على عكس الحكمة السياسية السائدة، قد يكون لبيني غانتس، رئيس حزب “أزرق أبيض” الذي سيكون أمامه ابتداء من مساء الأربعاء 28 يوما لتشكيل الحكومة، طريقا واضحا ليصبح رئيسا للوزراء. ومثل الكثير من الأمور التي جرت في السياسة الإسرائيلية منذ أبريل، فإن هذا الطريق يمر عبر ليبرمان. السؤال هو ما إذا كان ينبغي عليه وما إذا كان سيختار السير في هذا الطريق.

أولا، خلفية:

يشاع أن غانتس سيبدأ مساعيه لبناء الائتلاف من خلال التواصل مباشرة مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ودعوته إلى إجراء محادثات وجها لوجه حول “حكومة وحدة ليبرالية” تضم حزبي “أزرق أبيض” والليكود وأحزاب أخرى تقبل بالمبادئ التوجيهية لحكومته. قد يبدو هذا مثيرا للفضول لأولئك الذين أولوا اهتماما سطحيا بأشهر من الحملات الانتخابية التي شهدتها إسرائيل، لأن غانتس أعلن مرارا وتكرارا ضرورة ترك نتنياهو للمنصة والاهتمام بمشاكله القانونية؛ وأنه لن ينضم إلى حكومة مع نتنياهو طالما يواجه زعيم الليكود مزاعم خطيرة بالفساد؛ وأن أزرق أبيض “سيتولى الأمر من هنا”.

ليس من الواضح ما إذا كان رفض غانتس تقاسم السلطة مع الليكود بقيادة نتنياهو لا يزال قائما، ولكن من الواضح أن غانتس سيصر على تولي المدة الأولى في الحكومة كرئيس للوزراء في أي شراكة بين أزرق أبيض والليكود. سيشكل ذلك نهاية لحكم نتنياهو المستمر منذ 11 عاما، وهي الفترة الأطول لرئيس وزراء إسرائيلي في سدة الحكم، وسيحرم ذلك نتنياهو من حق رئيس الوزراء المزعوم – وهو حق لم يتم اختباره بشكل كامل في المحاكم الإسرائيلية – في البقاء في منصبه حتى لو تم اتهامه في واحدة أو أكثر من ثلاث قضايا فساد يواجهها. وبالتالي، سيكون نتنياهو أكثر عرضة لمحاكمة محتملة. ولذلك، فمن المتوقع أن يرفض نتنياهو هذا المطلب جملة وتفصيلا، مما سيجعل من فكرة الشراكة بين أزرق أبيض والليكود فكرة مستبعدة في الوقت الحالي.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، رئيسة المحكمة العليا استر حايوت، زوعيم حزب ’أزرق أبيض’ بيني غانتس، خلال مراسم تذكاريه لرئيس الدولة الراحل شمعون بيرس، في مقبرة جبل هرتسل بالقدس، 19 سبتمبر 2019 (Gil Cohen-Magen/AFP)

خطوة غانتس التالية ستكون التواصل مع جميع الأحزاب في الكنيست، بمن فيها تلك التي لم توصي به رئيسا للحكومة، وتحديد أهداف حكومته المخطط لها، ومناقشة الظروف والشروط التي قد تدعم فيها الأحزاب هذه الحكومة.

في هذه المرحلة، بالاستناد على التصور التقليدي، سيبدأ غانتس على مضض في قبول فكرة عدم وجود مفر من نتائج انتخابات 17 سبتمبر التي منحته كتلة مؤلفة من 54 مؤيدا، ومنحت نتنياهو كتلة مؤلفة من 55 عضوا، مع امتناع ثلاثة أعضاء من تحالف الأحزاب العربية، “القائمة المشتركة”، وثمانية أعضاء في حزب “يسرائيل بيتينو” عن إعلان تأييدهم لأي مرشح. وبما أن ليبرمان كان قد صرح أنه سينضم فقط إلى ائتلاف حكومي يجمع الليكود وأزرق أبيض، وبما أن أزرق أبيض والليكود لا يستطيعان تشكيل ائتلاف، فمن غير المتوقع أن يكون أمام غانتس خيار آخر سوى انتقاد الليكود بسبب رفضه التخلي عن زعيمه، و”إعادة التفويض” عاجلا أم آجلا إلى رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، كما فعل نتنياهو ليلة الاثنين.

والآن، إلى البديل:

بدلا من الاستسلام، يمكن أن يعلن غانتس، في نهاية مشاوراته مع الأحزاب المختلفة، أنه سيعرض على الكنيست حكومة أقلية للمصادقة عليها. يمكنه أن يشرح أنه حاول تشكيل حكومة وحدة، وأن نتنياهو أحبط محاولاته، لكن حكومته ستبقي أبوابها مفتوحة أمام الليكود وجميع الأحزاب الأخرى التي تقبل برنامجها.

ما هي الأحزاب التي ستشكل هذه الحكومة؟ يعتمد ذلك على مشاوراته. قد تكون حكومة مؤلفة من 44 عضوا – أزرق أبيض (33 مقعدا)، وحزبا “العمل” (6) و”المعسكر الديمقراطي” (5). قد تكون حكومة مؤلفة من 39 عضوا – بدون المعسكر الديمقراطي. سيكون العامل الحاسم هو ما إذا كان بإمكانها الفوز بأغلبية في الكنيست. ليبرمان كان صرح أن أعضاء حزبه الثمانية في الكنيست لن ينضموا إلى أي شيء آخر سوى إئتلاف بين الليكود وأزرق أبيض (رغم أنه ليس لديه أي اعتراض واضح على مشاركة حزب العمل-غيشر أيضا في حكومة كهذه). وقال جميع الأعضاء الـ 13 في القائمة المشتركة إنهم لن ينضموا إلى ائتلاف غانتس، ولكن هل يدعم بعض أو جميع هؤلاء النواب ال21 في الكنيست حكومة بقيادة غانتس في الكنيست خلال التصويت للمصادقة عليها؟

اذا فعل النواب ال21 جميعهم ذلك، قد يحصل قائد أزرق أبيض على دعم 65 عضوا من أصل 120 في الكنيست. اذا امتنع أعضاء الكنيست الثمانية في حزب ليبرمان عن التصويت، وقامت القائمة المشتركة بدعمه، سيكون لغانتس أكثرية 57-55. فقط في حال عارضه حزب يسرائيل بيتينو، و/أو امتنع أعضاء الكنيست الثلاثة من حزب “التجمع” في القائمة المشتركة عن التصويت أو صوتوا ضده، عندها سيفشل غانتس.

ليس لدى ليبرمان والقائمة المشتركة الكثير من الأمور المشتركة، بعبارة ملطفة، لكن لا يريد أي منهما جولة انتخابات جديدة، وكلاهما يكره نتنياهو. هل يودون حقا الحكم على إسرائيل بالتوجه للمرة الثالثة إلى صناديق الاقتراع في غضون عام، والأهم من ذلك، هل يودون حقا منح نتنياهو طوق نجاة سياسي؟

من شأن حكومة أقلية أن تشكل طريقة صعبة للغاية لحكم إسرائيل وقد لا تدوم طويلا. ومع ذلك، في حين أن الأمر يتطلب أغلبية بسيطة فقط لتشكيل تحالف حكومي كهذا، فإن إسقاط حكومة يتطلب أغلبية مطلقة، 61 صوتا أو أكثر، وطالما أنه يحظى بدعم ليبرمان، سيكون من الصعب إسقاط حكومة غانتس.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورؤساء بقية الأحزاب في الكنيست ال22 في صورة مشتركة مع رئيس الدولة رؤوفين ريفلين خلال المراسم الافتتاحية للبرلمان المنتخب حديثا، في القدس، 3 أكتوبر، 2019. (Hadas Parush/Flash90)

لماذا قد يختار ليبرمان دعم حكومة أقلية كهذه، والتخلي عن مطلبه بشراكة بين أزرق أبيض والليكود؟ هو وزملاؤه قدموا جميع الأسباب التي قد يستشهد بها.

يوم الثلاثاء، على سبيل المثال، انتقد ليبرمان نتنياهو لأنه منع تشكيل مثل هذه الحكومة على وجه التحديد “لأسباب شخصية”، وسخر من نواب الليكود ووصفهم بال”جبناء” للسماح لرئيس الوزراء بجرهم “ضد إرادتهم ومصالحهم” نحو انتخابات أخرى. يوم الأربعاء في مقابلة مع إذاعة الجيش، زعم عضو الكنيست إيلي أفيدار (يسرائيل بيتينو) أن نتنياهو أهدر الأسابيع الأربعة الماضية وهو يعيق حكومة الوحدة وقال إنه يأمل في أن نتنياهو لا ينوي الاستمرار في ذلك في الأسابيع الأربعة المقبلة.

في المشاورات التي سيجريها، سيرغب غانتس على الأرجح بداية بمناقشة الخطوط العامة لحكومته التي يزمع تشكيلها مع ليبرمان، بما في ذلك تنفيذ سياسات رئيسية يطالب بها ليبرمان وتتفق مع أجندة أزرق أبيض، مثل رفع عدد الجنود الحريديم في الجيش الإسرائيلي. (في مقابلة أجريت معه في شهر أغسطس، قال رقم 2 في أزرق أبيض، يائير لابيد، لكاتب هذا المقال، بشكل لافت للنظر، إن ليبرمان يدفع بنفس “الأهداف الليبرالية والوسطية وفكرة إسرائيل الحرة” التي جعلته يدخل عالم السياسة. “أشياء ملموسة حقا، والتي يصادف أنني اتفق معها. لذلك أنا سعيد. لا يهمني عندما يقول لي أشخاص ’قد تخسر الأصوات [لليبرمان] بسبب ذلك’”).

رئيس حزب ازرق ابيض بيني غانتس يلتقي برئيس حزب يسرائيل بيتينو أفيغدور ليبرمان، 23 سبتمبر 2019 (Elad Malka)

وسوف يقوم غانتس أيضًا، بحسب الافتراض، بطمأنة ليبرمان جول استعداده لقبول ترتيبات تقاسم السلطة المتساوية التي أوصى بها ريفلين، بشرط أن يتولى غانتس رئاسة الوزراء اولا. ويمكنهم بعد ذلك المضي قدما لمناقشة قضايا الميزانية، وأخيرا، التأكيد على استعدادهما المشترك للسماح للأحزاب الأخرى بالانضمام إلى التحالف إذا قبلوا مبادئه التوجيهية. وبالتالي، سيكون غانتس قد شارك بشكل جدي في خطة ليبرمان المكونة من أربع مراحل للحكومة المقبلة، على النحو المنصوص عليه قبل أسبوعين.

اللعب بحسب البطاقات التي قدمها الناخبون

إذا كان كل هذا يبدو مربكا بعض الشيء، مخادعا، وحتى رخيصا، فهذه هي البطاقات التي قدمها جمهور الناخبين المتنوعين في إسرائيل للسياسيين. نظامنا هو أحد الانظمة التي تعكس بشكل تام اختيارات الناخبين – التمثيل النسبي المطلق بمجرد تجاوز العتبة الانتخابية، التي قيمتها 3.25%. وبمجرد ظهور النتائج، يعود الأمر إلى الاشخاص الذين اخترناهم أن يلعبوا بالبطاقات لتحقيق أقصى فائدة لهم.

مقارنة بالمناورات التي نشهدها حاليًا في وستمنستر، حيث تبين أن رئيس الوزراء بوريس جونسون قد علق بشكل غير قانوني “أم البرلمانات” بينما يحارب من أجل إخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن تشكيل حكومة أقلية هو امر صغير. ما حاول نتنياهو فعله لمدة ستة أسابيع في أبريل ومايو، ولمدة 26 يومًا اضافيا الآن، وما أمام غانتس الآن 28 يومًا للمحاولة تحقيقه، هو ببساطة استمرار لسبعة عقود متواصلة من السياسة والحكومة الإسرائيلية المعقدة، المليئة بالاحتكاكات ومتعددة الأطراف.

’بمجرد أن تتولى حكومة لا يقودها نتنياهو السلطة، أو حتى ان تكون على وشك تولي السلطة، فقد يبدأ حدوث ما لم يتمكن تصوره من قبل. قد ينمو ائتلاف الأقلية إلى ائتلاف أغلبية’

بمجرد تولي ائتلاف تمت الموافقة عليه السلطة، سيتم تحرير إسرائيل من الحكومات الانتقالية، مع صلاحياتها المحدودة، التي تحكم منذ حل الكنيست في أواخر ديسمبر الماضي. ويمكن أن يبدأ البرلمان التشريع – لأول مرة منذ ما يقرب من عام. وأفادت تقارير أن أزرق أبيض يدرس دفع مشروع قانون يجبر رئيس الوزراء بالتنحي إذا وجهت إليه تهم، كما يطلب من الوزراء.

وبمجرد أن تتولى حكومة لا يقودها نتنياهو السلطة، أو حتى ان تكون على وشك تولي السلطة، فقد يبدأ حدوث ما لم يتمكن تصوره من قبل. قد ينمو ائتلاف الأقلية إلى ائتلاف أغلبية. وكان لابيد ونفتالي بينيت من حزب اليمين الجديد يصفان أحدهما الاخر ب”إخوان”، أتذكرون؟ وقد وعد الزعيم الروحي لحزب شاس في الأسبوع الماضي لابيد وليبرمان بالآخرة، إن كانا ينضمان الى حكومة مع أعضاء الكنيست اليهود المتشددين.

وحتى البعض في الليكود – الذين يقفون إلى جانب نتنياهو بالإجماع في الوقت الحالي – قد يبدؤون ربما بالتساؤل عن سبب دعمهم لقائد فشل مرتين في خمسة أشهر في الفوز في الانتخابات التي بادر اليها. وإذا تم اتهام نتنياهو، فمن المرجح أن يفعلوا أكثر من التساؤل.

عودة إلى عصر التناوب: رئيس الوزراء يتسحاق شمير (إلى اليسار) ووزير الخارجية آنذا ، شمعون بيرس، يستمتعان برفقة بعضهما البعض خلال احتفال “ميمونة” في القدس، 15 مارس / آذار 1988. (Nati Harnik / Government Press Office)

أود أن أؤكد أن كل ما سبق لا يشكل مسار عمل موصى به لغانتس. وقد يقرر أن ينتظر لفترة أطول قليلاً، وان يعيد التفويض، ويستغل الفرصة انه لا يمكن أي شخص آخر تشكيل حكومة في الأيام الـ 21 النهائية المسموح بها بموجب القانون، والأمل في تحسين أدائه في الجولة الثالثة من الانتخابات.

علاوة على ذلك، ربما يفكر في فشل مناورة شمعون بيريس التي قام بها عام 1990، عندما اعتقد زعيم حزب العمل أن لديه أصوات كافية للإطاحة باسحق شامير من حزب الليكود، لكنه معطياته كانت خاطئة لأنه وضع ثقة غير مبررة بالوعود الفارغة من قبل حلفاء مفترضين.

رئيسة حزب ’كاديما’ في ذلك الوقت، تسيبي ليفني، خلال لقاء مع زعيم ’الليكود’ بينيامين نتنياهو في القدس، الأحد، 22 فبراير، 2009. (Kobi Gideon / FLASH90)

ولكن قد يتذكر غانتس مصير تسيبي ليفني، التي كان يمكن ان تصبح رئيسة للوزراء في عام 2008، إذا كانت تعاملت مع المفاوضات الائتلافية بشكل مختلف، ولكنها الآن منسية سياسيا.

ومن الجدير الذكر ان حزب كاديما حصل على مقعد واحد أكثر من الليكود في عام 2009، تماما مثلما حصل لحزب غانتس، أزرق أبيض في سبتمبر.

لكن نتنياهو هو من قام بتشكيل الحكومة في ذلك العام، وهو في السلطة منذ ذلك الحين.

وزيرة الخارجية آنذاك، تسيبي ليفني، تصل إلى مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس شمعون بيرس في مقر إقامته في القدس في 22 أيلول / سبتمبر 2008. طلب ​​بيرس من ليفني تشكيل حكومة جديدة بعد استقالة إيهود أولمرت، وفتح الطريق لحزب كاديما الجديد لتصبح ليفني ثاني رئيسة وزراء في تاريخ إسرائيل. لكنها لم تستطع كسب الدعم الكافي في الكنيست. (Olivier Fitoussi /FLASH90)