كان هذا واحدًا من أكثر الأيام نجاحًا لحماس في الفترة الاخيرة، خاصة بالمقارنة مع الأيام الصعبة التس شهدتها الحركة منذ سقوط “الإخوان المسلمين” في مصر.

تقوم حماس منذ أشهر بالتحضير لتظاهرة من خطط لها ان تكون يوم الاحد لإحياء الذكرى العاشرة لاغتيال الشيخ أحمد ياسين. جهزت حافلات لنقل الحشود، ولافتات تحمل صور ياسين والشهداء المشاهير الآخرين (عبد العزير الرنطيسي وابراهيم مقادمة)، وكاميرات فيديو وطائرات صغيرة التي تحولت في وسائل إعلام حماس إلى “طائرات من دون طيار”.

ومع ذلك، خشى المنظمون من أن لا يكون عدد المشاركين كبيرًا . فرغم كل شيء، خلال التصعيد الأخير في غزة، قبل أسبوع ونصف من التظاهرة، برز غياب حماس عن ساحة الاقتتال بين الجهاد الإسلامي وإسرائيل. الوضع الاقتصادي في قطاع غزة غير مزدهر على أقل تقدير: الأنفاق مغلقة، ومعدل البطالة خاصة في صفوف الشباب عال جدًا (حوالي 41%) وقطاع العقارات متوقف عن العمل بسبب عدم إدخال مواد بناء من إسرائيل. ولكن مع ذلك شارك مئات الآلاف في التظاهرة يوم الأحد. وامتلأ مركز مدينة غزة باللون الأخضر في عرض قوة مثير للإعجاب.

تدين حماس بنجاحها لإسرائيل من عدة نواح. فقبل يوم من العملية التي قام بها أفراد وحدة القوات الخاصة للشرطة في مخيم جنين للاجئين حيث قتلوا خلالها حمزة أبو الهيجا، نجل أحد رموز حماس في الضفة الغربية، جمال، الذي اعتُقل عام 2002 لدوره في العمليات النتحارية. قتل مع حمزة فلسطينيين آخرين أيضًا، أحدهما ناشط في الجهاد الإسلامي والآخر في كتائب شهداء الأقصى.

نجح قتل الثلاثة بإيقاظ الشارع في القطاع وفي الضفة وكذلك في إيقاظ حماس، ومرة أخرى في مخيمات اللاجئين بشكل خاص. يوم السبت أقيمت الجنازة بمشاركة 15 ألف شخص، وذكرت بنواح كثيرة الأيام الأولى للانتفاضة الثانية. تلونت المدينة باللون الأخضر. وسار الآلاف في الشوارع، وفي مقدمتهم سياسيون من كل المنظمات بما في ذلك حماس ورافقهم كل الوقت مسلحون. وسُمعت مرارًا وتكرارًا دعوات للانتقام من إسرائيل ولكن أيضًا انتقادات قاسية للسلطة اللفلسطينية التي تقوم بالتعاون مع قوى الامن الإسرائيلية.

والد الشهيد، جمال، موجود في السجن الإسرائيلي. التقيت معه لأول مرة في 2004 في أطار تحقيق لكتاب “الحرب السابعة” الذي كتبته مع الصحافي عاموس هارئيل، حول الانتفاضة الثانية. عقيدته كانت متطرفة وواضحة. فسر عندها اختيار حماس تجديد العمليات الانتحارية داخل إسرائيل، بعد أشهر قليلة من بداية القتال. ادعى ان حماس أرادت عندها “القيام بتغيير في مفهوم الإسرائيليين الذين اعتقدوا ان بإمكانهم الاستمرار بالاحتلال إلى الأبد.

لم تأت المفاوضات السياسية بأي تغيير. في المقابل فإن العمليات الاستشهادية جعلت الإسرائيليين يشعرون بالألم الذي نشعر به….”. مسؤول آخر أجريت معه مقابلة في نفس الموضوع هو الشيخ حسن يوسف، والذي قابلته في السجن أيضًا. ادعى يوسف أن أنصار معسكر السلام في إسائيل بالذات، “الذين تحدثوا عن نهاية الاحتلال والانسحاب، هم الذين دفعونا لاتخاذ قرار الاستمرار بالعمليات الاستشهادية… وكان واحد من أفضل الادلة بالنسبة لنا للانقسام الذي ظهر في المجتمع الإسرائيلي نتيحة للعمليات الاسشهاديةهو ظاهرة رفض الخدمة العسكرية. فكرنا في تعميق هذا الانقسام واستعمال سلاح الاستشهاديين تحول إلى مسألة إجماع في الحركة.”

هذا الأسبوع قابلت يوسف مرة أخرى، هذه المرة في مكتبه في رام اله. قبل أيام من هذا اللقاء، سار في مقدمة الجنازة في جنين ورأى الحشود التي تجمعت حول التوابيت. يبدو ذلك كعودة مماثلة تمامًا للأيام الأولى من الانتفاضة الثانية، عندما ترأس تظاهرات الحركة ودعا للانتقام. ومع ذلك مرت الكثير من السنين منذ 2000 ويبدو يوسف أكثر اعتدالًا وبرغماتية. في السنوات الاخيرة أصبح ابنه، مصعب من المشاهير نوعًا ما: نجل قائد حماس في الضفة الغربية، والذي كان عميلًا للشاباك على مدى عشر سنوات، ألف الكتاب الناجح “الأمير الأخضر” وأصبح محاضرًا مطلوبًا في كل مكان حول العالم. لا يدلي الشيخ بأي مقابلة حول هذا الموضوع وهناك انقطاع تام بينه وبين مصعب. مع أنني كشفت هذه القضية حينها ولكنه يرفض كسر صمته في هذا الموضوع.

يبدو الشيخ يوسف واثقًا بقوة حركته بالرغم من أن الكثير من المراقبين في الفترة الاخيرة يقولون أن هناك انخفاض في تأييد حماس. “هذه تقديرات غير دقيقة. المظاهرات والمسيرات التي رأيناها في الأشهر الأخيرة، والتي معظم المشاركين فيها هم من انصار حماس، تدل على التأييد الواضح للحركة. انظر ما حدث بعد تحريري من السجن (قبل شهرين). ثلاثة أيام بعد التحرير تم إجراء استقبال على شرفي في مدينة البيرة. حضر آلاف الفلسطينيين إلى هناك لاستقبالي. الحماس حاضر هنا في الضفة. هذه حركة شعبية مع عمق وليست مجرد مجموعة فكرية تغير من ايديلوجيتها. إذا لم يكن لدينا مسؤولين يتحدثون في الفترة الأخيرة في وسائل الإعلام فهذا ليس بسبب عدم وجود تأييد لنا، ولكن بسبب خشيةرؤساء المنظمة من قوات الامن الإسرائيلية وأجهزة السلطة. ليكن ذلك واضحًا- أدرك أنا أيضًا أنه في كل لحظة قد يقوم الاحتلال باعتقالي. هذ مسألة وقت فقط قبل أن يأتوا.”

“على الجميع، إسرائيل والسطلة الفلسطينية الاعتراف بحماس. بوجودنا. لأن هذا واقع لا يتغير. استمرار ملاحقة قيادة الحركة لن يحل شيئًا. انظر ما حدث لنا منذ اغتيال الشيخ أحمد ياسين. اعتقدتم أن ذلك سيضعفنا ولكن في الواقع ازدادت قوة الحركة. أنتم تعملون ضدنا، تلاحقوننا وتقتلون رجالنا. فماذا تتوقعون منا بالضبط؟ إذا فكرتم في عملية منطقية ومتوازنة فستدركون أنه لا مهرب من العمل بطريقة أخرى. انظروا ما حدث في غزة. بعد حربين ادركت إسرائيل أنه لا خيار أمامها سوى تقبل وجود حماس في غزة. وهنا عليها فعل ذلك أيضًا. فهي توصلت إلى اتفاق تهدئة مع المنظمة في القطاع. ما معنى الاتفاق؟ أن إسرائيل تعترف بجود حماس. تحافظ المنظمة من جهتها على وقف إطلاق النار حتى في ايام صعبة وتحت الحصار. هذا اثبت أن حماس تلتزم بالاتفاقات التي توقع عليها. يمكنها السيطرة على الشارع وهناك تسلسل هرمي واضح مع قيادة واحدة.”

عندما سألته عن موقف حماس من اتفاق سلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، قال انه إذا تم إجراء استفتاء شعبي في الموضوع كما تعهد محمود عباس (أبو مازن) فستحترم المنظمة النتائج.

“وماذا سيحدث إذا شمل الاتفاق تنازلًا عن حق العودة؟”

“أنا متأكد من ان أبناء شعبنا لن يتازلوا عن حق العودة. كل الجمهور الفلسطيني مع هذا الحق. عمليًا فإن أساس الصراع هو حق العودة.”

خلال اللقاء لم يتردد يوسف بانتقاد مصر أيضًا. “نحن أكدنا أنه ليس لدينا أية نية في التدخل في شؤون داخلية مصرية وطلبنا منهم تقديم اسم شخص من حماس معتقل عندهم بسبب نشاط ضد الدولة. المشكلة هي أنه بسبب المشلكة بينهم ووبين الإخوان المسلمين، فهم متأكدين بأننا جزء منهم. نحن لسنا كذلك. فكريًا، هذا صحيح، إنها نفس الأيديولوجيا. ولكن ليس على المستوى التنظيمي. فنحن نكتفي بمواجهة إسرائيل في الاراضي المحتلة.”