أ ف ب – عاد اللبنانيون إلى الشوارع مجددا، غير آبهين باجراءات منع التجول التي فرضتها الحكومة لمواجهة فيروس كورونا المستجد، مع بلوغ الأزمة الاقتصادية في البلاد طريقا مسدودا ومعاناة المواطنين من موجة غلاء غير مسبوقة.

ووقعت مواجهات ليل الاثنين بين المتظاهرين والجيش اللبناني في طرابلس شمال البلاد أقدم خلالها شبان على تحطيم واجهات مصارف، وتسبّبت بمقتل شاب (26 عاما) يوم الثلاثاء متأثرا بجراحه، بينما أصيب عشرين آخرين، وفق هيئة صحية في المدينة.

واصدرت قيادة الجيش بيانا الثلاثاء اعربت فيه عن “بالغ اسفها لسقوط شهيد خلال احتجاجات الامس”، مؤكدة “انها فتحت تحقيقا بالحادث”.

وجددت “تأكيدها احترام حق التعبير عن الرأي شرط أن لا يأخذ التحرك منحى تخريبيا يطال المؤسسات العامة والخاصة”، مع دعوة “المواطنين للالتزام بالإجراءات الأمنية”.

وتأتي التحركات في خضم انهيار اقتصادي بدأت ملامحه منذ العام الماضي، دفع بمئات آلاف اللبنانيين إلى الشوارع بشكل غير مسبوق في تشرين الأول/أكتوبر ناقمين على الطبقة السياسية التي يتهمونها بالفساد وفشلها في تحسين الوضع الإقتصادي. وأطاحت التظاهرات الحكومة السابقة، فيما لم تتمكن الحكومة الجديدة منذ مطلع العام من اتخاذ أي اجراء يخفّف من معاناة المواطنين.

وجاءت التحركات مساء اليوم الثالث من شهر رمضان، حيث يشكو مواطنون من عدم قدرتهم على تحضير مائدة الإفطار جراء الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الاستهلاكية وخسارة قدرتهم الشرائية.

وأوضح خالد (41 عاما) لوكالة فرانس برس أنه شارك في التظاهرة بعدما خسر عمله ولم يعد قادرا على تأمين حاجات أولاده الثلاثة.

وقال: “نزلت لأرفع صوتي ضد الجوع والفقر والغلاء والظلم.. لأطالب بأبسط حقوقنا المعيشية”، منتقدا العنف الذي مارسته القوى الأمنية بحق المتظاهرين.

وطالب ميشال، الناشط في المدينة المسؤولين “بالاستقالة الفورية من هذه اللحظة” مخاطبا اياهم بالقول: “الشعب لا يريدكم، الشعب جاع ونريد التوجّه إلى منازلكم لنأكل عندكم”.

متظاهرون مناهضون للحكومة يتشاجرون مع جنود الجيش اللبناني في بلدة ذوق مصبح، شمال بيروت، لبنان، 27 أبريل 2020. (AP / Bilal Hussein)

وعمد شبان إلى تحطيم واجهات أحد المصارف قبل إضرام النار فيه وانطلاق صافرة الإنذار. وكسر شابان واجهة المصرف بعمود حديد حملاه معا، بينما انهمك آخر بتحطيم واجهة ثانية للمصرف بأسطوانة إطفائية.

وعمل الجيش حتى وقت متأخر على تطويق التحركات. وأعلنت قيادته في بيان تعرض ثلاثة مصارف وعدد من الصرافات الآلية للحرق واستهداف آلية عسكرية ودورية في المدينة، ما تسبب بإصابة أربعين عسكريا. وأفادت عن توقيف تسعة أشخاص “لإقدامهم على رمي المفرقعات والحجارة”.

وقرّرت جميعة المصارف إقفال المصارف في طرابلس بدءا من يوم الثلاثاء “بسبب الإعتداءات”.

غلاء وبطالة

وقطع عشرات المتظاهرين طرقا عدة في البلاد في الليلتين الأخيرتين، كما نظموا تحركات احتجاجية أمام عدد من المصارف. وأوردت الوكالة الوطنية للاعلام أن عددا من الشبان رموا عبوات حارقة على واجهة أحد المصارف في محلة رأس النبع فجرا في بيروت. وعمل الجيش على فتح الطرق ما أوقع 14 إصابة أخرى في صفوفه وأوقف أربعة متظاهرين.

وفاقمت اجراءات الاغلاق التي اتخذتها الحكومة منذ منتصف آذار/مارس في إطار مكافحة فيروس كورونا الذي سجل 717 إصابة بينها 24 وفاة، الأعباء المعيشية الملقاة على عاتق المواطنين.

جنود لبنانيون يزيلون إطارات مشتعلة وضعها متظاهرون مناهضون للحكومة لإغلاق طريق في بلدة ذوق مصبح، شمال بيروت، لبنان، 27 أبريل 2020. (AP/Bilal Hussein)

وتزامنت في الأسبوع الأخير مع بلوغ سعر صرف الليرة عتبة أربعة آلاف مقابل الدولار في السوق الموازية فيما السعر الرسمي ما زال مثبتا على 1507 ليرات.

وانعكس ذلك إلى حد كبير على القدرة الشرائية للمواطنين. وتضاعفت أسعار الخضر، فارتفع سعر كيلوغرام الحامض مثلاً من ألف ليرة الى أكثر من أربعة آلاف وحفاضات الأطفال من عشرين إلى ثلاثين ألفا وكيلوغرام لحم البقر من 18 إلى 32 ألفا.

وقدّر وزير الاقتصاد راوول نعمة الثلاثاء نسبة ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بـ 55%.

وبحسب تقديرات رسمية، يرزح 45% من اللبنانيين حاليا تحت خط الفقر. وخسر عشرات الآلاف مورد رزقهم أو جزءا من رواتبهم خلال الأشهر الستة الماضية. وأقفلت مجمعات تجارية وفنادق عريقة وشركات صغيرة ومتوسطة أبوابها.

’انفجار اجتماعي’

منذ توليها مهامها مطلع العام، أعلنت حكومة الاختصاصيين التي شكلها حسان دياب خلفا لسعد الحريري، أنها ستنكب على وضع خطة إنقاذية للنهوض بالاقتصاد واجراء اصلاحات ملحة، وعلى إعادة هيكلة الدين، من دون أن تُقدم بعد على أي اجراء عملي وسط تفاعل أزمة السيولة وشح الدولار.

ويقول الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي سامي نادر لفرانس برس “حتى الآن، لم تفعل الحكومة شيئاً باستثناء تعليق دفع سندات اليوروبوند (…) لم تتخذ أي إجراء باتجاه الاصلاح”.

ويرى أن الحكومة، التي هاجم رئيسها الجمعة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بشدة محملاً اياه مسؤولية التدهور السريع في سعر الصرف، “تطرح مقاربة غير متوازنة بتركيزها على الموضوع النقدي والمصرفي، وهو ضروري جداً، لكن من دون إغفال أو القفز فوق الاصلاحات في الكهرباء والقطاعات المنتجة والمرفأ”.

وتعد لبنان من أكثر الدول مديونية في العالم، مع ديون بقيمة 92 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 170% من ناتجها المحلي.

وخرجت أموال هائلة من المصارف رغم قيود مشددة على السحب بالعملة الخضراء والتحويلات. وقدر دياب الجمعة قيمة الودائع التي خرجت خلال في الشهرين الاولين من العام الحالي بـ 5,7 مليارات دولار، غالبيتها إلى الخارج. وتضاف إلى 2,3 مليار دولار تم تحويلها خلال آخر شهرين من عام 2019.

وتعقد الحكومة جلسة يوم الثلاثاء تناقش فيها قضايا مالية على رأسها استرداد الأموال التي تم تحويلها الى الخارج منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر.

ويحذر نادر من أن البلاد “مقبلة على انفجار اجتماعي لا محالة، مع خسارة الليرة نحو مئتين في المئة من قيمتها، وانحسار القدرة الشرائية للمواطنين” مبديا خشيته من “سقوط حر من دون أي كابح أو مظلة”.

وفي ظل الحاجة إلى ضخ أموال في الاقتصاد اللبناني، يقول نادر إن “اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، على سوئه، بات الخيار الوحيد.. لابقاء قطاع الانتاج حياً ولحماية شبكات الأمان الإجتماعي”.