهو مدركا أن تطميناته غير نافعة بذاتها، حيث أنها تسلط الضوء على الحقيقة أن مصير الأقصى يعتمد في الحقيقة في نهاية الأمر عليه وعلى حكومته.

المواقف الأخيرة

انبثقت على الأقل رؤيتان فلسطينية خاصة لمساعدة الحركة الوطنية الفلسطينية لإستعادة مكانتها.

الأولى، صيغت ربما بأفضل شكل على يد الصحفي الفلسطيني المعروف محمد دراغمة، الذي يشغل أيضا منصب كاتب الاسوسييتد برس في رام الله. في مدونة ممتازة الأسبوع الماضي، والتي تم تجاهلها إلى حد كبير ولكن ليس تماما من قبل الإسرائيليين، تحدث دراغمة مباشرة إلى المهاجمين الفلسطينيين الشباب – والى قادتهم المفقودين.

“عندما انتهت الإنتفاضة الثانية، وقفنا جميعا وقفه رجل واحد لنقول: أخطأنا هنا، واخطأنا هناك”، كتب على موقع الحدث الإخباري الفلسطيني. مع ذلك، كان هذا النقد الذاتي المتأخر جبان في نهاية المطاف، رمز، اذ لم يمتلك المفكرين والقادة الفلسطينيين الشجاعة للتحدث علنا ​​حين اندلعت الإنتفاضة.

’أولادنا يحملون سكاكين المطبخ منفعلين… علينا ان نقف في وجوههم ونقول لكهم: أنتم تبددون حياتكم وحياتنا- فلسطين بحاجة اليكم أحياء’، كتب دراغمة

اليوم أيضا، “يخاف السياسيون على شعبيتهم، أما المثقفون الذين يحرسون روح الأمة، فعليهم ألا يخافوا، عليهم أن يصرخوا بأعلى صوتهم قائلين: إلى أين نحن ذاهبون؟”

وفقا لدراغمة، القوة الوحيدة التي يمكن للفلسطينيين ممارستها ضد القوة الساحقة للمحتل الإسرائيلي تكمن في الحقيقة أن “فلسطين قضية دولية، ولن تحسم هذه القضية بجولة سكاكين أو عمليات استشهادية أو إحتجاجات ومظاهرات، ستنتهي فقط عندما يدرك هذا العالم ان عليه ان يتدخل ويرسم الحدود والخطوط كما فعل في البوسنة والهرسك وكوسوفو والكوريتين وغيرها… سيقول قائل: “إلى متى؟؟ وانا اقول سيأتي يوم… لكن علينا ان نحافظ على حياة ابنائنا، وان نواصل الكفاح الوطني الذي يحيد القوة المفرطة للمحتل ويعزز بقائنا ويراكم انجازاتنا الدولية.. سيقول قائل: وهل انهي النضال السلمي السابق الاحتلال، وأنا سأقول: وهل فعل النضال العسكري والمسلح ذلك؟ قضيتنا ليست قضية محلية، انها دولية، قضية اوجدها العالم، والعالم هو فقط من سيجد لها مخرجا، لكنه لن يفعل ان صمتنا، ولن يفعل ان انتحرنا، سيفعل فقط اذا حافظنا على مسار انساني لنضالنا الوطني… أولادنا يحملون سكاكين المطبخ منفعلين… علينا ان نقف في وجوههم ونقول لكهم: أنتم تبددون حياتكم وحياتنا- فلسطين بحاجة اليكم أحياء”.

من السهل أن يعجب المرء بمثل هذه المشاعر في سياق الخطاب الفلسطيني (قد يحرك ذلك مشاعر الإسرائيليين بشكل أقل، فلن يجدوا هنا أي هواجس أخلاقية إزاء عمليات طعن الإسرائيليين). نشر دراغمة تحذيره في وسيلة إعلامية شعبية نسبيا، حيث تضم صفحتها على الفيسبوك أكثر من 230,000 “اعجاب”. في الواقع، تعكس وجهات نظره استراتيجية أساسية لدى السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس في السنوات الأخيرة: تدويل الصراع، وحشد جمهورا متعاطفا في الأساس للمعادلة من أجل إجبار الإسرائيليين على التراجع.

مع ذلك، تعاني هذه الإستراتيجيات الفلسطينية الأكثر إعتدالا من نفس ضعف تلك الأكثر عنفا: انها لا تعالج الحقائق الإستراتيجية الصعبة.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بعد لقائهما في القصر الرئاسي في رام الله، 21 اكتوبر 2015 (AFP/Abbas Momani)

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بعد لقائهما في القصر الرئاسي في رام الله، 21 اكتوبر 2015 (AFP/Abbas Momani)

فشل دراغمة بالذكر أن الصراعات في البوسنة وكوسوفو انتهت مع قصف جوي مكثف. هل من المعقول حقا أن نتوقع أن ينادي “العالم” – قوات ناتو التي تقودها الولايات المتحدة، على وجه الدقة – لقصف إسرائيل من الضفة الغربية؟ أو بشكل أقل كرتونيا، أيمكن للجمهور الإسرائيلي الذي يقول بإستمرار لمستطلعي الرأي أنه يعتقد أن الإنسحاب من الضفة الغربية سيؤدي الى سفك دماء أكثر مما حدث في حروب غزة في السنوات الأخيرة، مع الصواريخ التي ستستهدف التجمعات السكانية الإسرائيلية والإجتياحات الإسرائيلية اللاحقة المسببة عذاب أسوأ بكثير للفلسطينيين من الإحتلال الحالي – أيمكن الرضوخ لجمهور ناخبين الذي يرى مثل هذه المخاطر في الإنسحاب المذهل بالمقاطعة الإقتصادية، وقرارات مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أو تجاهلات المنظمات غير الحكومية للقيام بذلك؟

إذا، هناك رؤية فلسطينية ثانية، التي تصل إلى حد الإنكار أن الإستراتيجيات السابقة قد فشلت. في قطاع غزة، أمضت حماس في الأسابيع الأربعة الماضية هاتفة بصوت عال للعنف في الضفة الغربية.

مع ذلك وبشكل ساخر، هذا النصر، وليس النقد الذاتي من قبل دراغمة، يجلب الإنهيار الإستراتيجي الفلسطيني الى أشد حالاته. أشادت حماس وتغنت بمجد هجمات الطعن – في حين قامعة بإحكام الهجمات الصاروخية متعاطفة من قطاع غزة خوفا من انتقام إسرائيلي ضد قطاع غزة الذي قد يزيد من الثمن الذي يعتقد سكان غزة أنهم يدفعوه مقابل استراتيجية حماس لصراع دائم. (وليس من قبيل الصدفة أن دعم حماس في غزة – كان %34 في سبتمبر – منخفضا بخمسة نسب مئوية من استطلاع الشقاقي الأخير في يونيو).

محمود الزهار في مؤتمر صحفي عام 2008 (Wissam Nassar/Flash90)

محمود الزهار في مؤتمر صحفي عام 2008 (Wissam Nassar/Flash90)

والأسوأ من ذلك، لا يبدو أن القادة الفلسطينيين يفهمون أن دعم حماس للعنف القاتل يقوض الأممية السلمية لعباس، حاشدا إصرار الإسرائيليين على مقاومة الإنسحاب لأنهم لا يعتقدون أن عباس سيقدر على الوقوف حقا ضد حماس في حال انسحبت إسرائيل.

ربما السخرية صورت بأفضل شكل في تصريحات يوم الإثنين الماضي من قبل عزات الرشق، عضو في المكتب السياسي لحماس مقره قطر، الذي أعلن أن “أبطال فلسطين” تمكنت من “حصار” المحتل مستخدمين السكاكين والمسدسات فقط. فقد وجدت المجموعة حلا للحصار الإسرائيلي الفعلي على القطاع الذي تسيطر عليه حماس في غزة، من قبل حشو خطابي لهذه إنجازات (معظمهم ليسوا من حماس) من قبل القتلة لرد مقارنا به – وبالتالي يختفي التظاهر، مسببا الردع.

بالمثل، قال أحد قادة حماس في غزة، محمود الزهار، في الأسبوع الماضي أن صور جنود الجيش الإسرائيلي الفارين من مطلقي النار الفلسطينيين الذين أطلقوا النار عليهم في محطة الحافلات المركزية في مدينة بئر السبع، تثبت أن الجنود الإسرائيليين غير صالحين حتى لتوجيه حركة المرور. لم يبدو منتبها أن مقل هذه المزاعم لضعف الجيش الاسرائيلي قد تثير التساؤلات حول عدم قدرة حماس على خرق فعال للدفاع الإسرائيلي في الحروب الأربعة التي خاضتها مع إسرائيل منذ انسحبت إسرائيل من قطاع غزة.

عندما تقرر حماس القيام بإشعال فعال لهجوم فلسطيني كبير على إسرائيل في حين تعلن أن نفس الإعتداءات تشكل قوة مضاعفة والتي توازن بطريقة أو بأخرى قوة الجانبين، عندما تعلن أن الجنود الإسرائيليين ضعيفون بينما تراقب حدود غزة لمنع الفلسطينيين من الإشتباك مع هؤلاء الجنود ومنع ردة فعل إسرائيلية، يمكن للمرء أن يستخلص أن حماس ليست واثقة تماما من كيفية تحريك القضية الفلسطينية إلى الأمام وإخراجها من هذا الحضيض.

الانتصار الاسرائيلي محدود للغاية. انه غير متجذر في أية سياسة إسرائيلية حكيمة، وإنما في عمليات اللاوعي للهوية الإسرائيلية

هناك، بطبيعة الحال، صوت آخر: صوت المهاجمين أنفسهم. هنا، أيضا، سرعان ما يصبح المأزق الإستراتيجي واضح. “صحوتهم المزعومة للقدس”، نداء لحرمة المسجد الأقصى وموعظة في فراغ مثير للحنق من عجز متوجب على القدس تمثيله، ليست صحوة على الإطلاق. في رفضهم للسلطات الفلسطينية القائمة، هذه “الروايات الرقمية”، هنا في الانترنت الفوضوي والمشكل جزئيا بميولا نرجسية، في بحث عن منبع ثقافي وسياسي جديد من مقاومة لا يشوبها فشل فتح و حماس.

قال مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن هجمات الطعن تعود إلى “ذئاب منفردة” إلى حد كبير، أفراد يفتقرون إلى هذا النوع من البنية التحتية التنظيمية التي من شأنها أن تجعلهم هدفا سهلا للمخابرات الإسرائيلية. الطبيعة المنتشرة لهذا النوع من النشاط الشعبي على الإنترنت قد يجعل اعتراضها أكثر صعوبة (على الأقل حتى تخترق أجهزة الأمن الإسرائيلية بما يكفي من وسائل الإعلام الاجتماعي الفلسطيني). لكنها كذلك، تتركهم غير قادرين على تصعيد الهجوم إلى المستوى الذي قد يؤدي الى ذعر حقيقي بين الإسرائيليين – هذا النوع من الهلع التي يتطلبها الإرهاب كإستراتيجية أساسية. يكون النشاط على الإنترنت مهم فقط في حالة الهم كتلة كبيرة من النشطاء في العالم الحقيقي. على قائمة المفارقات المؤلمة الطويلة للفلسطينيين، ثم، هناك نقطة اخرى: اهم ما يعطي هؤلاء الشباب، المهاجمين الجدد العازمين افضلياتهم التكتيكية, يضمن هزيمتهم الاستراتيجية. الإسرائيليين الذين نحوا التفجيرات الإنتحارية في الإنتفاضة الثانية من خلال الوسيلة البسيطة لإستمرار حياتهم اليومية، لن يتم تخويفهم من قبل هجمات الطعن في الشارع.

لا تضيع هذه الحقيقة البسيطة على المهاجمين. ذلك أحد الأسباب لماذا لا يناقشون أهداف استراتيجية بأي شكل جدي. ألعاب الفيديو والرسوم المتحركة والموسيقى والفيديو التي يتشاركوها تخلو أساسا من السرد. القطع الأثرية تلك “للمقاومة الشعبية” الفلسطينية الحالية لا تتركز معظمها على مسار واضح للخلاص الوطني، ولكن على وعد من الرضا الذاتي. الرسالة بسيطة: اطعن اليهود شاهدهم يصرخون، اثبت لنفسك في تلك اللحظة انهم زائلين، متأذين. للحظة الوجيزة تلك – وبالتالي تدعي حملة الإنترنت ضمنا – استعادة الكرامة الفلسطينية.

مع ذلك، الهجمات على أرض الواقع المندفعة من هذا الوعد، لحظات اشتباك محمومي الرأس مع الإسرائيليين، الوفاة السريعة للمهاجمين مرة بعد مرة، حتى عندما يواجهون مدنيين إسرائيليين غير مسلحين، لا تساهم إلا في انهيار الحلول الفلسطينية والإحترام الذاتي – والحقد الإسرائيلي.

فشل ضروري؟

لا يشكل أي من هذا حجة أخلاقية. سواء كانت مطالب الفلسطينيين الأساسية محقة أو لا، أو كان تشكك الإسرائيليين في الإنسحاب أخلاقيا أو غير أخلاقي – في الواقع، إذا كان أي من هذا جيدا أو سيئا لاسرائيل المنتصرة ظاهريا – هي قضايا منفصلة من الحقيقة البسيطة لإدراك الفلسطينيين المتزايد أنهم لم يعودوا قادرين على القيام بخيارات ذات مغزى، عنيفة أو غير ذلك، لإستعادة السيطرة على مصيرهم.

مع ذلك، في تقبلهم للفشل، كما هو الحال دائما، هناك تلميحا لمسار ممكن أن يقود لإتجاه مختلف.

لقد دفعت الحركة الوطنية الفلسطينية ثمنا كبيرا لقراءتها الخاطئة لليهود – لفشلها في الفهم أن اليهود الإسرائيليين إلى حد كبير, هم أحفاد للاجئين لم يكن لديهم مكان آخر يذهبون إليه في وحشية القرن العشرين، وبالتالي لا يمكن أن يتم ابعادهم بالإرهاب كالمستعمرين الأوروبيين، بعيدا عن أوطانهم البعيدة. مرونة اليهود تجاه العنف العربي لا يكمن في الحقائق التاريخية، ولكن في تلك النفسية. يؤمن اليهود أنهم شعبا يدافع عن نفسه، وهذا يكفي لتطعيمهم ضد الإرهاب. الإرهاب، في النهاية، هو محاولة للتوصل الى نتيجة من سلوك معين. ذلك يعتمد بشكل كبير على الضحايا المدركين بديلا ناجعا لسلوكهم الحالي.

مع هذا، من خلال هذا التحليل، إن الإنتصار الإسرائيلي محدود للغاية، إنه غير متجذر في أية سياسة إسرائيلية حكيمة، وإنما في عمليات اللاوعي للهوية الإسرائيلية. وبالمثل، لا يمكن لهذا الانتصار أن “يحل” التحدي الأساسي. لم يقترح أحد بعد وسيلة معقولة قد تدفع شخصا من هذه الأرض. وبالتالي يبقى الإسرائيليون والفلسطينيون عالقون، سواء في فشل أو في نجاح، في تعايش أو في وحشية شرسة، مع الواقع الصعب لوجود بعضنا البعض كأمتان زعمت الملكية لنفسها.

ليس من الصعب أن نفهم لماذا ناضل الفلسطينيون للتصالح مع الوجود اليهودي في معناه. الحواجز من عدم الإعتراف هائلة. إذا لم يتم اجبار اليهود على الرحيل، إذا لم تقدر الاستراتيجية الأساسية للتخويف على اجبارهم على الفرار, الاستراتيجية المتجذرة في فهم ما يمكن أن يترتب على ذلك – هذا، حول كيفية يمكن ظهور بدائل لهذا الوطن في نفسية اليهود الجماعية – اذا ما هي قيمة التضحيات الفلسطينية التي قدمت على مذبح هذه الاستراتيجية غير الشرعية؟

في الواقع، إذا كان لا يمكن تفكيك اليهود “مستعمري” إسرائيل، فهل يعني هذا أنهم ليسوا كالمشاريع الاستعمارية الأخرى التي من الممكن أن تنهار؟ ان لم يكونوا مستعمرين الذين يمكن اعادتهم الى ألمانيا أو روسيا أو العراق أو المغرب من حيث جاءوا، فماذا يكونون؟ ما الذي يجب فعله مع حقيقة ادعاءات العدو العنيد لأمة، والتي تتصاطدم بصورة مباشرة مع المطالب الفلسطينية؟

تملك الدول حقوقا، وهي لا تفقد هذه الحقوق عندما تخطئ. لهذا السبب يخشى القادة الفلسطينيين حتى من الإذعان لمطلب إسرائيل بالاعتراف بالقومية اليهودية. من بين حججهم ضد المطلب، حجة مهمة جداً: إنها ترقى إلى الاعتراف بالحقوق القومية اليهودية، بامتياز أكثر اتساعا وعمقا من اعتراف المعتدلين الفلسطينيين بالسلطة اليهودية.

لم يؤد الفشل حتى الآن الى أي اعتبار جاد أن الفرضية في قلب الاستراتيجية الفلسطينية قد تكون خاطئة. لم يكن اي فلسطيني مهم، من الذين يشكلون الرأي أو اولئك الذين يسيطرون على الميليشيات، على استعداد ليكون أول من يعترف بالهزيمة.

ولذلك، حتى عندما يسأم الرأي العام الفلسطيني من عدم جدوى الكفاح الحالي، تبقى السياسة الفلسطينية محاصرة في عدم اليقين الذي طال أمده، عدم يقين يمثل شريان الحياة بالنسبة لحركة حماس وحيويتها: ​​ماذا لو استسلمنا أبكر من اللازم؟ ما لو قام المزيد من الألم، والمزيد من التضحية، بإسترداد واستعادة كل ما ضاع؟

قليلون هم الذين لا يزالوا يؤمنون حقا في فلسطين، ولكن لا أحد مستعد للبحث عن طريق آخر.