الساقي في حانة على الطراز الشيوعي في برلين الشرقية سابقا، قام بإعادة ترتيب نظاراته، بينما طل لينين من الجدار من ورائه. سألته، “هل هذه من برلين؟”.

فقال متحدثا عن زجاجة خمر سكب لي منها كأسا: “لا، إنها من بلدة صغيرة، على الأرجح لم تسمع عنها من قبل”.

“ما أسمها؟” سألته، وأخذت رشفة صغيرة من السائل الصافي.

فرد النادل: “نوردهاوزن”.

“بالتأكيد، أنا أعرفها”.

فرد “حقا”، مندهشا من أن أمريكيا يعرف قرية معزولة في تورينغيا السفلى.

فقلت له: “بالتأكيد، عم والدي حرر معسكر الإعتقال هناك”.

صمت أكثر سمكا من الهواء الرطب لصيف برلين. بعد لحظة خرقاء مثل عدد كبير من اللحظات التي تحدث عندما يتم ذكر المحرقة في ألمانيا الحديثة، قال: “لم أكن أعرف أنه كان هناك معسكر إعتقال هناك”.

قبل 70 عاما من هذا التاريخ، في أبريل من عام 1945، كان الجيش الألماني في حالة يرثى لها وفي تراجع أمام الحلفاء. اقتربت القوات الأمريكية من مدينة فايمار في وسط ألمانيا في 11 أبرير وقامت بتحرير أول معسكر إعتقال نازي: بوخنفالد. من بين السجناء الذين بدوا كهياكل عظمية وتم تصويرهم في الصورة الشهيرة في الثكنات المقيتة كان هناك إيلي ويسيل، الذي سيحصل في المستقبل على جائزة نوبل.

ولكن في اليوم نفسه، 40 ميلا إلى الشمال، دخلت كتيبة تابعة للجيش الأمريكي مخيم أقل شهرة خارج مدينة نوردهاوزن. منشأة ميتلباو-دورا استغلت عمال سخرة لبناء صواريخ “في 2” حيث عمل فيها الآلاف حتى الموت. من بين الرجال من فرقة المشاة الـ -104 كان هناك مسعف من بروكلين بولاية نيويورك. جولز هلفنر، شاب يبلغ من العمر (21 عاما) مولود في أمريكا وإبن لمهاجرين يهود من روسيا، تحدث الألمانية بطلاقة، واحتفظ بمسدس في حذائه، وكان مسلحا بكاميرا.

Hotel Mercure Paris Tour Eiffel Pont Mirabeau
Sent at 5:36 PM on Tuesday
Ilan:

مرفقة بملاحظاته المكتوبة بخط اليد، بعثت صور جولز الفريدة، والتي تُنشر هنا للمرة الأولى، الحياة في التجربة الشخصية لجندي يهودي في الفرقة 104. الصور توثق أربعة أشهر من خدمة هلفنر بعد الهبوط في فرنسا في أواخر 1944 وتأريخ المسيرة إلى داخل ألمانيا وتحرير معسكر عمال سخرة نازي ولقائه في نهاية المطاف بجنود يهود في الجيش الأحمر في ذروة الحرب العالمية الثانية.

في كثير من الأحيان، يتم تجاهل هذا الجانب من قصة المحرقة – المحررون اليهود.

تقول شيرلي هلفنر، شقيقة جولز الصغرى، التي تبلغ من العمر (85 عاما)، “لقد عبر الجحيم وعاد منه”. شيرلي كانت طفلة عندما تم تجنيد جولز وإرساله إلى أوروبا ولكنها تتذكر عودته إلى حي بد-ستاي في بروكلين بعد إنتهاء الحرب. في حديث لها معي من منزلها في فينيكس، تصف جولز بأنه شخص هادئ ومهذب، متحفظ ولكن صاحب “روح دعابة”. لقد كان عبقريا، كما تقول، يتحدث بطلاقة الإنجليزية والفرنسية والألمانية واليديشية، اللغة التي تحدثوا فيها في المنزل.

الجيش أراد إرساله إلى كلية الطب، ولكن نتيجة الضغوط التي واجهها في الوقت الذي تم فيه حشد قوات الحلفات لعملية “أوفرلود”، غزو أوروبا في 6 يونيو، 1944، قام بتجنيد جولز كمسعف ميداني بدلا من ذلك، كما قالت.

الفرقة 104 بدأت جولتها في أوروبا بعد الإنزال في نورماندي، حيث دخلت قوات الحلفاء البلدان المنخفضة وتحركت نحو ألمانيا. أقدم صورة مؤرخة في مجموعة هلفنر – التي حافظ عليها أبناءه لعقود، والتي رأيتها للمرة الأولى فقط هذا العام – هي من مدينة فيرفيرس البلجيكية، التي كانت مقرا للجيش خلال شتاء عام 44 القارس.

مع تقدم الحلفاء نحو الرايخ، الفرقة 104 كانت في المقدمة، ونجحت بالسيطرة على كولون في بداية شهر مارس والتحرك شرقا باتجاه برلين. (في الوقت الذي حارب فيه جولز والفرقة 104 في كولون، كان شقيقه، بينجامين، على الطرف الآخر من الكرة الأرضية. حيث كان يخدم كبحار على متن سفينة “الجنرال هاري تايلور”، بن كان في منتصف الطريق بين هاواي وجزيرة ويك، عابرا خط طول 180، متجها نحو المحيط الهادئ. بن هو جدي).

جولز هلفنر خارج كتدرائية كولون في 2 مارس، 29145. (Jules Helfner)

جولز هلفنر خارج كتدرائية كولون في 2 مارس، 29145. (Jules Helfner)

بضعة صور إلتقطها جولز تظهره هو وأصدقاءه في الجيش على طول الطريق، أحيانا مع أنقاض مباني مدمرة في الخلفية. أحد الشبان يُدعى جوليان “برونشو” ناغورسكي من أبر بلاك إيدي في ولاية بنسلفانيا.ناغورسكي حصل على النجمة البرونزية للبسالة، وانتقل للعيش في مونتانا وتوفي في عام 2008.

’فايسفيلر، ألمانيا. صديقي برونشو ناغورسكي، أبر بلاك إيدي، فيلادلفيا. ليست للنشر’، غير مؤرخة، 1945 (Jules Helfner)

’فايسفيلر، ألمانيا. صديقي برونشو ناغورسكي، أبر بلاك إيدي، فيلادلفيا. ليست للنشر’، غير مؤرخة، 1945 (Jules Helfner)

التواريخ المكتوبة على الصور غير دقيقة احيانا، ما يشير إلى أنه تم كتابة الشرح عليها بعد الحرب بفترة. على الرغم من أن جولز لم يتحدث كثيرا عن خبرته، لكن شرحه يعطي رؤية مؤثرة. “سلاح 88 الألماني”، كتب على ظهر صورة التقطها بالقرب من كولون. “أكثر سلاح خشينا منه”.

مدفعية ألمانية من عيار 88 "أكثر سلاح خشينا منه" بالقرب من كلون، ألمانيا في فبراير أو مارس 945 ((Jules Helfner)

مدفعية ألمانية من عيار 88 “أكثر سلاح خشينا منه” بالقرب من كلون، ألمانيا في فبراير أو مارس 945 ((Jules Helfner)

لكن الأفكار الشخصية الأكثر إثارة للذهول كُتبت على صور من نوردهاوزن.

***

ملاحظة كتبها جولز هلفنر بخط يده على ظهر صورة لسلاح مدفعية ألمانية من عيار 88 بالقرب من كولون، ألمانيا.

ملاحظة كتبها جولز هلفنر بخط يده على ظهر صورة لسلاح مدفعية ألمانية من عيار 88 بالقرب من كولون، ألمانيا.

في منتصف أبريل، على بعد حوالي 60 ميل من لايبزيغ، دخلت الوحدة معسكر ميتلباو-دورا. الجيش الألماني كان قد انسحب من المنشأة، التي عمل فيها السجناء حتى الموت في بناء قنابل طنانة. تناثرت آلاف الجثث في الهواء الطلق. بقي بضع المئات من الناجين الذين تضوروا جوعا، وعلى الرغم من أن المسعفين بذلوا أقصى جهودهم، بعض الذين تم تحريرهم توفوا في الأيام التي تلت.

فريد بوهم، يهودي وُلد في النمسا وكان عريف تقني قي فرقة 104، يروي في مقابلة أجريت معه في عام 1979، “رؤية الصور هي شيء واحد، ولكن دخول المكان وشم الرائحة والانكشاف على هذا الرعب هو أمر لا يمكن أن تكون مستعدا له”.

وأضاف بوهم، “ولكن ما أذهلني حقا هو تأثير ذلك على الرجال الآخرين. لقد تزعزوا، حرفيا”.

جولز لم يتحدث كثيرا عن تجربته في الحرب، ناهيك عن نوردهاوزن. لكن المرة الوحيدة الذي تحدث فيها عن ذلك قال لشقيقته الصغرى، “لقد جن جنون الرجال”، كما تقول شيرلي.

وقالت إنه قال لها بأنهم “عادوا إلى البلدة الألمانية [نوردهاوزن] وقتلوا الألمان على اليمين واليسار”, وأضاف، “كانت هذه تجربة مروعة، مروعة”.

خط يد جولز هلفنر على ظهر صورة من معسكر الإعتقال ميتلباو-دورا. ملاحظة: فرقة المشاة 104 حررت المعسكر في 11 أبريل، وليس في 27 مارس

خط يد جولز هلفنر على ظهر صورة من معسكر الإعتقال ميتلباو-دورا. ملاحظة: فرقة المشاة 104 حررت المعسكر في 11 أبريل، وليس في 27 مارس

صوره التي يصل عددها إلى 12 صورة تقريبا من ميتلباو-دورا تظهر صفوفا من الجثث الهزيلة في وضوح وحشي (لسبب غير مفهوم، تم تأريخها جميعا في 27 مارس). أحد الشروحات على إحدى الصور يعكس الغضب الذي أحس به جولز. “معسكر الإعتقال نوردهاوزن”، كتب على الصورة قبل أن يتحول للكتابة بأحرف كبيرة (بالانجليزية): “3500 يهودي ذُبحوا هنا”.

ضباط أمريكيون أمروا المدنيين الألمان من البلدة القريبة بدفن آلاف الجثث.

في مقابلة أجريت معه بعد سنوات يتذكر دبليو غونثر بلاوت، رجل دين يهودي مع الوحدة، “كنت مسؤولا عن الدفن وأصريت على حضور الألمان من نوردهاوزن للمراسم بأفضل ثيابهم التي يرتدونها ليوم الأحد”، وأضاف، “بالطبع لم يكن هناك لدينا مساحة كافية للقيام بهذا العمل. ولكن مع غضبي، الذي تحول إلى انتقام، طلبت من للبرجوازيين إستخدام السكاكين والشوك والملاعق من منازلهم. أمرت النساء بالحضور وغسل الجثث”.

مجموعة من الصور التقطت لسكان البلدة الألمان وهم يحملون ويدفنون الموتى. صورة فريدة، كما تقول جوديث كوهين، مديرة أرشيف الصور في متحف الهولوكوست في العاصمة واشنطن، تظهر عدد من البرجوازيين يدخلون إلى مصنع تحت الأرض.

وكُتب على الصورة، “جثتين متفحمتين لسجينين في معسكر الإعتقال نوردهاوزن يتم انتشالهما من مأواهما الخاطئ من قبل مدنيين ألمان لدفنهما”. إحدى الصورة، التي تم التقاطها تحت الأرض تظهر خط تجميع “قنبلة الروبوت” – صواريخ “في-2” – “تم تصنيعها على يد سجناء معسكر الإعتقال نوردهاوزن”، كما كتب.

***

في الأسابيع التي تلت السيطرة على ميتلباو-دورا، تقدمت الفرقة 104 شرقا، والتقت في نهاية المطاف بالجيش الأحمر. التقى جيشا الحلفاء في نهر مولدي، شرقي لايبزيغ. القوات الألمانية كانت محطمة، مركباتهم مدمرة ومحروقة على جانب الطريق. فر المدنيون والجنود الألمان استسلموا بأعداد كبيرة وأُجبروا على التخلص من أسلحتهم.

في الشرح الذي وُضع على صورة تم التقاطها في نهر مولدي كُتب، “اختار هؤلاء النازيين الإستسلام لفرقة المشاة 104 في الجيش الأمريكي بدلا من الإستسلام للروس”. كانت هذه قصة مألوفة، حيث فر الملايين من الألمان من السوفييت في نهاية الحرب، في محاولة يائسة لعدم الوقوع وراء ما أسماه تشرتشل في وقت لاحق “الستار الحديدي”.

"أسرى حرب ألمان يعبرون نهر مولدي على جسر عائم مترتجل . اختار هؤلاء النازيين الإستسلام لفرقة المشاة 104 في الجيش الأمريكي بدلا من الإستسلام للروس" أبريل 1945، بالقرب من بيترفلد، ألمانيا. (Jules Helfner)

“أسرى حرب ألمان يعبرون نهر مولدي على جسر عائم مترتجل . اختار هؤلاء النازيين الإستسلام لفرقة المشاة 104 في الجيش الأمريكي بدلا من الإستسلام للروس” أبريل 1945، بالقرب من بيترفلد، ألمانيا. (Jules Helfner)

ربما قد  تكون أكثر الصور بعيدة الإحتمال هي تلك التي تم التقاطها في الأيام الأخيرة للحرب في أوروبا. وقف الجيشان الأمريكي والسوفييتي على ضفتين متقابلتين لنهور مولدي، والتقى الرجال من الجانبيت في مدينة فورتسن. في لحظة وجيزة من الدفئ بين رفاق الحرب قبل بدء الحرب الباردة، وقف الجنود الروس والأمريكيون جنبا إلى جنب في ميدان المدينة التي قاموا بغزوها.

كتب جولز، “جنديان من الجيش الأحمر يدعيان إيفان + أليكسيس مع جي آي من الفرقة 104″، وأضاف “هذان الجنديان من الجيش الأحمر كانا يهوديين”.

في ما قد يكون اليون نفسه في فورتسن، تظهر ابتسامات 16 امرأة، الوحيدات في صور جولز، وهي تشع في شمس الربيع.

“مجموعة من الفتيات اليهوديات اللواتي تم تحريرهن من قبل فرقة المشاة 104 في فورتسن في ألمانيا. العدد الكامل للمجموعة وصل إلى 1000، معظمهن مجريات ورمانيات وبولنديات وروسيات + نمساويات”.

"مجموعة من الفتيات اليهوديات اللواتي تم تحريرهن من قبل فرقة المشاة 104 في فورتسن في ألمانيا. العدد الكامل للمجموعة وصل إلى 1000، معظمهن مجريات ورمانيات وبولنديات وروسيات + نمساويات". أبريل 1945  (Jules Helfner)

“مجموعة من الفتيات اليهوديات اللواتي تم تحريرهن من قبل فرقة المشاة 104 في فورتسن في ألمانيا. العدد الكامل للمجموعة وصل إلى 1000، معظمهن مجريات ورمانيات وبولنديات وروسيات + نمساويات”. أبريل 1945 (Jules Helfner)

عاد جولز ورفاقه من الفرقة 104 إلى الولايات المتحدة وتم تسريحهم في خريف 1945. بعدها عاد إلى نيويورك.

والدته روت وشقيقته شيرلي تشهدان على أن جولز عاد رجلا مختلفا وهادئا ومتحفظا لكنه حافظ على روح الدعابة التي شاركها مع شقيقه، بن.

“عندما عاد”، كما قالت شيرلي، باعتمادها على قصاصات 70 عاما من الذكريات، “قامر بكل أجره المستحق الذي بلغ 500 دولار”. جولز وأصدقاؤه خرجوا معا وشربوا معا حتى الثمالة، كما تتذكر؛ أغمي على أحدهم بعد أن ثمل، فقاموا بوضعه في حوض استحمام.

تقول ابنته، ليسا بيكر، التي تعيش في وسترن ماساتشوستس، إنه لم يتحدث مطلقا عن تجربته في الحرب معها.

وقالت لي، “تم الإحتفاظ بالصور في درج مكتب والدي، وليس بقفل ومفتاح، ولكننا كأطفال لم يصادف لنا البحث في المكان لأننا اعتقدنا ببساطة أن ما يوجد هناك مجرد لوزام مكتبيه وفواتير للمنزل وأمور أخرى ذات صلة”

على الرغم من طموح جولز دخول كلية الطب، فإن قانون إعادة تأقلم الجنود غطى فقط 4 أعوام من تكاليف الدراسة. بدلا من ذلك عمل جولز مهندسا لشركة “غرومان”. توفي في عام 1978، قبل سبعة أعوام من ولادتي، جراء مضاعفات نوبة قلبية ودماغية.

وقالت بيكر، “بعد وفاته فقط في 1978 قامت والدتي بتنظيف المكتب عندما عثرت على الظرف الذي احتوى الصور. في ذلك الوقت كنا وأشقائي قد أصبحنا بالغين، وقامت والدتي آخيرا بمشاركة الصور معنا”.

جولز هلفنر (في أسفل الصورة من اليمين) في ميدان حديقة واشنطن سكوير في مدينة نيويورك مع أصدقائه في عام 1945. (Jules Helfner)

جولز هلفنر (في أسفل الصورة من اليمين) في ميدان حديقة واشنطن سكوير في مدينة نيويورك مع أصدقائه في عام 1945. (Jules Helfner)