نيويورك – بصفتي مشارك دائم في العروض المسرحية الأولى وما شابه، أتبع سياسة صارمة للغاية: عدم البقاء لحضور جلسات الأسئلة والأجوبة غير المنظمة. دائما سيكون هناك الشخص الذي سيتفوه بشيء محرج.

العرض المسبق لفيلم “مفرق 48” في سينما متروغراف الراقية في مانهاتن لم يكن مختلفا، لكنه كان منيرا. حتى في نيويورك، التي يفترض أنها أكثر المدن تطورا وثقافة في الولايات المتحدة، هناك أشخاص أميين تماما عندما يتعلق الأمر بقصة مختلفة بعض الشيء عن الصراعات السياسية في الشرق الأوسط.

ولا يمكن لوم الفيلم في ذلك. “مفرق 48” للمخرج أودي ألوني هو دراما قوية تستند على الشخصية ونالت نصيبها من الجوائز، من بينها أفضل فيلم عالمي في مهرجان تريبيكا السينمائي وجائزة الجمهور في فئة “بانوراما” لأفضل فيلم روائي طويل في مهرجان برلين السينمائي في عام 2016.

الفيلم ليس بتحفة فنية ستتحدث عنها الأجيال، لكن في العرض الأول له في نيويوك يوم الجمعة، أثبت “مفرق 48” أنه فيلم يستحق المشاهدة – لا سيما إن كنت من بين المعجبين بوسيقى الهيب هوب العربي، والتي تبين بعد مشاهدتي لهذا الفيلم أنني من بين هؤلاء. الفيلم يوضح تماما أن مدينة اللد تقع داخل حدود إسرائيل التي لا جدل عليها (أو على الأقل لا جدل عليها بين الأطراف العاقلة) وليست ضمن “الأراضي المحتلة”.

مع ذلك، كما أظهرت أسئلتهم، لم يتمكن بعض الحاضرين في صفوف الجمهور من إلتقاط الإشارات، أو حتى أسوأ من ذلك، لم يكونوا على علم بالفرق بين المناطق العربية داخل إسرائيل والمدن الفلسطينية في الضفة الغربية. أحد الحاضرين لم يميز العلم الفلسطيني عن العلم الإسرائيلي.

لو كان ذلك أي موضوع آخر، لما كان الأمر بهذه الأهمية. ولكن بصفتي أمريكي-يهودي بذل جهدا في تثقيف نفسه والبقاء على إطلاع بما يجري في الشرق الاوسط، كان من المحبط تماما بالنسبة لي أن أعرف أن هناك هذا الكم من الجهل من حولي عندما أغادر حدود شقتي وتنبيهات الأخبار التي تصلني من تايمز اوف إسرائيل.

في إنتظارنا نحن المؤلفين والنقاد والأشخاص الذين يهتمون بالحقائق الكثير من العمل لضمان عدم تبخر التاريخ بعد رحيل جيل الأشخاص الذي مروا شخصيا بهذه الأحداث.

ولكن دعونا نعود إلى الحديث عن الفيلم.

للمخرج أودي ألوني (نجل السياسية اليسارية الإسرائيلية شلوميت ألوني) وكاتب السيناريو أورن موفرمان (بالعمل مع نجم الفيلم تامر نفار) قصة يرغبون بروايتها، وهي قصة جيدة: عن عرب يعيشون في اللد فقراء ويتعرضون لمضايقات مستمرة من الشرطة. هم عرضة للمضار النفسية الناتجة عن شح الفرص الإقتصادية والكثير من التعصب. هذا الفيلم يتحدث عن المستضعفين وصُنع من أجلهم؛ ليس مطلوبا من صناع الفيلم بالطبع جعل شخصياتهم تمثل بطريقة غير طبيعية.

الفيلم أيضا مشتت بعض الشيء. فيه الشخصية الرئيسية، وهي شخصية شاب يطمح بأن يكون نجم هيب هوب، ولكن أيضا مجموعة من الشخصيات الغارقة في سيناريوهات مبتذلة، مثل تاجر مخدرات بسيط متورط مع رئيسه الخسيس، وامراة شابة لا تسمح لها عائلتها المحافظة بالسعي لتحقيق أحلامها الفنية، ومن العدم، رجل عجوز ملائكي تعتزم الحكومة هدم منزله لإقامة متحف للتعايش مكانه.

تصوير اليهود في الفيلم قاتم للغاية: فالشخصيات اليهودية تتراوح ما بين الإستغلالية والعنصرية الكاملة، ولكن مرة أخرى، هذه على الأرجح هي الصورة التي يرونهم بها هؤلاء الأشخاص. عندما تكون للمشاهد جذور في الواقع، مثل المشهد الذي يبرز فيه تامر ورفاقه في حفلة مغني راب يهودي، تمنح غرابة الموقف الفيلم القدرة على التعاطف مع الآخر، ولكن عندما يحاول الفيلم بذل جهود للخروج بميلودراما بالإكراه، لا يبدو ذلك طبيعيا ولا ملهما.

لكن الموسيقى في الفيلم رائعة، وخاصة أغنية “أنا مش بوليتي” (أنا مشي سياسي). شخصية كريم التي يؤديها تامر نفار تقدم نفسها على أنها شخصية “العربي الراضي”، الذي يتجنب إثارة ضجة، لكن عندها يواجه قائمة الإهانات التي يتعرض لها هو ومجتمعه. (الأمور لا تسير على ما يرام في النادي اليهودي، خاصة مع مغنيا الراب العنيفين، المدعوان بشكل يهدف للتجريح RPG و67 قيراط)

خلال ندوة الأسئلة والأجوبة في نيويورك، فسر المخرج ألوني كيف أن هذه الأغاني جاءت فقط بعد أن عاش نفار السيناريو و”وجد كريم”. مشاهد رئيسية من الحياة في اللد “مأخوذة من الكثير من القصص الواقعية”، كالمشهد الذي يهرب فيه تاجر المخدرات من الشرطة، لكنه يتسبب بجرح في يده، فيقوم آخرون من سكان الحي بجرح أيديهم لضمان أن لا تتكمن الشرطة من الإمساك به.

وقال نفار مازحا “الجميع يقولون إنهم كانوا هناك في ذلك اليوم. الجميع إلا أنا!”.