حومش، الضفة الغربية – يشير دافيد، الذي يقف على أعلى نقطة في مستوطنة حومش التي تم إخلاؤها، شمالا تجاه وادي دوتان. “هناك تم بيع يوسف من قبل أشقائه للعبودية”، كما قال، مشيرا إلى القصة من التوراة.

هل كان هذا هو شعوره إزاء قرار الحكومة بإخلاء المستوطنة في عام 2005؟ هز الشاب ابن الـ -26 عاما رأسه إيجابا.

دافيد هو واحد من بين 26 طالب معهد ديني الذين يقومون يوميا بالذهاب من مساكن الطلبة المتنقلة في مستوطنة شافي شومرون القريبة للدراسة على قمة التلة التي كانت يوما موقعا لمستوطنة حومش. تم تأسيس المعهد الديني على يد الحاخام إيليشاما كوهين والمدير بيني غال في سبتمبر 2006 – بعد عام من إخلاء حومش إلى جانب ثلاث مستوطنات أخرى في الضفة الغربية في إطار خطة فك الإرتباط عن قطاع غزة.

قانون تنفيذ خطة فك الإرتباط، الذي تم تمريره في الكنيست في فبراير 2005، يحظر تواجد المواطنين الإسرائيليين في المستوطنات الأربع التي تم إخلاؤها، والتي كانت مرة جزءا من المجلس التعاوني السامرة.

بعض المستوطنين يشيرون إلى قرار أصدرته محكمة الأحداث في كفار سابا في عام 2007 والتي حددت أن تواجد كهذا مسموح لأن قانون فلك الإرتباط يكون ذا صلة فقط عندما تكون عمليات الإخلاء جارية.

مع ذلك، يقول غلعاد غروسمان، المتحدث بإسم حركة “يش دين” الحقوقية الإسرائيلية، إن قرار محكمة الأحداث ليس لديه وضع قانوني ملزم، على عكس قرار المحكمة المركزية في اللد في شهر فبراير، الذي أيد هذا الجانب من قانون فك الإرتباط.

ومع ذلك، واصل طلاب “يشيفات حومش” الصعود إلى الجبل، وكثيرا ما يقضون الليل هناك أو يحتفلون بأيام السبت على أنقاض المستوطنة.

وهم ليسوا الإسرائيليين الوحيدين الذين يقومون بذلك. مجموعات كبيرة من المستوطنين حاولت الإحتفال في أعياد عديدة في حومش منذ إخلائها قبل 12 عاما. في حين أنهم سافروا عادة في قوافل مرتجلة من دون إزعاج من قبل الفلسطينيين أو السلطات الإسرائيلية، كانت هناك بعض الإستثناءات. في سبتمبر 2007، أمر الجيش عشرات المستوطنين بمغادرة الجبال في خضم الإحتفالات ب”روش هشناه” (رأس السنة اليهودية) بسبب ما وصفه الجيش بتهديد أمني وشيك.

وقال المتحدث بإسم المعهد الديني أشر فودكا: “لا نعتزم التوقف. إن قانونا ضد التوراه هو ليس قانونا يمكننا الإلتزام به”.

وقال دافيد: “هذه مسؤوليتنا كيهود. إعادة جميع أجزاء يهودا والسامرة. حتى عندما يحاول شعبنا وقفنا”.

ولكن مع رائحة الدخان التي لا تزال منتشرة في الهواء بعد هجوم الحرق المتعمد الأخير، يتم اختبار إلتزام الطلاب.

قال فودكا إن مجموعة من الشبان الفلسطينيين الذي احتجوا تضامنا مع إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام في السجون الإسرائيلية وصلوا إلى جبل حومش وأشعلوا النار في مساحات واسعة من الأرض. التظاهرات كانت جزءا من يوم أكبر شهد مواجهات تزامنت مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إسرائيل في 22 مايو.

قاعة الدراسة المرتجلة التابعة للمعهد الديني تضررت نتيجة الحريق. وكان الطلاب قد أنشأوا المبنى قبل بضع سنوات مستخدمين صخورا كبيرة وألواحا خشبية كجدران وألواح معدنية للسقف. المبنى، الذي كان قويا بما فيه الكفاية للصمود أمام الرياح وعواصف الشتاء الممطرة، كان التعرف عليه مستحيلا عندما عاد الطلاب إلى حومش في اليوم التالي.

على الرغم من عدم تواجدهم في المكان خلال الهجوم، كما قال فودكا، فإن الطلاب على بينة بما حدث في الوقت الحقيقي. صعدوا الجبل في ذلك الصباح كما في كل صباح لقضاء نصف يوم من الدراسة قبل أن تتوقف مركبة عسكرية إلى جانب قاعة الدراسة الخاصة بهم. طلب منهم الجنود العودة إلى شافي شومرون لأنهم لن يكونوا قادرين على حمايتهم من الحشد الغاضب الذي يقترب من المكان.

الجيش والمسؤولون الإسرائيليون لم يردوا على المزاعم التي اتهمت الفلسطينيين بالحرق.

المتحدث بإسم المعهد الديني، الذي وصف علاقة الطلاب بالجيش ب”المتوترة لكن علاقة محترمة غالبا”، قال إن المجموعة امتثلت لطلب الجيش الإسرائيلي وتركت الجبل، وقضت ما تبقى من اليوم في الدراسة في مبنى دائم أكثر في شافي شومرون. لكن خلال قيامهم بالدراسة كان بالإمكان رؤية الدخان المتصاعد من الشمال.

أنقاض "يشيفات حومش" التي تم حرقها في شمال الضفة الغربية، 23 مايو، 2017. (Courtesy: Yeshivat Homesh)

أنقاض “يشيفات حومش” التي تم حرقها في شمال الضفة الغربية، 23 مايو، 2017. (Courtesy: Yeshivat Homesh)

قام الطلاب بأخذ لفافة التوراة معهم عند امتثالهم لأوامر الجيش، لكن كتب الصلاة التي تركوها من ورائهم عُثر عليها محروقة ومبعثرة على الأرض عندما عادت مجموعة صغيرة إلى الموقع لتفقده في وقت لاحق من المساء.

في اليوم التالي، كانت الأجواء أجواء تحدي بلا هوادة. بينما كان المستوطنون الشبان يقومون بإزالة الأنقاض، بدأت مجموعة مكونة من أربعة بالرقص في حلقة وهم يغنون “ما حدث حدث. الشيء الأهم هو البدء من جديد!”.

في محاولة لتفسير الأجواء السعيدة، قال فودكا إنهم كانوا “سعداء لخدمة الله وسعداء لمجابهة هذا الصراع”.

من خلال الشقوق

مع إعادة بناء قاعة الدراسة، أبدى الطلاب حذرا شديدا في التحدث مع وسائل الإعلام خشية من لفت الأنظار إلى عملية البناء غير القانونية التي يقومون بها.

مع ذلك، قد يكون خوفهم  في غير محله.

ليس من الواضح من هي السلطة الإسرائيلية المسؤولة عن فرض قانون فك الإرتباط. وعلى الرغم من الإخلاء في عام 2005، ظلت حومش في الواقع جزءا من المنطقة C في الضفة الغربية، ما يعني أنها لا تزال تحت السيادة المدنية والعسكرية الإسرائيلية الكاملة.

مفلمة حضانة تأخذ اطفال لجولة في مستوطنة حوميش، 22 يوليو 2005 (Nati Shohat/Flash90)

مفلمة حضانة تأخذ اطفال لجولة في مستوطنة حوميش، 22 يوليو 2005 (Nati Shohat/Flash90)

عند التوجه إلى المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية والشرطة الإسرائيلية ووزارة الدفاع ألقى كل طرف بمسؤولية إنفاذ القانون على السلطات الأخرى.

لكن ذلك لا يعني أن الطلاب يخططون للإنصياع لأوامر السلطات الإسرائيلية بغض النظر عن ذلك.

وقال دافيد إن “هذه هي الهيئات ذاتها التي ساعدت في إخلاء الناس في حومش من منازلها قبل نحو عشر سنوات”، وأضاف “ولكنهم ليسوا الوحيدين الذين بحاجة إلى التوبة. أمة إسرائيل بكاملهما بحاجة إلى التوبة على خطاياها ضد سكان حومش”.

وقال “لقد كان هنا مجتمع كامل تم تدميره”. وأشار دافيد إلى مكان كان مرة موقعا لبركة سباحة ومدرسة إبتدائية وقال “للأسف، دولة إسرائيل لم توافق على استمرار ذلك”.

الأوائل العلمانيون

تم تأسيس حومش في عام 1978 على 173 فدانا من الأرض التي صادرها الجيش من قرية برقة الفلسطينية “لأسباب أمنية”. في حين أن القصد في البداية كان بناء بؤرة عسكرية هناك، لكن ذلك لم يحدث أبدا وتم تسليم الأرض لمجموعة من العلمانيين الأوائل الذين كانوا يبحثون عن أرض للإستيطان فيها في المنطقة.

قرار تاريخي صادر عن المحكمة العليا في عام 1979 نص على أنه لا يمكن بناء مستوطنات على أرض تمت مصادرتها “لأسباب أمنية”. لكن، كما قال درور إتكيس من منظمة “كيرم نافوت” لمراقبة الإستيطان، هذا الحكم لم يكن بأثر رجعي. “تم السماح لحومش بالبقاء ولم يُسمح للفلسطينيين بالعودة إلى أراضيهم”، كما قال.

عند التوجه إلى المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية والشرطة الإسرائيلية ووزارة الدفاع ألقى كل طرف بمسؤولية إنفاذ القانون على السلطات الأخرى

بين 50 و60 عائلة علمانية سكنت في حومش لعقدين من الزمن قبل إندلاع الإنتفاضة الثانية في عام 2000. بعد مقتل أربع سكان في هجمات متعددة، شهدت المستوطنة مغادرة نصف العائلات فيها إلى مدن داخل الخط الأخضر. بعد لك وصلت مجموعة من الصهاينة القوميين إلى المكان “لتعزيز أعداد المجتمع المحلي وروحه” في المستوطنة، على حد تعبير دافيد.

حتى بعد إخلاء المستوطنة في عام 2005، بقي أمر مصادرة الأرض العكسري ساري المفعول، ما منع الفلسطينيين من الوصول إلى الأرض. في عام 2011، تقدمت منظمة “يش دين” إلى جانب عدد من سكان برقة بإلتماس للمحكمة العليا طالبوا فيه بإلغاء أمر المصادرة. قبل وقت قصير من بدء البت في قضيتهم في المحكمة بعد عامين، أعلنت الدولة أنها ستلغي الأمر، وهي خطوة يعتقد محامو “يش دين” بأنها غير مسبوقة.

ولكن على الرغم من اتخاذ الحكومة لهذه الخطوة، لم يتمكن الفلسطينيون من إستعادة حومش. يقول أمجد، أحد سكان برقة، “لقد منعنا الجيش والمستوطنون من الصعود إلى الجبل لإعادة بناء ارضنا. جميعهم يحملون الأسلحة ونخشى من ما سيفعلونه لنا إذا صعدنا إلى هناك”.

المزراع ابن ال60 عاما أقر بأن الشبان الذين قاموا بحرق حومش قبل أسبوع هم على الأرجح من سكان برقة، لكنه أصر على أنه لا بد من أن طلاب المعهد الديني قاموا بإستفزازهم، وقال “هؤلاء الأشخاص لا يرغبون بالسلام. كل ما يريدونه هو سرقة المزيد من الأراضي”.

مستوطنون إسرائيليون على برج ماء في مستوطنة حومش التي تم إخلاؤها في 12 يونيو، 2007. (Maya Levin/Flash90)

مستوطنون إسرائيليون على برج ماء في مستوطنة حومش التي تم إخلاؤها في 12 يونيو، 2007. (Maya Levin/Flash90)

يبدو أن الحريق أتى بنتيجة معاكسة لتلك التي  رغب بها مرتبكو الحريق. في تصريح نُشر بعد الهجوم، قال المعهد الديني حومش إن الطلاب “يستعدون لبناء مبنى أكبر سيساعد في تعزيز قبضتهم على المجتمع المحلي”.

ومع التأكيد مرة أخرى على أن المنطقة لا تخضع لصلاحيته، رفض الجيش التعليق.