تخللت الجلسة النارية التي عُقدت في الكنيست الأربعاء حالات هيجان لسياسيين ولأهالي ثكالى، مذكرة بميادين المعارك والأرض المحروقة التي لا تزال موجودة بعد نحو ثلاث سنوات من حرب غزة 2014. من خلال المشاعر والأجواء المشحونة للغاية، بدت حقيقة واحدة واضحة للعيان: لإسرائيل لا توجد أدنى فكرة حول كيفية التعامل مع قطاع غزة.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو ظهر أمام لجنة رقابة الدولة في البرلمان الإسرائيلي صباح الأربعاء، ظاهريا للإجابة على أسئلة تتعلق بتقرير مراقب الدولة اللاذع حول إدارة حكومته للحرب، التي تُعرف في إسرائيل بإسم عملية “الجرف الصامد”.

سكان القطاع، الذي كان تحت السيطرة المصرية في أعقاب حرب إستقلال إسرائيل في عام 1948، حكموا أنفسهم إلى حد كبير تحت قيادة “حكومة عموم فلسطين” حتى عام 1959 عندما قام الرئيس المصري حينذاك جمال عبد الناصر بحل الحكومة المحلية وفرض حكم عسكري أكثر كلاسيكية، أكمله مع حاكم.

في عام 1967، استولت إسرائيل على غزة، وقامت بإقامة عدد من المستوطنات في داخل المنطقة ووضعت الفلسطينيين تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. اتفاقية أوسلو والإنسحاب الأحادي الإسرائيلي ترك للسلطة الفلسطينية مسؤولية حكم المنطقة بعد عام 2005، ولكن المعادلة تغيرت بسرعة بعد إستيلاء حركة حماس على السلطة في عام 2007.

توسع حماس في قطاع غزة وفرض سيطرتها الكاملة في نهاية المطاف في عام 2007 غرس في نفوس الإسرائيليين كراهية شديدة للخطوات الأحادية وشكوك كبيرة بشأن تنازلات عن الأراضي.

اليوم، يقف  قطاع غزة على شفا أزمة إنسانية كاملة. التيار الكهربائي في القطاع الساحلي غير منتظم في الأيام الجيدة وغير موجود تماما في الأيام الأخرى، بسبب صراع بين حماس والسلطة الفلسطينية حول مدفوعات الوقود. نسبة البطالة اجتازت الـ -40%، والإقتصاد يعتمد على مساعدات خارجية. المياه في القطاع من المتوقع أن تكون غير صالحة للشرب بحلول 2020.

مواد البناء المعدة لإعادة بناء غزة يتم تحويل معظمها من قبل حماس وإستخدامها بدلا من ذلك لإنشاء بنى تحتية ومخابئ تحت الأرض، بحسب مسؤولين إسرائيليين.

وعلى الرغم من فك الإرتباط ظاهريا مع القطاع قبل أكثر من عقد من الزمن، أبقت ثلاث حروب وحصار وإطلاق صواريخ بين الحين والآخر وتوتر على الحدود مصير القطاع بصورة حتمية بين أيد إسرائيلية.

ومع ذلك، النقاش الذي دار في الكنيست الأربعاء حول القطاع عاد مرارا وتكرارا وانتهى في النقطة التي بدأ منها بالضبط، نقطة اللامكان.

عضوا الكنيست دافيد بيتان وميكي زوهر صدما الجالسين في القاعة – والدولة كلها تقريبا – بعد الجدل الذي دخلا فيه مع أهالي جنود قُتلوا خلال الصراع. في مرحلة معينة، نعت بيتان والد أحد الجنود القتلى بـ”الكاذب”. وزوهر اتهم والدة أحد الجنود الذي لا تزال جثته محتجزة من قبل حماس في غزة بـ”المبالغة”. (لست بحاجة لتكون خبيرا في المجتمع الإسرائيلي – والمكانة المقدسة للعائلات الثكلى فيه – لإدراك أن ما حدث يعتبر خرقا وحشيا لكل ما يتعلق بالآداب العامة).

الجدل احتدم بين أعضاء من الإئتلاف الحكومي وأعضاء من المعارضة حول كل نقطة بدءا من هيئة البث العام وصولا إلى الإضراب عن الطعام الذي أعلن عنه الأسرى الفلسطينيين مؤخرا.

عضو الكنيست عوفر شيلح من حزب “يش عتيد”، صحفي سابق مختص بالشؤون العسكرية، ناقش بالتفاصيل مع السكرتير العسكري لنتنياهو، العميد إليعزر توليدانو، مسألة متى بالتحديد قام الجيش الإسرائيلي بتجهيز خططه لتدمير الأنفاق. النقاش بينهما، الذي استمر بين أروقه الكنيست أيضا، وصل إلى حد المصطحلات حول ما يشكل “أمرا” وما يشكل “توجيها”.

محاولات بعض السياسييين من اليسار، أمثال رئيسة حزب “ميرتس” زهافا غلئون، مناقشة امكانية وجود حل دبلوماسي في قطاع غزة لاقت رفضا تاما من نتنياهو الذي اعتبرها “مثيرة للسخرية”.

بالنسبة لرئيس الوزراء، لا يبدو أن هناك حل شامل لقطاع غزة، بإستثناء الحفاظ على الوضع الراهن.

لا يمكن لإسرائيل أن تقول صراحة أنها مستمتعة بحكم حماس في القطاع، سواء كان ذلك للسبب الواضح بأن الحركة تعتبر تدمير الدولة اليهودية سبب وجودها أو لأن الإعتراف بهذا الأمر سيشجع حماس، المتأكدة من حقيقة أن سيادتها في غزة ليست في خطر حقيقي.

إسرائيل تريد أن تخاف حماس على وجودها وإبقاء التنظيمات الأكثر تطرفا في غزة تحت المراقبة لتجنب ضربات عقابية وانتقامية من الجيش الإسرائيلي.

منذ استيلاء حماس على السلطة في قطاع غزة قبل عقد من الزمن، دخلت إسرائيل تقريبا كل سنتين في صراع مع الحركة السنية. (في العام الماضي تغير هذا التقليد، أو على الأقل تم تأجيله).

اليوم، من يسيطر على حماس في غزة هو يحيى سنوار، الذي يُعتبر متشددا حتى داخل الحركة نفسها.

إلا أن نتنياهو خلال جلسة يوم الأربعاء لم يعط أية إشارة إلى أن الديناميكية في قطاع غزة ستتغير قريبا.

اقتراح وزير المواصلات والإستخبارات يسرائيل كاتس بناء ميناء في غزة يبدو كوهم وتم الإشارة إليه عن طريق الصدفة فقط خلال الجلسة.

إقتراح وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان بالسماح لسكان القطاع بالعمل في غزة لاقى رفضا من نتنياهو، الذي أشار إلى حادثة وقعت في اليوم السابق حيث أوقف جهاز الأمن العام (الشاباك) مريضة سرطان فلسطينية وشقيقتها في طريقهما إلى إسرائيل وهما تحملان مواد متفجرة بإسم حماس.

رافضا احتمال وجود “بديل سياسي”، قال نتنياهو إن الطريقة الوحيدة لردع حماس هي من خلال القوة.

وعسكريا، كما قال، إسرائيل أمامها خياران: الأول، تنفيذ حملة عسكرية مثل الحملات السابقة في 2008-2009، 2012، و2014، “لإستعادة قوة الردع” والحفاظ على الوضع الراهن؛ أو الثاني، إعادة احتلال قطاع غزة.

المشكلة مع الخيار الثاني، بحسب رئيس الوزراء، هو أنه في حال تمت إعادة احتلال القطاع الساحلي، يجب في نهاية المطاف تسليمه لطرف ما. السؤال التالي سيكون طبعا: “ومن سيكون بالضبط هذا الطرف؟”

المتطرفون السلفيون؟ الجهاد الإسلامي؟ السلطة الفلسطينية التي لا حول لها ولا قوة؟

إذا، يدخل وضع غزة في إطار خيار ثنائي، إما أن ترتدع أو أن تكون بحاجة للردع.

في الوقت الحالي، يعتقد الجيش أن حماس في موقف “ردع”.

في حال قررت الحركة تغيير ذلك إلى “الحاجة للردع”، أكد نتنياهو للجنة في الكنيست أن للجيش الإسرائيلي وسائل جديدة ستسمح له بالقيام بهذه المهمة مرارا وتكرارا.