التنبؤات حول مستقبل الشرق الأوسط هي عمل محفوف بالمخاطر. كل من حاول القيام بذلك منذ عام 2010، اكتشف مرة تلو الأخرى أن المهمة مستحيلة. ومع ذلك، يبدو أن هذا الأسبوع بشر إلى حد كبير بنهاية عصر الربيع العربي. صحيح أنه من المبكر أن نعلن وفاة الثورات والثوار في الشرق الأوسط وفي دول كثيرة في منطقة يبدو فيها الوضع السياسي بعيدا كل البعد عن الاستقرار (انظروا إلى الوضع في ليبيا). ومع ذلك، تظهر الانتخابات التي جرت هذا الأسبوع في مصر والتي ستجري الأسبوع القادم في سوريا أن هذه الحلقة بدأت بالانغلاق.

سيستعيد الجيش والنظام القديم السيطرة على مصر بواسطة ممثلهم عبد الفتاح السيسي، وفي سوريا، بشار الأسد سيستمر في شغل منصب رئيس الدولة بالرغم من عدم وجود نهاية للحرب الأهلية في الأفق. الأكيد هو أن الكثير من مواطني سوريا قد سئموا من سفك الدماء والمنظمات الجهادية، ويعود ذلك جزئيا إلى أنهم دمروا حربهم من أجل الحرية. ومواطنوا مصر كذلك ملوا من الفوضى المنتشرة في بلادهم ويرغبون قبل كل شيء بالهدوء والإستقرار، وهو ما يعد به السيسي. في المقابل، لا يمكن تجاهل تطورين مهمين آخرين في المنطقة القريبة من إسرائيل: في لبنان غادر الرئيس ميشيل سليمان القصر الرئاسي بعد نهاية ولايته ولم ينجح البرلمان باختيار خلفا له. وفي غزة، حماس وفتح أقرب من أي وقت مضى ويبدو أنهما ستعلنان اليوم (الخميس) عن تشكيل حكومة وحدة وطنية. أهمية هذه الخطوة غير واضحة حاليا وتحمل صداعا لن يكون بخفيف بالنسبة لإسرائيل، ولكن ربما عدد غير قليل من الفرص أيضا. في نهاية المطاف من الصعب عدم استخدام الأفكار المبتذلة في الشرق الاوسط: الوقت فقط سيخبرنا ما الذي سيحدث في السنوات القريبة.

سوريا ولبنان ككيان واحد
يوم الأربعاء تحولت شوارع بيروت الرئيسية الى اختناق مروري واحد ضخم بسبب الانتخابات في بلد آخر، سوريا. تدفق عشرات آلاف السوريين الذين يعيشون في لبنان، نحو صناديق الاقتراع التي فُتحت في بيروت، في السفارة السورية في أحدى ضواحي العاصمة، حيث أجري هناك تصويت مبكر للانتخابات الرئاسية السورية (ستجري الانتخابات في سوريا يوم الثلاثاء القادم). كلما مرت الساعات، ازدادت حركة الاختناق المروري أكثر. اضطر المواطنون السوريون للسير مشيا على الأقدام نحو السفارة، رافعين أعلام سوريا وصورا لبشار الأسد وقاموا بنشيد أغاني مدحوا فيها “الرئيس المحبوب”، المسؤول عن مقتل 160 ألف شخص، وهو عدد مرشح للازدياد.

يعيش أكثر من مليون مواطن سوري في لبنان اليوم. حسب بعض التقديرات وصل العدد إلى مليون ونصف. بعضهم لاجئون من الحرب الأهلية، وأخرون يعيشون في بلاد الأرز قبل بدء المظاهرات في سوريا. وضح تغيير التركيبة السكانية في لبنان، إلى جانب تورط جماعات وفصائل في القتال على طرفي الحدود، بأن عدة حدود بين البلدين أصبحت غير واضحة، واختفت مع استمرار الحرب الأهلية. من الصعب اعتبار لبنان اليوم دولة مستقلة ذات سيادة. صحيح أن التواجد السوري في لبنان هو مسألة معروفة منذ عشرات السنين. فقد لعبت دمشق حافظ الأسد دورا فعالا في الاقتتال بين حركتي أمل وحزب الله في أواخر الثمانينيات. عملت المخابرات السورية بحرية في سنوات ال-90 في بلاد الأرز، ويبدو أن حزب الله يقف وراء اغتيال رفيق الحريري، رئيس الحكومة الأسبق المناهض لسوريا. ومع ذلك، فإن المشاركة الفعالة لحزب الله في الحرب في سوريا كسرت كل قواعد اللعبة السياسية في لبنان. انكسر حاجز العار. حتى تلك اللحظة كان السوريون هم من يلعب في الملعب اللبناني، أما الآن فإن حزب الله تحول إلى حامي بشار الأسد، منقذه ومخلصه. اتخذت الحرب في سوريا ولبنان صورة حرب دينية لا علاقة لها بالقومية: الشيعة ضد السنة، كأن شيئا لم يتغير منذ النصف الثاني من القرن السابع ميلادي.

كانت هناك عواقب وخيمة لقرار المنظمة المشاركة في الحرب في سوريا على المكانة السياسية والشعبية لحزب الله في لبنان. إذا كانت حتى تلك اللحظة شكوك حول ولاء الحزب، فمن الواضح الآن أن سكرتير عام الحزب، حسن نصر الله، يعمل نيابة عن النظام الإيراني الذي يدير حرب بشار من أجل بقائه على قيد الحياة. تحول نصر الله من حبيب الأمة العربية بعد حرب لبنان الثانية مع إسرائيل، إلى أكثر الأشخاص كرها عند السنة. الشخص الذي يحرق المتظاهرون صوره في مظاهرات ضد بشار الأسد. في هذا الوقت بدأ الواقع الجديد في لبنان بوضع بصماته على المؤسسات السياسية، المنقسمة هي أيضا بين المؤيدين والمعارضين للأسد. يوم الأحد غادر الرئيس اللبناني ميشيل سليمان القصر الرئاسي في بعبدة بعد نهاية ولايته. لم ينجح البرلمان اللبناني في الوصول إلى اتفاق حول هوية الرئيس القادم الذي يجب أن يكون من الطائفة المسيحية. ولم ينجح أي مرشح حتى الآن، ميشيل عون المؤيد لسوريا وسمير جعجع المناهض لسوريا، في الحصول على دعم 65 عوض برلمان ليتم انتخابه. يبدو أن إسرائيل هي ليست الدولة الوحيدة التي تعاني من أزمة في انتخاب الرئيس.

“وحدات رضوان”- وحدات حزب الله
في اليوم الذي ترك فيه سليمان القصر الرئاسي، ألقى نصر الله خطابه للمرة الألف، هذه المرة بمناسبة ذكرى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. ومن توقع أن يسمع نغمات من الشك أو دراسة قرار القتال على أرض سوريا من جديد كان مخطئا. استمر نصرالله بخطه القتالي تجاه إسرائيل ومعسكر 14 آذار المناهض لسوريا في لبنان. وسخر من الرئيس لتركه منصبه وواصل التعهد بأن رجاله سيدافعون عن لبنان وليس عن الرئيس. ومع ذلك، هذا التبجج الثابت لا يستطيع أن يخفي حقيقة أن حزب الله تلقى ضربات موجعة نتيجة حربه في سوريا. أفضل مثال على ذلك يأتي من الايام الأخيرة، وهو مقتل فوزي أيوب، ناشط رئيسي في حزب الله، خلال معارك في منطقة درعا. سُجن أيوب، الذي اعتقل في عام 2000 في الضفة الغربية، في السجن الإسرائيلي لمدة أربع سنوات وتم الإفراج عنه ضمن “صفقة طننباوم”. بعد ذلك تم إدراجه في أعلى قائمةالإرهابيين المطلوبين لمكتب التحقيقات الفدرالي. قاتل أيوب (أبو عباس)، مثله مثل آلاف المقاتلين من صفوف المنظمة، في الأشهر الأخيرة في سوريا. بعد احتلال القصير وتطهير يبرود، القريبة من الحدود مع لبنان، يعمل حاليا مقاتلو حزب الله في جبهة درعا، القريبة من الحدود مع الأردن. يركز النظام السوري جهوده في محاولاته لاسترجاع سلطته في المنطقة واسترجاع السيطرة على هضبة الجولان السورية كذلك. ولكن قتال المعارضة وبالأخص منظمة جبهه النصرة في هذه المنطقة، هو قتال عنيد ويتسبب بخسائر في صفوف جيش بشار وكذلك في صفوف حزب الله، مثل فوزي أيوب. عدد قتلى حزب الله في الحرب في سوريا غير معروف ولكن التقديرات في إسرائيل تشير إلى مقتل 400-500 مقاتل، بالإضافة إلى أكثر من 1000 مصاب. هناك نحو 5000 مقاتل تابع لحزب الله في كل لحظة على الأرض السورية. ولكن القتلى ليسوا فقط من بين نشطاء حزب الله والجيش السوري. هذا الأسبوع تبين أن واحدا من قادة “الحرس الثوري” الإيراني، وهو العميد عبد الله اسكندري، قُتل خلال المعارك في منطقة دمشق. حرصت المعارضة السورية على نشر مقطع فيديو يظهر فيه فتى سوري يحمل الرأس المقطوع لاسكندري.

وبالفعل، يدير اليوم معركة سوريا/حزب الله/ إيران (إلى جانب ميليشيات عراقية) ثلاثة أشخاص: حسن نصر الله وبشار الأسد والجنرال قاسم سليماني، قائد “قوة القدس” المسؤولة عن نشاط الحرس الثوري خارج حدود إيران. في نهاية الأسبوع ذكرت قناة “العربية” أن سليماني وصل إلى سوريا وليس للمرة الأولى. ثلاثتهم مطلعين عى التفاصيل، ويشاركون في اتخاذ القرارات وينجحون في خلق تعاون مثمر على ارض المعركة. يعمل حزب الله والجيش السوري في كثير من المرات على ذات الجبهات وحتى في المدن نفسها، مع تقسيم الأحياء والشوارع: معنى ذلك أنه في حين أن الجيش السوري يعمل على تطهير أحد الشوراع، بامكان رجال حزب الله القتال في شارع آخر، ولكن ليس معا في كتائب أو وحدات مختلطة. جاء قتال حزب الله على الأرض السورية بتغيير جذري في طريقة عمل المنظمة. حتى الحرب الأهلية، كال حزب الله معروفا بأنه منظمة تعتمد بشكل خاص على قدرتها الصاروخية ضد إسرائيل. الآن تتعامل المنظمة مع هجمات على قوات مشاة والمناورة والتنقل. قد تساعده هذه التجربة في حالة حرب ضد إسرائيل على الحدود الشمالية. على سبيل المثال، الوحدات الخاصة لحزب الله، “وحدات رضوان”، المختصة بالمداهمة والقتال الثانوي. هذه الوحدات بإمكانها أن تحاول في حالة مواجهة مع إسرائيل مهاجمة بلدة إسرائيلية على الحدود، بهدف القيام باعتداء صعب. في المقابل يواصل حزب الله تطوير ترسانته الصاروخية: تطوير دقة وقوة الصواريخ، وكذلك تخزينها في بيوت السكان في القرى والمدن.

الصداقة الرائعة بين سوريا الأسد وبين حزب الله هي ليست بظاهرة قديمة ذات تقاليد عريقة. إنها تحالف دم، ولكن من دون جذور تاريخية. من هنا فإنه لا توجد “وجبات مجانية”. بشار مطالب بتحويل أفضل وسائل القتال التي يحصل عليها من الروس لحزب الله وكذلك السماح لحزب الله بأن يفعل ما يشاء تقريبا ضد إسرائيل، في جبهة مثل هضبة الجولان (السورية). ومرة أخرى، إن الحدود غير واضحة. بالنسبة لإسرائيل فأن المواجهة العكسرية هي ليست على جبهتين مقابل عدوين، ولكن على جبهة واحدة مقابل كيانين عدوين يعملان جنبا إلى جنب. وبالطبع ينبغي أن تضاف إليهما منظمات الجهاد العالمي. بالنسبة لإسرائيل فإن الأخبار الجيدة على الأقل حاليا هي أن حزب الله لا يزال يتخبط في حرب أهلية لا تخصه، وهي حرب طويلة ودموية. يبدو الوحل السوري سميكا وعميقا بشكل لا يقل عما كان عليه الوحل اللبناني مرة.