مرت سنة منذ خطاب الزعيمين الفلسطيني والإسرائيلي في مؤتمر سبق الجمعية العامة للأمم المتحدة. سنة وشيء لم يتغير. من ناحية، بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء، الذي يواصل التلويح بالصور والرسوم البيانية بينما محمود عباس (أبو مازن)، الرئيس الذي يلوح منذ عامين يهدد باللجوء إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

نتنياهو لم يعرض رؤية للسلام أو لبرنامج سياسي حقيقي، عباس من جهته، قدم أحد الخطابات الأكثر قوة ضد إسرائيل، بما في ذلك إتهامات الإبادة الجماعية. كان رد فعل حكومة نتنياهو شديداً ضد ما أقوال عباس، لكن مكتب نتنياهو مدين أيضا لأبو مازن. دون الإتهامات الخطيرة الموجهة من الرئيس الفلسطيني ضد إسرائيل، على ماذا كان يمكن سيركز رئيس الوزراء في خطابه لجمعية الأمم المتحدة؟ إذ أنه منذ عدة سنوات يتحدث نتنياهو يتحدث عن الخطر الإيراني ولا يفعل شيئا. تولى الأميركيين على انفسهم محاربة داعش. إن حماس تعتبر موضوع لطيف مقارنة مع داعش ولكن الجمهور الإسرائيلي وخاصة وسائل الإعلام الذين فهموا أن نتنياهو يريد ابقاء حكم حماس في القطاع، لم يكونوا ليردوا باهتمام فائض للخطاب الذي كان كل مضمونه هو أن حماس منظمة إرهابية، وهنا صدرت كلمات أبو مازن وسمحت لمكتب رئيس الوزراء لإظهار السفر إلى نيويورك كرحلة يقودها نتنياهو لإنقاذ دولة إسرائيل من عباس.

أوضح رسل ومقربي رئيس الوزراء أن أبو مازن، نفس الرئيس الفلسطيني الذي قدم لنا معلومات حول خاطفي الثلاثة أولاد الإسرائيليين، والذي أخضع حماس في مفاوضات أدت إلى وقف إطلاق نار، إنه في الواقع تهديد إستراتيجي لإسرائيل.

إنضم إلى جهود تفسير نتنياهو (في طائرة منفصلة طبعاً) وزير الخارجية افيغدور ليبرمان. لقد إستطاع بالفعل الشرح أن أبو مازن فقد رؤيته للواقع، وقال أنه لا يمثل أي شخص’. ليبرمان لم يتوقف عند هذا في تحدثه عن عباس. واضاف ‘انه لا يملك الشرعية للتحدث بالنيابة عن الشعب الفلسطيني’. في وقت لاحق, استطاع وزير الخارجية على الاقل ان يغرس بي الانطباع بأن هناك زعيم أو زعماء فلسطينيين الذين يعرفهم ليبرمان، والذين اكثر اعتدالا من عباس، اكثر شعبية منه والذين على استعداد تقديم تنازلات كبيرة. سيكون من المشوق معرفة الاشخاص الذين يقدمون المشورة لليبرمان في مسالة الفلسطينيين (أو الشرق الأوسط)، مصدر المعلومات التي يتلقونها وكيفية صياغتهم لصفحة الرسائل التي تهدف إلى إضعاف، بأكبر صورة ممكنة، الشخص الوحيد الذي لا يزال على إستعداد لإجراء محادثات مع إسرائيل وعدم إستخدام العنف. وإذا لم يدرك نتنياهو وليبرمان الواقع، قد يكون من المحبذ لاولئك المستشارين لتبشيرهما أن البديل لعباس (على إفتراض أن ليبرمان لا يخفي في منزله قائدا فلسطينياً لا نعرفه)، هي حماس تظهر أحدث إستطلاعات الرأي في الأراضي المحتلة ان سكان الضفة الغربية وقطاع غزة يتكلمون عن ذلك، ولكن المثلث الرائد في الحكومة الإسرائيلية غير مهتم لذلك. بالنسبة لهم عباس هو العدو الحقيقي. حماس؟ على العكس. مع المنظمة الإرهابية في غزة يسعون لتحقيق إستقرار للوضع وسيسمحون لإعادة إعمار غزة قريبا.

مع ذلك، لماذا بالغ عباس وقال ما قاله؟ هناك سببان رئيسيان لهذا الخطاب الغاضب، حيث ماذا عسانا نقول، لم يكن على علاقة بالواقع. إسرائيل لم تقم بإبادة جماعية في غزة والسلطة الفلسطينية تدرك ذلك. السبب الأول, الرأي العام الفلسطيني. الاستطلاعات الأخيرة (مثل إستطلاع معهد الإستطلاعات لخليل الشقاقي يوم الإثنين)، تشير إلى أنه على الرغم من ضعف الدعم لحماس منذ الحرب في غزة. لكن حتى الان، إذا تم اجراء الانتخابات اليوم, اسماعيل هنية سيهزم الرئيس عباس. هكذا ايضاً في المنافسة بين حماس وفتح. عباس يعلم بالاعداد وميل الرأي العام لصالح حركة حماس منذ الحرب. وهو يعلم أيضا بعدد آخر من المعطيات التي أشار إليها إستطلاع خليل الشقاقي: حماس أكثر شعبية في الضفة الغربية من في غزة. يبدو هذا مثل نكتة حزينة، ولكن وفقا للمسح، أشخاص أكثر في الضفة الغربية يدعمون إطلاق الصواريخ على اسرائيل من مناطق مأهولة بالسكان مما كانت عليه في غزة. بعبارة أخرى، سكان رام الله وبيت لحم الذين إحتفلوا بعيد الفطر مع بعض الراحة في منازلهم (مع هذا، لا يزال هناك الإحتلال) وسيحتفلون بعيد الأضحى من بعد غد السبت، ظهروا أكثر راديكالية في نهجهم لمحاربة إسرائيل. سكان الضفة الغربية الذين لم يشعروا بالحرب بشكل فعلي، ناهيك عن انهم لم يفقدوا منازلهم بسبب القصف الاسرائيلي، يحجمون عن تجنيد سكان غزة لاستمرار محاربة إسرائيل. تطرف تصريحات عباس تهدف إلى منع تآكل الرأي العام في الضفة الغربية، الذين لا يرون التعاون الأمني ​​مع إسرائيل بصورة جيدة. معطى مركزي اخر, يشير اليه الاستطلاع، هو أنه كلما ابتعدنا عن نهاية عملية ‘الجرف الصامد’، كما هو متوقع، يقل الدعم لحماس – طالما لم يزول الحصار المفروض على غزة. أي أن مصلحة السلطة ومصر إلى حد ما، تختلف عن تلك لإسرائيل وحماس. في حين أن الأخيرات، تود أن ترى اعادة تاهيل سريعة لحماس، حتى تثبت أن هناك انجازات للحرب ولإسرائيل حتى تمنع حرب أخرى. السلطة ومصر اللتان تريدان أن ترى حماس ضعيفة، ترغب في المماطلة لاطول وقت ممكن. بعبارة أخرى، لإعادة بناء غزة بنفس الطريقة التي تعبر بها السلحفاة الطريق: ‘بطيء جداً’.

السبب الثاني لخطاب عباس، هي خيبة الأمل من الحكومة الإسرائيلية، من الصعب أن نتخيل أقوال أكثر إستفزازاً لعباس من تلك التي ذكرها أمام الجامعة العربية بعد خطف الثلاثة أولاد، ضد حماس. من الصعب أن نتخيل زعيم فلسطيني الذي كان سيلتزم بشكل صريح وعلني للعثور على الخاطفين وتقديم معلومات مهمة عنهم. لكن الرد الإسرائيلي كان، كالعادة، مستهزئ، مسيئ ومتجاهل. أدرك أبو مازن أنه هذه المرة أيضاً لا يوجد شريك للمحادثات وأن نتنياهو لا يقل قلقاً عنه من إستطلاعات الرأي، لا يخطط للقيام بخطوة كبيرة لإنقاذ عملية السلام. على العكس من ذلك، الإعلان عن مصادرة الأراضي في غوش عتسيون بعد الحرب كان دليلاً للرئيس الفلسطيني أنه لا شريك له لمفاوضات.

مشكلة إسرائيل هي أن قيادتها بعيدة عن الواقع الناشئ الآن في الضفة الغربية وخصوصا في مكتب عرفات في رام الله وليس فقط في غزة. صحيح أن الجمهور في الضفة الغربية لا يسارع لإشعال إنتفاضة ثالثة وخير دليل على ذلك، هو الهدوء النسبي خلال ‘الجرف الصامد’، لكن أحد الأسباب لبقاء الجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية في منازلهم حتى بعد وفاة 2150 من سكان غزة، هي السلطة وقوات الأمن الفلسطينية. ما لم يدركوه حتى الآن في القدس وفي تل أبيب، هو الحقيقة أنه بالمقاطعة إستبدلوا ‘الشريط’. عباس لم يعد ينشر تهديدات كاذبة. لقد قرر أن يلجأ إلى خطوة دبلوماسية هامة ضد إسرائيل، حيث رأينا براعمه هذا الأسبوع في المجلس الأمني للأمم المتحدة (تم توزيع نسخة لمشروع قرار ينهي الإحتلال الإسرائيلي بين بعض أعضاء مجلس الأمن، والآن على واحد منهم تقديمه رسميا إلى مجلس). المعنى الأكثر إهمية لإسرائيل ستكون بالفترة الزمنية التي بين 6-12 شهرا. عندها تخطط السلطة إلى اللجوء إلى المنظمات الدولية وإعلان فلسطين ‘كدولة تحت الإحتلال’. في المقابل، سيتم إنهاء التنسيق الأمني. لم يعد هذا تهديداً عديم المعنى. يعتقد محمود عباس أنه في ضوء ‘إنعدام الشريك’، لم يبقى لديه أي خيارات أخرى. وإذا تحقق هذا السيناريو، إحتمال إشتعال الضفة الغربية، سيكون مختلف عما عرفناه حتى الآن.