14 مايو 2018، على الأرجح سوف يسجل في التاريخ كأحد اهم الايام الاحتفالية في اسرائيل. اخيرا، الولايات المتحدة سوف تنقل سفارتها الى القدس، وسيكون كل شيء على ما يرام. رئيس الوزراء سوف يقدم خطابا، بمشاركة وزرائه والسفير الامريكي الى اسرائيل دافيد فريدمان، وربما، زيارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب بذاته؛ احتفال حقيقي.

ولكن يتم التجهيز الى “حفلة بديلة”: مظاهرات فلسطينية ضخمة، واضخمها مخططة في قطاع غزة. قد بدأ التجهيز لمسيرات سوف تنطلق باتجاه السياج الحدودي.

من الجدير الذكر أن الفلسطينيون يحيون يوم النكبة كل عام في 15 مايو، يوما بعد تاريخ الاعلان عن قيام دولة اسرائيل بحسب التقويم الغريغوري. وتحيي جميع المنظمات الفلسطينية، بدون استثناء، ذكرى الحدث الذي ادى الى الطرد المفترض لمئات آلاف اللاجئين من أراضيهم. طالما كان يوم النكبة مهرجان كراهية، ويشمل نداءات مباشرة لتدمير اسرائيل وعودة اللاجئين. ولكن هذا العام سوف يشهد خليط خطير بشكل خاص: الذكرى السبعين للنكبة، بالإضافة الى الاحتفاليات التي تخططها اسرائيل والولايات المتحدة حول القدس ونقل السفارة. ولهذا، قد يكون هناك محفزات اضافية للجماهير الفلسطينية للمشاركة في المظاهرات، بما يشمل المسيرات بإتجاه السياج الحدودي في غزة.

ويتم التجهيز للأحداث بالأساس عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ومن بين الناشطين البارزين احمد ابو ارتيمة من غزة، الذي أصبح أحد منظمي المسيرة. وقد نشر ابو ارتيمة صورا من مسيرة مرتفعات الجولان في عام 2011، بالإضافة الى صور مخيمات صغيرة، الرباط، التي تم انشائها على حدود غزة. وشبكات التواصل الاجتماعي ليست المكان الوحيد الذي يتم فيه التجهيز للأحداث. يمكن رؤية الاشارات الأولى، هذه الخيام الصغيرة على الحدود، في الميدان.

هل ستكون هذه النداءات كافية لجمع الالاف، ربما عشرات الالاف، من سكان غزة للمشاركة في المسيرة اتجاه الحدود؟ من الصعب المعرفة. حتى الان، يقترب المئات من سكان غزة من السياج الحدودي كل يوم جمعة، ويواجهون رصاص الجيش الإسرائيلي، ويعودون ادراجهم بعد اصابة عدة متظاهرين. احيانا يصاب بعض الاشخاص، وكثيرا ما يقتلون. هناك احتمال كبير لحدوث مسيرة ضخمة لاتجاه السياج، وما دامت مصاعب سكان غزة مستمرة وتزداد سوءا، ما دانت دوافع الانضمام الى هذه المسيرة تتنامى.

والمصاعب فعلا تزداد سوءا، بدون اي حي حقيقي بالأفق لشكان القطاع. محمد العمادي، السفير القطري، زار غزة الاسبوع الماضي وحول 9 مليون دولار من اجل تشغيل المستشفيات والعيادات الطبية، وايضا من اجل توفير الادوية. ولكن هذه المساعدة بمثابة تقديم الاسبرين لمريض على فراش الموت. لن تنقذ غزة من المعاناة.

وفي المقابل، زارت بعثة من المخابرات المصرية العامة قطاع غزة ايضا. وبينما تأمل البعض ان تأتي النجدة من الجنوب، لم يتمكن المصريون دفع مفاوضات المصالحة بين فتح وحماس. وبدلا من مبادرة لإنقاذ قطاع غزة، تحولت الزيارتين الى معركة بين البلدين المعاديين – قطر ومصر. وفي النهاية، اتضح انه تم ارسال البعثة المصرية الى غزة بينما تتواجد قيادة حماس في القاهرة، بالأساس لضمان عدم احتكار قطر ومبعوثها الاهتمام.

وكيف يبدو ذلك في الواقع؟ البعثة المصرية ارادت المكوث في فندق الموفمبيك، الذي يعتبر افخر فندق في غزة. ولكن عندما علم القطريون بذلك، قاموا باستئجار جميع الغرف في اول طابقين في الفندق. المصريون فهموا الرسالة، واستأجروا الغرف في فندق بالاس في الجهة المقابلة من الشارع. وبعدها قام القطريون بتعليق ثلاثة صور ضخمة – للحاكم القطري، الشيخ تمي بن حمد الثاني؛ والده، الامير السابق، الشيخ حمد بن خليفة الثاني؛ والعلم القطري – وامتدت الصور على طول المبنى. كل صباح عندما استيقظ اعضاء البعثة المصرية، اضطروا رؤية صور قادة قطر.

أزمة قيادة في الضفة الغربية

أين ستكون الضفة الغربية في 14 مايو؟ من الصعب التكهن. حتى الآن، يرفض الفلسطينيون نداءات المنظمات المختلفة للمشاركة في أي مظاهرة. ولميتم اجراء اي مظاهرات ضخمة/ مثل المظاهرات خلال الانتفاضة الاولى والثانية، منذ عدة سنوات. لماذا؟ هناك عدة اسباب.

اولا، مثل الإسرائيليين، الفلسطينيون يركزون اكثر على الشخصي، الفردي والعائلي، وليس على الوطني. الفلسطينيون في الضفة الغربية ينظرون حولهم ويرون الاوضاع في غزة، وطبعا في مناطق اخرى في الشرق الاوسط، مثل سوريا، العراق، اليمن، مصر، الاردن وجميع الاماكن الاخرى تقريبا. الاوضاع الاقتصادية في الشفة الغربية، التي ليست سيئة جدا، بالتأكيد محفزا للحفاظ على الاوضاع تحت السيطرة. بالنسبة للعديد من الاشخاص، كسب الرزق، إن كان في اسرائيل، مكاتب الحكومة الفلسطينية، او الاجهزة الامنية الفلسطينية، افضل من المبادرات الخطيرة مثل الانتفاضة الثانية، التي ادت الى انهيار المجتمع الفلسطيني. وهناك عاملا اخرا ايضا: ازمة قيادة حادة في الطرف الفلسطيني.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال جلسة لمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله، 3 فبراير 2018 (AFP/ABBAS MOMANI)

يطالب حوالي 70% من الفلسطينيين باستقالة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. الشكوات حول الفساد في السلطة الفلسطينية متنامية، وترفض قيادة فتح اجراء اي تغيير او اصلاح. كل هذا خلق استهزاء وتشاؤم حول اي مقاومة ضد اسرائيل. واحدى الشكاوى التي تتكرر عدة مرات هي انه في اليوم التي نرى فيها ابناء قادة فتح في مظاهرات ضد اسرائيل “سوف ننضم اليهم”. واخيرا، السلطة الفلسطينية توصل رسالة واضحة بانها لا تنوي السماح بتنفيذ هجمات او اطلاق مظاهرات ضخمة. السلطة الفلسطينية هي التي تعلن عن حفاظها على التنسيق الامني مع اسرائيل. لذا، إن السلطة لا ترغب بانفجار، ما يمكن للشعب الخاضع لسيطرتها القيام به؟

وهناك عاملا آخرا اقل وضوحا للغرب: شبكات التواصل الاجتماعي. بينما قد تكون احدى اكبر مصادر التحريض في السنوات الاخيرة، ولكنها ايض المنصة الرئيسية لتنفيس توترات الشباب. عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يشمكن للشباب المشاركة بمظاهرات رقمية، انتفاضات عبر الانترنت، وغيرها – وكل هذا بدون مغادرة المنزل والتعرض للخطر.

الى حد ما، اصبح الفيسبوك والشبكات الاخرى منفذ لتنفيس الغضب العام، بدلا من مجرد مكان يتم فيه تصعيد هذا الغضب. في معظم الاحيان، من الاسهل للجماهير تنفيس الغضب، الكراهية والعداء اتجاه اسرائيل عبر الانترنت بدلا من في المظاهرات التي تعرض حياتهم للخطر. إن كانت مقاومة الاحتلال في الماضي تعني الكتابة على الجدران، تعليق الاعلام الفلسطينية، ورشق الحجارة، اليوم يكفي أن “تعجب” بمظاهرة “في سبيل القدس”.

ولكن: مثل الانتفاضة الأولى واحداث “الربيع العربي”، احيانا يمكن للجماهير الخروج الى الشوارع في اعقاب حوادث غير مخططة وغير متوقعة يمكن ان تفاجئ الجميع – القيادة الإسرائيلية، الجيش، الشاباك، وحتى السلطة الفلسطينية.

نحن في مرحلة انتقالية يدرك فيها الجماهير الفلسطينيين جيدا ان عهد عباس انتهى ولكنهم لا زالوا ينتظرون قائدا جديدا – هويته لا زالت مجهولة – لتولي القيادة. البعض يسمونها ب”موسم المشمش”، المعروف بكونه قصيرا جدا. وافاد موقعا فلسطينيا خلال نهاية الاسبوع بان محمد العلول، نائب رئيس فتح، سيكون بديل مؤقت لعباس لمدة ثلاثة اشهر، ولكن من الصعب المعرفة بالتأكيد. هناك عدة اسماء ومرشحين، ولكن القليل منهم محبوبين على الجماهير.

وخاصة بسبب ازمة القيادة هذه، يبدو ان هناك قيادة جديدة وشابة تتكون في الميادين، وعلى الارجح ان نواجه جزءا منها في المستقبل. هؤلاء قادة فروع حركة التنظيم التابعة لفتح: اي بكلمات اخرى، مراوين برغوتي عصرنا. العديد منهم اسرى محررين مؤخرا، في اواخر الثلاثينات، وليسوا جزءا من جيل الفساد في السلطة الفلسطينية. انهم اشخاص مثل عماد خرواط من الخليل، محمد المصري من بيت لحم، جهاد رمضان من نابلس، وموفق سحويل من رام الله. وانضم اليهم مؤخرا الاسرى المحررين الجدد خليل ابو حاشية من مخيم بلاطة، ورافت جوابرة من الدوحة. وسينضم اليهم قريبا باسل البزرة، الناشط البراز في الماضي في كتائب شهداء الاقصى.

وهؤلاء الاشخاص، الذين قادوا كتائب هلال الانتفاضة الثانية، دخلوا السياسة اشخاص ناضجين وراشدين اكثر، ومع امال جدية لتولي مناصب في القيادة. لديهم علاقات مع اشخاص مثل العلول، جبريل رجوب، وماجد فرج (رئيس جهاز المخابرات العامة الفلسطيني).

ولكن لا يزال يصعب توقع طريقة تصرفهم في حال ازمة حقيقية مع اسرائيل، او بشكل ادق، في “اليوم التالي”. هي سينصاعون لأوامر خليفة عباس، ام سيحاولون تحريك الامور في الاتجاه الذي يختاروه؟