واشنطن (جيه تي ايه)- يمكن التحدث عن حل الدولتين والتعددية والحقوق المدنية لتلخيص الأجندة الإسرائيلية للمجموعات اليهودية الأمريكية من التيار السائد على مدى العقدين الماضيين.

لكن تصريحات بينيامين نتنياهو عشية فوزه في الإنتخابات الإسرائيلية يوم الثلاثاء، تدل على ما يبدو على أن الحكومة التي سيتم تشكيلها من المفاوضات الإئتلافية الحالية لن تحقق على الأرجح أي تقدم في أي واحد من هذه المجالات.

وأثارت تكتيكات نتنياهو في الساعات الـ 11 الأخيرة في حملته الإنتخابية، تساؤلات كبيرة بين زعماء اليهود الأمريكيين حول التزامه بحل الدولتين للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، والمساواة في المعاملة بين جميع الإسرائيليين. والحكومة التي سيتم تشكيلها ستضم على الأرجح أحزاب متدينة، التي كان رفضها لتيارات غير أرثوذكسية سببا للتوتر مع اليهود الأمريكيين لعقود.

على الرغم من تراجع نتنياهو عن تعهده بأنه لن تكون هناك دولة فلسطينية ما دام في الحكم، وتصريحاته بشأن “الأعداد الكبيرة” من الناخبين العرب لتحفيز مؤيديه من اليمين للتصويت له، ولكن بالنسبة للكثيرين من يهود أمريكا، فإن رئيس الوزراء أثار شعورا عميقا بعدم الإرتياح من الإتجاه الذي تسير فيه إسرائيل.

قال جريمي بن عامي، المدير التنفيذي لللوبي الليبرالي “جيه ستريت”، خلال خطابه في مؤتمر المجموعة في واشنطن مساء السبت، “سأكون صريحا، إن ما نشعر به هو الألم والغضب عند مشاهدة رئيس الوزراء الإسرائيلي يقوم بإستخدام تكتيكات التخويف والخوف المشوب بالعنصرية لشق طريقه نحو 23% من الأصوات في إنتخابات الثلاثاء”ّ. وأضاف بن عامي، “أنا أعرف وأشارك الغضب في هذه الغرفة برؤية رئيس الوزراء، من أجل إنقاذ حياته السياسية، يؤكد ما يعرفه الكثير من الناس – بأنه يعارض تماما وبشكل كامل إقامة دولة فلسطينية. وبعد ذلك، أن نشاهده وهو يحاول من دون خجل وبسخرية التراجع عن [تصريحاته] في غضون 36 ساعة”.

أصدر أكبر تيارين يهوديين أمريكيين، الحركتان الإصلاحية والمحافظة، بيانات في الأسبوع الماضي أدانتا فيها دعوة نتنياهو خلال يوم الإنتخابات لمؤيدي “الليكود” بالتوجه إلى صناديق الإقتراع لموازنة أصوات العرب الإسرائيليين.

وقالت الجمعية الحاخامية التابعة للتيار المحافظ في بيان لها يوم الخميس، “لأننا نواصل بكل فخر وبلا تحفظ دعمنا لدولة إسرائيل ولمواطنيها وقيمها، علينا إدانة تصريح رئيس الوزاء، الذي خص بالذكر فيه المواطنيين العرب لممارستهم حقهم الشرعي في التصويت”. وجاء في البيان أيضا، “يتعين على اليهود حول العالم التنديد بالتصريح الإنقسامي وغير الديمقراطي وهذا ما نقوم به هنا”.

ووصف الحاخام ريك جيكوبس، رئيس إتحاد اليهودية الإصلاحية، التصريح بأنه “محبط”، وبأنه “نداء عار إلى مخاوف قاعدته في اليمين المتشدد بدلا من آمالهم”.

وسارع نتنياهو إلى احتواء الأضرار التي تسببت بها تصريحاته بعد الإنتخابات. في مقابلتين له مع قناة “MSNBC” وشبكة “NPR”، أكد على أنه ما زال ملتزما بحل الدولتين ولكن الظروف لا تسمح بذلك بسبب التعنت الفلسطيني والإضطرابات المستمرة في المنطقة. وقال أن توجهه للناخبين يوم الإنتخابات لم يهدف إلى قمع الناخبين العرب، الذين بحسب إدعائه تم نقلهم من خلال عملية تصويت “بتمويل أجنبي”، ولكن هدف إلى إلهام مؤيديه.

مع ذلك التعابير التي استخدمها نتنياهو، وتلميحه إلى أنه يجب التخوف من بعض الناخبين، كانت مقلقة لبعض اليهود الأمريكيين الذين انتهوا مؤخرا من الإحتفال بإحياء الذكرى الخمسين لمسيرة “الأحد الدامي” لدعم حقوق التصويت للأمريكيين السود. وأرسلت كل من الحركتين، الإصلاحية والمحافظة، ممثلين من قادتها للمشاركة في الإحتفالات التي أُجريت في وقت سابق من هذا الشهر في سيلما بولاية ألاباما.

وقال بن عامي في خطابه، “أشعر بنفس الألم الذي تشعرون به، بصفتي جزء من المجتمع اليهودي الأمريكي الفخور وبحق بأولئك من بيننا الذين ذهبوا إلى الجنوب وشاركوا في مسيرات الحرية في سنوات الستين للمحاربة من أجل حقوق جميع الأمريكيين للتصويت، والآن يشعرون بالخجل من تحويل رئيس وزراء إسرائيل فكرة ممارسة المواطنين العرب لحقهم في التصويت إلى تكتيك تخويف لإخراج مؤيديه إلى صناديق الإقتراع”.

وأزعج نتنياهو كذلك المجموعات اليهودية في الولايات المتحدة بعد تراجعه الواضح عن التزامه بحل الدولتين، وهي نقطة أساسية في لهجة خطاب المجموعات المؤيدة لإسرائيل في التيار السائد التي ادعت دائما أن إسرائيل تبدي استعدادا للتضحية من أجل السلام أكثر من نظرائها العرب.

قبل يوم من الإنتخابات، قال نتنياهو لموقع “NRG” الإخباري أن “كل من يقوم اليوم بإنشاء دولة فلسطينية وإخلاء أراضي سيتخلى عن الأراضي للإسلام المتطرف لمهاجمة إسرائيل”. وعن السؤال إذا كان يعني ذلك أنه لن يسمح كرئيس للوزراء بإقامة دولة فلسطينية، رد نتنياهو، “بكل تأكيد”.

في علامة على مدى تعمق المجموعات اليهودية في فكرة حل الدولتين، أشاد البعض منها بـ”توضيحات” نتنياهو بأنه ما زال يدعم حل الدولتين.

حيث قالت رابطة مكافحة التشهير، “نرحب بتوضيح رئيس الوزراء لموقفه بشأن حل الدولتين واتفاق السلام مع الفلسطينيين”. وتم إصدار بيانات مماثلة من قبل مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الرئيسية ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية والمجلس اليهودي للعلاقات العامة.

ويبدو أن نتنياهو مصمم على بناء إتئلاف يميني، ما يعني أن معظم المؤيدين البارزين لفكرة حل الدولتين سيبقون في المعارضة. الحزب الأول الذي دعاه إلى الحكومة هو “البيت اليهودي”، الذي يرفض إقامة دولة فلسطينية. وكانت إدارة أوباما قد أشارت إلى أنها ستتعامل مع نتنياهو على أساس أنه تخلى عن حل الدولتين حتى يكون قادرا على إثبات عكس ذلك.

وكانت حكومة نتنياهو المنتيهة ولايتها، والتي تم تشكيلها في يناير 2013، الحكومة الأولى منذ عقود التي أبقت على الأحزاب المتدينة في المعارضة. وشهدت العلاقات بين إسرائيل والقيادة اليهودية الأمريكية توترات خلال ولاية نتنياهو السابقة، من 2009 حتى 2013، بسبب مخاوف بشأن معاملة النساء من قبل مسؤولين حكوميين متدينين وعدم الإعتراف بالحركات الغير أرثوذكسية.

ما لم يحاول نتنياهو تشكيل حكومة وحدة وطنية – وهو ما استبعده هو والمعسكر الصهيوني – فسيكون بحاجة إلى 14 مقعدا من الأحزاب المتدينة لضمان أغلبية آمنة. في المقابل، ستطالب هذه الأحزاب بمناصب وزراية ستكون قادرة من خلالها على ممارسة السلطة في مجالات القانون المدني.