صباح الخميس، بعد عدة محاولات من التستر والنفي، نشر الذراع العسكري لحركة حماس، كتائب عز الدين القسام، أسماء “الأبطال السبعة، رجال الله”، في إشارة إلى نشطاء الحركة السبعة الذين قُتلوا قبل يومين من ذلك في انهيار نفق هجومي بنته حماس في حي التفاح، شمال جنوب مدينة غزة، على بعد بضعة أمتار فقط من الحدود مع إسرائيل.

بداية حاولت حماس التستر على حقيقة أن أحد رجالها قُتل في نفق، بعد ذلك زعمت بأنهم مفقودون، ويوم الخميس قامت بنشر أسماء سبعة من بين 11 عملوا على الحفر في المكان.

قبل أيام من ذلك، كتب فايز أبو شمالي، صحفي مقرب من حماس، على صفحته عبر الفيسبوك عن لقائه مع قائد محلي في الجناح العسكري للحركة: “اعترف أمامي أنهم يواصلون العمل ليل نهار، وعلى مدار عام ونصف لم يعرفوا طعم الراحة، ولم يتسرب إليهم الوهن، فالمعركة التي يستعدون لها معركة مصيرية؛ بقاء أو فناء، حياة أو موت، ولا خيار لهم إلا العمل تحت كل الظروف”.

نشطاء حماس السبعة هؤلاء، لم يكونوا أول ضحايا الأنفاق خلال حفرها. في الشهر الماضي في منطقة خان يونس قُتل أحد مختطفي غلعاد شاليط جراء انهيار نفق. في العام الماضي فقط قُتل، بحسب مصادر في غزة، 12 ناشطا آخر لحماس جراء إنهيار انفاق.

وفقا للقائد فإن حماس جددت ترسانتها الصاروخية وهي مستعدة مجددا لجولة أخرى. علاوة على ذلك، يتحدث القائد نفسه عن أنه في الجولة القادمة من الحرب، ستعمل حماس “داخل أراضي 1948″، أي أنه يلمح إلى نية الحركة في تنفيذ عمليات من خلال الأنفاق من بين وسائل أخرى.

سيكون هناك من سيقول أن حماس تطلق مرة أخرى مجرد تهديدات. ومع ذلك، إن رصد ما يحدث في غزة، في المجالين المدني والعسكري، يترك إنطباعا مختلفا كليا: هناك في غزة من يجهز الأرضية، على المستوى العام، وتحت الأرض على المستوى العسكري لتصعيد واسع النطاق يؤدي إلى الدخول في مواجهة جديدة مع إسرائيل.

السؤال هو متى وتحت أي ظروف.

الأرقام تعكس أكثر من أي شيء آخر مدى عزم الحركة على إعادة تأهيل مشروع الأنفاق الذي تعرض لأضرار جسيمة خلال حملة “الجرف الصامد”. تقوم الحركة اليوم بتشغيل أكثر من 1000 شخص، ستة أيام في الأسبوع، على مدار الساعة، حتى تتمكن من حفر المزيد والمزيد من الأنفاق الهجومية إلى داخل إسرائيل. الأحوال الجوية السيئة لا تؤخر أعمال الحفر كما أظهرت الحادثة في حي التفاح، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنه بالنسبة لحماس هذا هو السلاح الذي سيمكنها من شن “ضربة إفتتاحية” تمكنها من الخروج بصورة نصر في كل مرحلة قتال مستقبلية مع إسرائيل.

حتى الآن يُقدر عدد الأنفاق التي تجتاز الحدود إلى داخل إسرائيل بما بين خمسة وعشرة أنفاق، ولكن قد يكون هناك عدد أكبر. تستخدم الحركة، كما فعلت في الماضي الأسمنت لتدعيم هذه الأنفاق واتضح أن لديها وصول كاف لهذه المواد.

هذه ليست بالأنفاق القديمة من بداية العقد الماضي من جبهة محور فيلادلفيا – أي أنها ليست مجرد عمل هواة على عمق متوسط (7-8 أمتار)، إن هذه أنفاق تم حفرها بواسطة معدات هندسية على عمق حوالي 30 مترا، مع الإستعانة بتكنولوجيا متطورة أكثر ورسوم هندسية وما إلى ذلك.

حماس غير معنية حاليا بالتصعيد أو في جولة جديدة من الصراع. هذا على الأقل ما لمح إليه إسماعيل هنية، رئيس الحكومة السابق في خطابه الأخير. ولكن ليس كل من في حماس يتابع تصاريح هنية بشغف.

بالنسبة للذراع العسكري، هناك حاجة ملحة لتحسين صورة حماس التي تضررت في الحرب الأخيرة ولذلك فإن “الضربة الإفتتاحية” ستكون خطوة لا بد منها تقريبا، لا سيما على ضوء الوضع الحالي في القطاع حيث تشهد شعبية الحركة إنخفاضا مستمرا، بسبب الوضع الإقتصادي من بين أسباب أخرى.

مسؤولون كبار آخرون في الحركة، أمثال يحيى سنوار، يؤيدون نهج الذراع العسكري وليس نهج هنية. في نظرهم، الحفاظ على الوضع الراهن في غزة، حيث نسبة البطالة آخذة بالإرتفاع وكذلك عدد الفقراء، الحدود المغلقة، عدم وجود إمداد منتظم للكهرباء، كل هذه الأمور قد تؤدي إلى المس في قدرة حكم حماس على البقاء، ومن دون شك على ضوء الحصار المصري والإقتطاع في التمويل الإيراني.

من هذه الناحية تواصل غزة مفاجأتنا. في كل مرة يبدو فيها أن الوضع لا يمكن أن يكون أسوأ، تمر أسابيع قليلة لنشهد تدهورا جديدا في الأوضاع. العاصفة التي ضربت المنطقة هذا الأسبوع على سبيل المثال، والتي أدت إلى رقم قياسي جديد في مستوى إستهلاك الكهرباء في إسرائيل، تسببت بإنقطاع الكهرباء لفترات زمنية طويلة في غزة: بدلا من 8 ساعات من الكهرباء و16 ساعة بلا كهرباء، تحول السكان إلى توزيع جديد للساعات: 4 ساعات من الكهرباء و20 ساعة بلا كهرباء.

البرد كان قارسا بالأخص في الشجاعية وفي بيت حانون وعدة أحياء أخرى، حيث يسكن آلاف الأشخاص الذين تدمرت منازلهم كليا في الحرب الأخيرة، نظام عزل مناسب. في خان يونس وأماكن أخرى وقعت فيضانات أغرقت منازل كثيرة، في مناطق دُمر البعض منها كليا في الحرب الأخيرة مع إسرائيل. من كل مكان تقريبا بالإمكان رؤية الأشخاص متجمعين حول براميل تم إشعال النار فيها للإحتماء من البرد القارس.

“وضع الحيوانات في السفاري في رمات غان أفضل من وضع الناس هنا”، قال لي هشام، أحد سكان مدينة غزة الذي كان قد زار حديقة حيوانات “السفاري” في سنوات ال90.

لم تشهد غزة يوما وضعا إنسانيا كهذا، كما يقول سكان غزة، الذين يعتبرون الوضع أصعب بكثير مما كان عليه عشية الحرب الأخيرة.

يقول لي (ح)، وهو أيضا من سكان المدينة، “لا يوجد هناك أحد يعمل، لا توجد مواد بناء في الأسواق، لا يوجد مال لأنه لا توجد رواتب: موظفي حماس لم يحصلوا على راتب عادي، كل 50 يوما يحصلون على 1000-1200 شيكل. كذلك رجال الجهاد الإسلامي لا مال لديهم”.

ويضيف، “سيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إنفجار. إذا انتهى عام 2016 من دون حرب ستكون هذه معجزة. الأمر لم يعد يتعلق بحماس أو إسرائيل”.