في عام 2017 واجه سوق العمل الفلسطيني في الضفة الغربية أزمة، حيث ارتفعت معدلات البطالة وتباطأ النمو الاقتصادي، لكن ذلك لم يمنع حكومة السلطة الفلسطينية من منح نفسها سلسلة من الأجور والمكافآت السخية، كان أبرزها زيادة في الرواتب بنسبة 67%.

وظلت هذه الإجراءات سرية على مدى العامين الماضيين، لكن هذا الأسبوع تم تسريب الأنباء عن القرار في سلسلة من الوثائق التي نشرتها أطراف مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأحدثت هذه التسريبات هزة في الضفة الغربية، حيث أضطرت الحكومة التي تعاني من ضائقة مالية إلى تقليص رواتب موظفيها بسبب الأزمة الاقتصادية. التقرير الذي جاء خلال شهر رمضان، حيث تتحمل العائلات الفلسطينية نفقات مرتفعة، أثار مجددا غضب الفلسطينيين الذين لطالما اعتبروا قيادتهم منفصلة عن الواقع ويستشري فيها الفساد.

وقال المعلق السياسي إيهاب الجريري: “لقد تصرف أعضاء المجلس الوزاري كما لو أن الحكومة هي متجرهم الخاص حيث بإمكانهم أخذ ما يريدون من دون محاسبة”.

وفقا لإحدى الوثائق المسربة، ارتفعت الرواتب الشهرية لوزراء السلطة الفلسطينية من 3000 دولار إلى 5000 دولار، في حين ارتفع راتب رئيس الوزراء إلى 6000 دولار.

جلسة لحكومة السلطة الفلسطينية في رام الله، 27 ديسمبر، 2018.(Credit: Wafa)

وقال مسؤولان كبيران إنه تم الإبقاء على هذه الزيادات التي حصلت على مصادقة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس سرا عن الجمهور، في تجاهل لقانون من عام 2004 يحدد رواتب الوزراء. وتحدث المسؤولان شريطة عدم الكشف عن اسميهما لأنهما غير مخولين بمناقشة المسألة مع وسائل الإعلام.

وقال المسؤولان إن الزيادة في الرواتب تمت بأثر رجعي، عندما استلمت الحكومة مهامها، مما منح الوزراء زيادة إضافية بقيمة عشرات آلاف الدولارات.

ولم تنته الفوائد عند هذا الحد، فلقد حصل الوزراء الذين يقيمون خارج مدينة رام الله بالضفة الغربية، حيث مقر السلطة الفلسطينية، على مبلغ 10,000 دولار سنويا لاستئتجار منزل هناك، بحسب ما أظهرته وثيقة أخرى. كما حصل مسؤولون امتلكوا منازل في رام الله هم أيضا على هذه المكافأة السخية. علاوة على ذلك، قامت الحكومة بتضخيم سعر الصرف، ما منح الوزراء علاوة بنسبة 17% عند تحويل الرواتب إلى الشيكل الإسرائيلي.

واطلعت وكالة “أسوشيتد برس” على الوثائق التي صدق عليها المسؤولان الفلسطينيان.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يصافح رئيس الوزراء الفلسطيني المكلف الجديد محمد اشتية، في مدينة رام الله في الضفة الغربية، 13 ابريل 2019 (Abbas Momani/AFP)

بعد سنوات له في المنصب، شهد عباس – الذي تم انتخابه في عام 2004 في آخر مرة أجريت فيها انتخابات رئاسية فلسطينية – تراجعا حادا في شعبيته، حيث يشعر الناس بخيبة أمل من فشله في تأسيس دولة فلسطينية مستقلة، وخسارته لقطاع غزة لخصومه في حركة “حماس” بالإضافة إلى الضائقة الاقتصادية العامة. وتبلغ نسبة البطالة في الضفة الغربية حوالي 20%، في حين أن مرتبات من يعمل من الفلسطينيين، مثل الموظفين الحكوميين، تتراوح بين 700-1000 دولار شهريا.

وأثارت الوثائق المسربة غضبا في وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطينية، حيث وصف المنتقدون الحكومة بأنها “مزرعة” أو “متجر” لكبار المسؤولين. في خضم ردود الفعل الغاضبة اضطرت السلطة الفلسطينية للرد.

وقام رئيس الوزراء المعين حديثا محمد اشتية، الذي كان مستشارا لعباس لفترة طويلة، بتجميد زيادات الرواتب وأحال المسألة لعباس “لمراجعتها واتخاذ الإجراءات القانونية”. أثناء التحقيق في القضية ، سيتلقى الوزراء نصف رواتبهم، مثل معظم الموظفين الحكوميين الآخرين ، وفقا للمتحدث الرسمي باسم الحكومة إبراهيم ملحم.

ودافع رئيس الوزراء السابق رام الحمد الله، الذي قامت حكومته التكنوقراطية بوضع المزايا، عن الزيادة التي مُنحت للوزراء وقال في بيان إن “وزراء الحكومة طلبوا الزيادة في عام 2017 من الرئيس عباس، الذي صادق عليها مع الأخذ في عين الاعتبار ارتفاع غلاء المعيشة”.

فلسطينيون يحتجون على قيام الحكومة بزيادة الضرائب في رام الله، الضفة الغربية، 12 ديسمبر، 2018. (Luke Tress/Times of Israel)

وتقدم الوثائق المسربة لمحة نادرة داخل عمل السلطة الفلسطينية التي تعاني من استشراء الفساد، وأشعل نقاشات حولأمور أخرى قد تكون الحكومة تخفيها.

وقال مجدي أبو زيد، وهو باحث في الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان): “أعتقد أن هذا غيض من فيض الفساد في السلطة الفلسطينية، بالنظر إلى أنه لا يمكننا الوصول إلى المزيد من المعلومات الهامة”.

وتتزامن هذه التسريبات مع تقرير أصدره إئتلاف أمان كشف عن أن الحكومة قامت بملء وظائف حكومية رفيعة من دون الإعلان عنها، حيث قامت بتعيين أقارب مسؤولين في مناصب رفيعة ورفضت الكشف عن ميزانيات الديوان الرئاسي وقوى الأمن.

تنبع معظم المشاكل المالية للحكومة من صراع مع إسرائيل بسبب حجب الأخيرة لمبلغ 138 مليون دولار من عائدات الضرائب التي تجمعها نيابة عن الفلسطينيين.

وقد قررت إسرائيل وقف تحويل الأموال لمعاقبة الحكومة الفلسطينية على دفع رواتب للأسرى الأمنيين الفلسطينيين وعائلات منفذي هجمات قُتلوا خلال تنفيذهم لهجمات ضد إسرائيل. وتقول إسرائيل إن الرواتب تشجع وتقدم محفزا مباشر على ارتكاب هجمات، في حين يصف الفلسطينيون الدفعات بأنها مخصصات اجتماعية للعائلات التي تضررت من الصراع، ويرفضون قبول تحويل أي من أموال الضرائب ما لم يتم تحويلها بالكامل. في محاولة لمواجهة الأزمة المالية، قامت السلطة الفلسطينية بوضع تدابير تقشفية.

وفي هذا السياق، عمقت المعلومات التي كشفت عنها الوثائق المسربة من خيبة أمل الرأي العام، حيث أظهر استطلاع رأي أجراه خبير استطلاعات الرأي الفلسطيني البارز، خليل الشقاقي، أن أكثر من 80% من الفلسطينيين يعتبرون قيادتهم فاسدة.

وقال المحلل جهاد حرب: “لقد فقدت السلطة الفلسطينية ثقة الشعب منذ وقت طويل بسبب ممارساتها غير القانونية”، وأضاف أنه بعد التسريبات الأخيرة، تبدو الحكومة “ضعيفة ومهزوزة للغاية”.