في حين أنه كشف عن عملية استخباراتية مثير للاعجاب قام بها الموساد، لم يعرض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ليلة الإثنين دليلا على أن إيران انتهكت الاتفاق النووي  في عام 2015، ولم يقم أيضا بتسليط ضوء جديدة على برنامج الجمهورية الإسلامية النووي قبل الاتفاق.

بالفعل قام المسؤولون الإيرانيون، كما أشار نتنياهو، بالكذب عندما قالوا إن بلادهم لا تخطط لصنع أسلحة نووية ووضعها على صواريخ بالستية. لقد فعلوا وما زالوا يفعلون ذلك على الأرجح.

لكن المعلومات التي أثبتت خداعهم، في حين أنها لم تكن معروفة على نطاق واسع، كانت موثقة بشكل جيد ومتاحة للجمهور بكاملها – ليس من قبل إسرائيل، بل من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية – منذ عام 2011.

التفاصيل حول برنامج الأسلحة النووي الإيراني، وهوية قائد المشروع محسن فخري زاده، وخطط طهران لوضع رأس حربي على صاروخ “شهاب 3” البالستي، والاشتباه بأن الجهود الرامية لصنع قنبلة نووية استمرت بعد إغلاق برنامج الأسلحة النووية رسميا في عام 2003 – والتي تم “الكشف” عنها كلها مساء الإثنين – يمكن العثور عليها في تقرير وضعته الوكالة قبل نحو سبع سنوات.

وقد يكون الفرق الوحيد هو أن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بصفحاته الـ 25 والمليء بالاختصارات يفتقر إلى الأسلوب الاستعراضي الذي تميز به عرض نتنياهو.

الموقع المزعوم للمستودع في جنوب طهران حيث احتفظت إيران بوثائق حول برنامج الأسلحة النووية، قبل أن يتمكن الموساد من سرقتها.(Google Earth)

إميلي لانداو، باحثة كبيرة في معهد دراسات الأمن القومي ومن أشد المنتقدين للاتفاق النووي الإيراني، قالت “لن نحصل على أي معلومات جديدة [من نتنياهو] بمعنى الكلمة”.

وأضاف “ومع ذلك، من غير الواضح ما إذا كانت نية رئيس الوزراء الكشف عن أسرار جديدة أو أن عرضه التقديمي الدرامي لم يكن أكثر من جهد في العلاقات العامة، تذكير بالمرواغة الإيرانية بهدف التأثير على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي سيقرر في الشهر المقبل مصير الاتفاق النووي”.

بالنسبة للاندوا، فإن ما كشف عنه نتنياهو مساء الإثنين هو دليل إضافي على أن “الاتفاق النووي هو خدعة” تم “بناؤه على أساس تظاهر باطل بالبراءة الإيرانية”.

وكما قال رئيس الوزراء “الاتفاق النووي يستند إلى أكاذيب. إنه يستند إلى أكاذيب إيرانية وخداع إيراني”.

لقد قام رئيس الوزراء حرفيا وبأسلوب دراماتيكي بالكشف عن نتائج عملية جريئة للموساد، حيث قام بعرض رف مليئ بمالجلدات التي قال إنها تحتوي على 55,000 صفحة من الوثائق المادية و183 قرص مدمج يحمل 55,000 ملف رقمي إضافي، زعم نتنياهو إنها تحتوي على سنوات من المعلومات “التجريمية” بشأن برنامج الأسلحة النووية الإيراني المزعوم.

مشيرا إلى رفوف المجلدات وصفوف الأقراص المدمجة، قال نتنياهو “كل ما سترونه هو نسخة طبق الأصل عن المواد الإيرانية الأصلية. قد ترغبون بمعرفة مكان النسخ الأصلية؟ حسنا، يمكني القول إنها الآن في مكان آمن جدا”.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يعرض مواد يقول إن المخابرات الإسرائيلية حصلت عليها من أرشيف الأسلحة النووية في إيران، في تل أبيب، 30 أبريل، 2018. (Amos Ben-Gershom/GPO)

في حين أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية كشفت عن الكثير من المعلومات التي عرضها رئيس الوزراء يوم الإثنين، إلا أنها قامت بذلك بالاستناد إلى عدد أقل بكثير من الوثائق. الوكالة ذكرت أنها قامت بجمع “أكثر من ألف صفحة”، مقارنة بأكثر من 100,000 صفحة قام الموساد بجمعها.

بحسب رئيس الوزراء، تم تخزين هذه الوثائق داخل عدد من الخزائن في “مستودع متهدم” في جنوب طهران قبل أن يتمكن الموساد من سرقتها وتهريبها إلى تل أبيب. مسؤول إسرائيلي كبير قال في وقت لاحق لصحيفة “نيويورك تايمز” إن العملية تمت في ليلة واحدة في شهر يناير.

وقال نتنياهو “قلة من الإيرانيين عرفوا المكان، قلة قليلة، وكذلك عدد قليل من الإسرائيليين””، وأضاف “قبل بضعة أسابيع، في انجاز استخباراتي عظيم، حصلت إسرائيل على نصف طن من المواد التي كانت داخل هذه الخزائن”.

على مدار 15 دقيقة، وصف رئيس الوزراء محتويات تلك الوثائق التي يبلغ عددها نحو 110,000 وثيقة، والتي قال إنها تتضمن معلومات مفصلة عن جهود إيران لبناء 5 رؤوس نووية بوزن 10 كيلوطن – أقل قوة قليلا من القنبلة التي ألقيت على هيروشيما – ووضعها على صواريخ بالستية.

من بين المعلومات الجديدة كما يبدو التي ظهرت خلال عرض نتنياهو كانت المخططات لرأس حربي نووي يُزعم أن إيران خططت لوضعه على صاروخ “شهاب 3”. النموذج الفعلي للصاروخ لا يمكن تمييزه تقريبا عن النموذج النظري الذي صممه باحث إسرائيلي قبل عامين. تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية حدد هو أيضا أن صاورخ “شهاب 3” هو النظام الذي سيحمل القنبلة النووية.

الجمهور الذي وجّه إليه نتنياهو خطابه الذي ألقاه في وقت الذروة وباللغة الإنجليزية لم يكن كما يبدو الصحافيين الحاضرين في قاعة المؤتمرات في مقر القيادة العامة للجيش في تل أبيب، أو مشاهدي التلفزيون الإسرائيليين في منازلهم، وإنما ترامب في البيت الأبيض.

نتنياهو دعا الرئيس الأمريكي إلى “إلغائه أو إصلاحه” – أي الانسحاب من الاتفاق وفرض عقوبات جديدة وشديدة على الجمهورية الإسلامية، أو العمل مع الموقعين الآخرين على الاتفاق لمعالجة الجوانب التي تراها إسرائيل غير مستساغة.

يتعلق ذلك بالأساس ب”بنود الغروب” في الاتفاق، والتي ترفع القيود عن جهود التخصيب الإيرانية بعد عدد معين من السنوات، وجزء من آلية المراقبة، التي يُنظر إليها بأنها متراخية بشكل مفرط وتسمح لإيران بالمرواغة.

بالإضافة إلى المشاكل مع الاتفاق نفسه، تجد إسرائيل مشكلة أيضا في مسألتين مركزيتين لا يتطرق إليها الاتفاق: برنامج الصواريخ البالستية الإيراني ودعم النظام في طهران لمجموعات إرهابية في الشرق الأوسط.

الموقعون الآخرون على الاتفاق يبذلون جهودا لإقناع ترامب بعدم الانسحاب منه، ومن المستبعد أن تثنيهم المعلومات التي عرضها نتنياهو عن ذلك.

بعد الخطاب، أشار مؤيدو الإتفاق إلى أن الأكاذيب الإيرانية التي عرضها نتنياهو هي السبب على وجه التحديد الذي يقف وراء الاتفاق. فهم يرون أنه لا يمكن الثقة بأن لا تقوم طهران بتطوير أسلحة نووية، ولذلك فإن آليات المراقبة الخارجية التي وضعتها هذه الإتفاقية هي ما هو ضروري لضمان عدم قيام إيران ببناء قنبلة.

في بيان له قال الإتحاد الأوروبي “لقد تم ابرام الاتفاق بالتحديد لعدم وجود ثقة بين الأطراف، وإلا لما كنا طالبنا بإبرام اتفاق نووي”.

وأضاف الإتحاد الأوروبي في بيانه إن الاتفاق النووي “لا يستند إلى افتراضات حسن نية أو ثقة – فهو يقوم على إلتزامات ملموسة وآليات تحقق ومراقبة صارمة جدا للحقائق، تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.

السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل خلال عهد الرئيس باراك أوباما (أحد مهندسي الاتفاق)، دان شابيرو،  قال في تغريدة علق فيها على خطاب نتنياهو إن أكاذيب إيران بشأن برنامج الأسلحة النووية وتطويرها للأسلحة النووية كانت “كلها معروفة ومبنية في افتراضات الاتفاق، وكذلك التوقع بأن إيران ستكذب بشأنها”.

بعد الإعلان، ادعى البعض أن جهود إيران المستمرة لإخفاء الوثائق تشكل انتهاكا لأحد الجوانب الرئيسية للاتفاق.

الفقرة الأولى من الاتفاق تشتمل على تعهد من قبل إيران بأن لا تقوم “تحت أي ظرف من الظروف” ب”السعي إلى أو تطوير أو الحصول أبدا على أي سلاح نووي”، ولا يخضع ذلك ل”بند الغروب” ويجب أن يكون صحيحا إلى الأبد.

منتقدو الاتفاق النووي يرون إن احتفاظ إيران بهذه المواد بعناية ونقلها إلى “أرشيف نووي” هو بنفسه دليل على أن إيران لا تزال تسعى إلى الحصول على أسلحة نووية.

مخططات لرأس نووي، ورد أنه تمت سرقتها من مستودع في جنوب طهران من قبل جهاز الموساد، وعرضها من قبل رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو على العالم في تل أبيب، 30 أبريل، 2018. (Prime Minister’s Office)

إلا أن هذه المزاعم تنبع إما عن سذاجة أو عن معيار مستحيل. مع أخذ هذه الفرضية – بأن الاحتفاظ بالمعلومات حول بناء سلاح نووي هو خرق للاتفاق – إلى أقصى حد ممكن، يتساءل المرء عما إذا كان من المتوقع أن ينسى العلماء الإيرانيون معرفتهم بشأن صنع قنبلة نووية حتى لا يُتهموا بخرق الاتفاق.

يظهر النصف طن من الخطط النووية الإيرانية التي حصلت عليها إسرائيل مؤخرا أن الجمهورية الإسلامية كذبت وما زالت تكذب بشأن رغبتها في الحصول على قنبلة نووية – ولكن ذلك كان مثبتا أصلا. ولا شك أن هذا الكنز الدفين يوفر أيضا معلومات حول التفاصيل المحددة والتقنية لبرامج الأسلحة الأيرانية أكثر مما عرفناه من قبل – وإذا لم نجني شيئا آخر من ذلك، فستكون هذه الوثائق بمثابة كنز ثمين للمؤرخين وعلماء الذرة.

الكشف عن عملية الموساد في إيران يمكن النظر إليه أيضا بأنه عرض قوة موجّه إلى الجمهورية الإسلامية، وتذكير علني محرج بالأذرع الطويلة لأجهزة المخابرات الإسرائيلية.

بالنسبة لإسرائيل، قد يكون ذلك ذا قيمة خاصة الآن، في ضوء حربها الطويلة ضد التموضع الإيراني في سوريا، والتي تهدد بالانفجار في أعقاب عدد من الغارات الجوية البارزة ضد أهداف إيرانية في البلاد، نُسب عدد كبير منها إلى الدولة اليهودية.

المحلل الدفاعي ديفيد ماكوفسكي، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، يقول إن العملية كانت “انجازا استخباراتيا لا يقل عن ستوكسنت”، فيروس الكمبيوتر الذي هاجم أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، والذي يُعتقد على نطاق واسع بأنه نتاج عملية إلكترونية إسرائيلية-أمريكية مشتركة.

للأسف، لم يشارك نتنياهو  جمهوره في تفاصيل عملية السطو التي قام بها الموساد. من قام بفتح الخزائن؟ كيف تم نقل نصف طن من الوثائق الورقية في ليلة واحدة من دون أن يلاحظ أحد ذلك؟ ولمذا لم يتم نقل الملفات الموجود على الأقراص المدمجة إلى وحدة ذاكرة فلاشية يكون حملها أكثر سهولة؟

سنضطر إلى انتظار الفيلم لاكتشاف ذلك.