المقدسيون الذين عاشوا بفترة الإنتفاضة الثانية يذكرون واقع تلك السنوات، بين عام 2000-2003، جيد جدا. مجرد التواجد في الشارع كان بمثابة مخاطرة.

تقريبا بشكل شهري، أو بشكل أسبوعي، أرهبت التفجيرات الإنتحارية المدينة، ودمرت كل حس بالأمان هنا. معاناة القدس كانت الأعظم، ولكنها لم تكن خاصة: المتفجرون الإنتحاريون ضربوا تقريبا جميع المدن الإسرائيلية.

هجمات الأسابيع الأخيرة في القدس عبارة عن عودة الهجمات الإنتحارية، ولكن هنالك فروقات هذا المرة. هؤلاء ليسوا مرتديي أحزمة محملة بالمتفجرات أو قائدي سيارات مفخخة. إنهم “ببساطة” يستخدمون سياراتهم وجراراتهم كأسلحة، وهم متواجدون بشكل مكثف جدا في القدس.

فرق آخر هو أن الهجمات الإنتحارية خلال الإنتفاضة الثانية كانت من تدبير شبكة الإرهاب الحماسية. الآن، يبدو أن التعليمات العامة من قيادة حماس، بدون البنية التحتية العسكرية المنظمة، كافية لإثارة موجة من الهجمات، ولتدمير حس الأمان في القدس مجددا.

قوات الأمن الإسرائيلية حاولت جاهدًا خلال الإنتفاضة الثانية تحديد شخصية المتفجر الإنتحاري “النموذجي،” لصد الهجمات بشكل أنجع، لكن لم ينجحوا بذلك. في بعض الاحيان المتفجرين كانوا شباب، وأحيانا كانوا نساء متزوجات، مطلقات أو أرامل. بإختصار، لم يكن هناك متفجر نموذجي. اثبت خطأ النظرية أن المتفجرين الإنتحاريين هم شباب، عُزب وفقراء مرة تلو الأخرى.

وهذا صحيح الآن أيضا. من الصعب الإشارة إلى قواسم مشتركة لمرتكبي الهجمات الأخيرة، بما يتضمن محاولة الإغتيال ليهودا غليك يوم الأربعاء الأخير، غير أنهم جميعهم يتعاطفون مع منظمات إسلامية، حماس بشكل خاص.

مرتكب هجوم يوم الأربعاء في شارع 1 في القدس، إبراهيم العكاري، كان أب لخمسة أطفال عمره (48 عام)، من عائلة التي تتعاطف مع حماس. ليس الإرهابي “النموذجي.” مرتكب محاولة إغتيال الأربعاء الماضي معتز حجازي كان سنه أصغر بكثير، مثل مرتكبي الهجمتان السابقتان ضد المشاة المقدسيين في شهري اغسطس واكتوبر.

المشترك بين الإرهابيون عام 2014 وفي فترة الإنتفاضة الثانية هو أنهم لم يتوقعوا أن يعودوا من عملياتهم؛ إرادتهم قتل الإسرائيليين تغلب إرادتهم للحياة.

وزير الأمن الداخلي يتسحاك اهرونوفيتش قد يكون صادق بقوله بأن هذه ليست إنتفاضة جديدة. فعلا، الأوضاع لا تشبه الإنتفاض المنتشر وقت الإنتفاضة الأولى (من عام 1987-1993)، ولا يشبه الإنتفاضة الثانية، ولكن لا يمكن نفي أنه هنالك ظاهرة جديدة التي تضرب القدس، التي قد تلزم إبتكار إسم جديد. ربما ليس إنتفاضة، ولكن إسم الذي يعكس كلا من الهجمات الإنتحارية بواسطة السيارات والجرارات والمظاهرات الصغير في الشوارع. في الوقت الحالي المظاهرات في الأحياء العربية في القدس الشرقية يأتيها العشرات، أحيانا المئات، ولكن هذه ليست الحشود التي واجهت قوات الأمن الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية أيام الإنتفاضة الأولى والثانية.

هذه التركيبة الجديدة لم تنتهي، مرت أسابيع والعنف يستمر في القدس. أحيانا هناك هدوء لبضعة أيام، ولكن بعدها العنف يعود.

صانعي القرار في إسرائيل يميلون لتوجيه أصابع الإتهام نحو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والإصرار على أنه هو المسبب للعنف هذا. يبدو انه من الأنسب لهم أن يتجاهلوا كلا من الدعم المنتشر لأهل القدس الشرقية للعنف ومسؤولية حماس في اثارته – على الأقل فكريا إن ليس عمليا.

حماس هي التي تنادي للهجمات والمظاهرات، وهذا يعني أن حكومة إسرائيل عليها أن تتعامل مع المسؤولون – القصد لقيادة حماس في غزة، ولكن لا أحد في إسرائيل – أو في قيادة حماس في غزة – يريد تصعيد آخر للعنف هناك.

وعامل آخر الذي يفضلون تجاهله هو دور إسرائيل في التدهور الحالي للأوضاع. الحكومة لا تتصرف لضبط منظمات اليمين المتطرف، التي يبدو أنها تعمل تماما مثل حماس لإشعال الحرم القدسي والمسجد الاقصى.

في حال إنعدام أي عملية دبلوماسية مع عباس، لا يمكن توقع إنتهاء هذا العنف الجديد في القدس في المستقبل القريب. إن كانت إنتفاضة ثالثة أم لا، يبدو أنها سوف تستمر بضرب القدس.