زار اثنان من كبار الشخصيات الأجنبية المنطقة هذا الأسبوع، ممثلين لوجهتي نظر متناقضتين حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كلتاهما جيدتان لإسرائيل نسبيا.

الأمين العام للأمم لمتحدة أنطونيو غوتيريش طرح المواقف التقليدية للمجتمع الدولي من خلال الدفع بـ”حل الدولتين الذي سينهي الاحتلال”. الممثل الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات، من جهة أخرى، ركز على استكشاف الجهود الشعبية للتقريب بين الجانبين على الأرض.

زار الرجلان المحطات نفسها تقريبا: ديوان رئيس الوزراء والمجمع الرئاسي في رام الله ومعبر إيريز وبيوت إسرائيليين يعيشون بجوار الحدود مع قطاع غزة. ولكن على الرغم من مسارات الزيارة المتشابهة، فإن الرجلين، اللذين التقيا لفترة قصيرة يوم الاثنين في القدس، جاءا مع أهداف مختلفة واستراتيجيات مختلفة.

فلقد حض غوتيريش على اتخاذ خطوات فورية لتحقيق السلام، في حين بدا غرينبلات حريصا على استكشاف السبل للتقريب بين المجتمعين من أجل تجهيز الأرضية لمصالحة تسبق السلام.

أسلوب تعامل غرينبلات مع العملية السلمية يروق أكثر بكل تأكيد لحكومة اليمين في إسرائيل، ولكنها بإمكانها أيضا أن تكون راضية عن أسلوب غوتيريش، الذي ذهب إلى أبعد ما يمكن بالنظر إلى مكانته في التعبير عن تعاطفه مع الدولة اليهودية.

بلا شك أنه أدلى بأقوال كان المسؤولون الإسرئيليون يفضلون عدم سماعها. فلقد أكد على أن النشاط الاستيطاني “غير شرعي بموجب القانون الدولي”، وأعرب عن دعمه للمصالحة بين حركتي “فتح” و”حماس” ودعا إلى انهاء الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، واصفا الوضع في غزة بأنه “إحدى أشد الأزمات الإنسانية مأساوية”.

ومع ذلك، كانت خطاباته ولفتاته أكثر ايجابيه مما توقعه الإسرائيليون من رئيس منظمة من المفترض أن تكون “حيادية” ولكنها لا تنفك عن مهاجمة الدولة اليهودية.

في حين أنه لا يتفق في بعض الأحيان مع الحكومة الإسرائيلية، أعلن يوم الإثنين من القدس بأنه لا يزال ملتزما بـ”نزاهة” الأمم المتحدة – ما يعني أن إسرائيل لا ينبغي أن تكون هدفا لانتقادات لا مبرر لها – وأكد على اعتباره للدعوات لتدمير إسرائيل “شكلا من أشكال معاداة السامية الحديثة”، مكررا هذه الفكرة عدة مرات هذا الأسبوع.

غوتيريش قال إن إسرائيل “حققت الحقوق والطموحات الوطنية لليهود على مر الأجيال”، وهو أقرب حد للاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وصل اليه أي مسؤول أممي.

بعد زيارته إلى ناحال عوز، وهو كيبوتس يقع على الحدود مع غزة، أشاد الأمين العام بسكان الكيبوتس الذي شهد العديد من الضربات الصاروخية على كبتهم “لما قد يكون شعورا طبيعيا بالغضب” وإرسال “رسالة سلام ومصالحة استثنائية بدلا من ذلك” وعرض المساعدة على المدنيين الفلسطينيين في القطاع الذي تسيطر عليه “حماس”.

حظي غوتيريش بكثير من المديح من القدس والعالم اليهودي. خلال استضافته له في القدس، هاجم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأمم المتحدة بسبب ما وصفه ب”هوسها السخيف بإسرائيل” ولكن في الوقت نفسه أشاد بالأمين العام الجديد على رغبته الواضحة “في فتح صفحة جديدة في العلاقات”.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو (من اليمين) يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ديوان رئيس الوزراء في القدس، 28 أغسطس، 2017. (GPO)

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو (من اليمين) يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ديوان رئيس الوزراء في القدس، 28 أغسطس، 2017. (GPO)

بعد لقاء خاص الاثنين، قال رئيس المجلس الإسرائيلي للشؤون الخارجية دان مريديور إنه راى بغوتيريش رجلا “عقلانيا”.

رابطة مكافحة التشهير كذلك أشادت بوضع غوتيريش لمعاداة السامية ومعاداة إسرائيل في نفس الكفة، معتبرة هذا التصريح تصريحا “هاما”. وقال الرئيس التنفيذي للمنظمة جوناثان غرينبلات إن “هذه التصريحات، إلى جانب اعترافه بالتهديدات الأمنية والإرهابية اليومية التي يواجهها الإسرائيليون، تبعث برسالة واضحة وهي مؤشر واضح على أن الأمين العام يدرك التحديات التي تواجهها إسرائيل في المنطقة”.

قد تكون للهجة التصالحية غير المتوقعة التي تحدث بها غوتيريش في توجهه للإسرائيليين علاقة بتهديدات إدارة ترامب بسحب التمويل من الأمم المتحدة في حال عدم كبح التحيز ضد إسرائيل.

غير أن نهجه لم يكن جديدا في جوهره. فلقد تبنى نفس المواقف التي تبناها أسلافه من قبله حول غزة والعملية السلمية . وفي هذه النقطة يختلف نهجه اختلافا جوهريا عن نهج جيسون غرينبلات، الذي لا يزال مخلصا لسياسة الإدارة الأمريكية بالامتناع عن الالتزام بأي سياسة واضحة بشكل علني.

في لقائه يوم الثلاثاء مع رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، ذكر غوتيريش حل الدولتين تسع مرات.

مبعوث الرئيس الامريكي دونالد ترامب للسلام، جيسون غرينبلات، خلال جولة في المناطق المحيطة بقطاع غزة مع منسق النشاطات الحكومية في الاراضي الجنرال يؤاف مردخاي، 30 اغسطس 2017 (COGAT Spokesperson’s Office)

مبعوث الرئيس الامريكي دونالد ترامب للسلام، جيسون غرينبلات، خلال جولة في المناطق المحيطة بقطاع غزة مع منسق النشاطات الحكومية في الاراضي الجنرال يؤاف مردخاي، 30 اغسطس 2017 (COGAT Spokesperson’s Office)

على النقيض منذ ذلك، لم يعلن غرينبلات أبدا تأييده لفكرة حل الدولتين لشعبين. بدلا من الخروج بتصريحات بشأن سياسة بلاده، التقى مبعوث ترامب مع مسؤولين وقادة من المجتمع المدني من كلا الجانبين وواصل مساعيه لتعزيز مشاريع العيش الإسرائيلي الفلسطيني المشترك.

وقام بزيارة معبرين في غزة – حيث التقى هناك برجال أعمال فلسطينيين، وتجول في نفق هجومي قامت “حماس” بحفره وشارك في مفاوضات إسرائيلية فلسطينية حول اتفاق آخر لشراء الطاقة.

في مستشفى “زيف” في مدينة صفد، “أعجب للغاية” بالمساعدة التي تقدمها إسرائيل لآلاف اللاجئين السوريين. “هذه هي قصص إسرائيل التي على العالم سماعها وقصص كهذه تظهر كيف يمكن للسلام في هذه المنطقة أن يكون ممكنا”.

غرينبلات قام أيضا بجولة في معبر “الجلمة” (غلبواع)، شمال الضفة الغربية، للتعرف على التعاون الاقتصادي والأمني بين الإسرائيليين والفلسطينيين وعلى المبادرة الإقليمية لوزير المواصلات يسرائيل كاتس لتوسيع السكك الحديدية للربط بين الإسرائيليين والفلسطينيين والأردن والسعودية ودول الخليج.

وقام غرينبلات بزيارة روابي – أول مدينة يتم بناؤها للفلسطينيين في الضفة الغربية – والتقى مع قيادات أكاديمية فلسطينية ل”مناقشة دور التعليم العالي في النمو الاقتصادي ومجتمع مدني أقوى”، ومع مجموعة من سكان غزة.

وخصص غرينبلات وقتا أيضا لزيارة حصة تدريبية لنادي كرة قدم يهودي عربي مختلط في ميفاسيرت تسيون في ضواحي القدس، وقال عن الفريق “من المهم جدا مواجة العنصرية ومحاربة التمييز، وبرامج كهذه تملأني بالنشاط. أعتقد أنها ذات أهمية كبيرة لما نحاول تحقيقه من حيث السلام”، وأضاف “برأيي، لن يحقق اتفاق السلام النجاح في اليوم التالي، إلى حين إعادة التواصل بين المجتمعين. وهذا مثال رائع على تواصل المجتعين”.

يلخص ذلك بشكل جيد استراتيجية غرينبلات. بالتوازي مع المحادثات مع القادة السياسيين في رام الله والقدس، فهو يحاول رؤية ما يمكن للمجتمع المدني القيام به لمساعدة العملية.

حرصا على عدم تعريض سمعته كوسيط نزيه للخطر، حرص مبعوث ترامب على قول أمور ايجابية عن الإسرائيليين والفلسطينيين، لكن اشادته بالإسرائيليين اللذين التقى بهم كانت جياشة أكثر.

لكن الأهم من ذلك هو أن جولته هذه الأسبوع أكدت مرة أخرى على أن الإدارة الامريكية، في حين أنها حريصة على التوصل إلى الاتفاق المثالي، لكنها لا تزال مترددة في فرض سياسات على القدس. بدلا من ذلك، يبدو أن البيت الأبيض خلص إلى أن أي محاولة لإطلاق مفاوضات سلام تحتاج إلى أن تكون مدعومة بجهود جادة لتغذية المصالحة والعيش المشترك.