عادة، النسيم الغربي القوي الذي يأتي من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى محمية بيري الطبيعية، على الحدود مع غزة، هو فترة راحة مرحب بها من حرارة الصحراء. لكن في هذه الأيام، عندما تهب الرياح من الغرب، يلقي داني بن دافيد عينيه نحو السماء ويخرج جهازه اللاسلكي، في انتظار تقارير عن وقوع حرائق.

بصفته مديرا لمنطقة النقب الغربي في كيرين كييمت لإسرائيل – الصندوق القومي اليهودي، شاهد بن ديفيد آلاف الدونمات تحترق على مدى الأسابيع الستة الماضية بسبب الطائرات الورقية الحارقة القادمة من الحدود من غزة.

منذ أن بدأت احتجاجات “مسيرة العودة” على طول حدود غزة في نهاية شهر مارس، تم نقل مئات الطائرات الورقية وبالونات الهليوم إلى إسرائيل محمّلة بزجاجات من الوقود المشتعل، وأضرمت النار في مساحات واسعة من الأرضي.

قال مسؤولون إسرائيليون إن الحرائق دمرت أكثر من 17,500 دونم من الأراضي، غالبيتها في المحميات الطبيعية والحدائق العامة.

وقال بن دافيد أن هناك ما لا يقل عن 285 حادثا منفصلا للنيران في محميات كيرين كييمت لإسرائيل الطبيعية منذ 11 أبريل، حيث حرق 3000 دونم من المناطق المحمية في غابات بيري وكيسوفيم. وفقا لهيئة الطبيعة والحدائق، فقد تم إحراق ما مجموعه 10,000 دونم في المتنزهات والمحميات في جنوب إسرائيل، بما في ذلك متنزهات كيرين كييمت لإسرائيل. كما أحرقت النيران 7500 دونم إضافية من الأراضي الزراعية، معظمها من مناطق رعي الماشية، ومن بعض الحقول.

يوم الأحد، أمر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باحتجاز أموال الضرائب من السلطة الفلسطينية لتعويض المزارعين الإسرائيليين الذين يعيشون على حدود غزة التي دمرت أراضيهم الزراعية.

داني بن دافيد، مدير منطقة غرب النقب لصالح كيرين كييمت لإسرائيل، في طريقه إلى حريق في غابة بيري، 6 يونيو 2018. (Luke Tress/Times of Israel)

قالت مصلحة الضرائب الإسرائيلية أن الأضرار الزراعية وحدها بلغت 5 ملايين شيقل (1.4 مليون دولار) وأن الأضرار التي لحقت بالمحميات الطبيعية والأراضي الأخرى يمكن أن تزيد.

يوم الثلاثاء، أعلنت كيرين كييمت لإسرائيل/الصندوق القومي اليهودي عن خطط المنظمة لمقاضاة حماس في المحكمة الدولية عن الأضرار التي لحقت بها في الحرائق.

“من غير المتصور أن يسمح المجتمع الدولي لحماس بأن لا تخضع للمساءلة وتدفع ثمن أعمالها الإجرامية – ليس فقط ضد مواطني دولة إسرائيل، ولكن أيضا ضد البيئة، التي تضررت بشدة من هذا الإرهاب البيئي الإجرامي”، قال دانيال عطار رئيس مجلس ادارة كيرين كييمت لإسرائيل بعد جولة في المنطقة المتضررة يوم الثلاثاء.

مضيفا: “لقد أثبتت حماس أنه ليس لديها إنسانية. ليس فقط تجاه البشر، ولكن أيضا تجاه الحيوانات والموارد الطبيعية”.

الطائرات الورقية الحارثة المصنوعة من الصحف وكتب الأطفال المدرسية

كانت بعض الطائرات الورقية الحارقة لا تزال متناثرة عبر الغابة هذا الأسبوع، بعد أن هبطت في مناطق كانت تحترق في السابق. قام بن دافيد بالتقاط إحدى الطائرات الورقية التي صنعت ذيلها من شرائط من الصحف وكتب الأطفال المدرسية.

طائرة ورقية من غزة في جنوب إسرائيل، 6 يونيو 2018. (Luke Tress/Times of Israel)

“انظر إلى هذه، يستغرق الأمر 10 دقائق فقط لصنعها، وتكلفتها، لا أعرف، ربما بضعة ضواقل، وتخلق مئات الآلاف من الدولارات من الأضرار في أرض الغابة”، قال.

“هذا الأمر بمستوى خطر صاروخ أو قنبلة أو سكين”، قال بن دافيد، في جزء من غابة بيري على بعد بضع مئات من الأمتار من حدود غزة. “تبدو غير ضارة، مثل شيء لعبنا به كأطفال. قبل شهرين أحببت الطائرات الورقية”.

مضيفا إن التشابه في الطائرات الورقية يثبت أن هذا هو جهد عنيف منسق وليس مجرد نشاط لأطفال يمرحون.

في الآونة الأخيرة، اكتسب التكتيك الجديد لإشعال الحرائق شعبية على طول حدود غزة بدلا من الطائرات الورقية: “بالونات الهيليوم”. تحتوي البالونات على مواد مشتعلة معلقة على أطرافها، وتسبب حرائق كبيرة.

تظهر صور الطائرات بدون طيار الدمار الهائل الذي تسببت فيه الطائرات الورقية في محمية بيري الطبيعية المتاخمة لغزة.(DRONEIMAGEBANK)

“نحن نقاتل من أجل كل شجرة”

الغابات في منطقة محيط غزة ليست غابات طبيعية. على الرغم من أن المنطقة بها العديد من الأشجار، إلا أن معظمها تم قطعه خلال الحقبة العثمانية. في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، بدأت الكيبوتسات المحلية والقرى الصغيرة في زراعة آلاف أشجار الأوكالبتوس والصنوبر والميسكويت المقاومة للجفاف، ما أدى إلى إنشاء شبكة من الغابات الصغيرة.

وتشتهر المنطقة بإنتشار شقائق النعمان الحمراء (كلانيوت) كل شتاء، عندما تجتذب سجادة الزهور الحمراء عشرات الآلاف من الإسرائيليين إلى المنطقة للمشاركة في مهرجان “الجنوب الأحمر”. ويعد مهرجان “الجنوب الأحمر” أحد أكبر المحركات الاقتصادية للسياحة في المنطقة. وتجتذب غابات محيط غزة الزوار على مدار السنة، وتستضيف بعض أفضل مسارات ركوب الدراجات في الجبال في البلاد.

نظرا لأن الغابات لم تحدث بشكل طبيعي، فإن كل بستان يشبه نظاما بيئيا مغلقً لا يتصل جغرافيا مع غابة أكبر. وهذا يعني أنه عندما يشتعل بستان، فإن جميع الحيوانات الموجودة هناك في ذلك الوقت محاصرة. أثناء إطفاء الحرائق، عثر عمال الغابات المحليين على عشرات السلاحف والثعابين والسحالي الميتة.

“في المناطق الزراعية، سيتمكنون من الزراعة مرة أخرى في الشتاء”، قال بن دافيد. “ولكن في الغابات، نحتاج إلى الانتظار ورؤية ما يحدث. لن نعرف عدد الأشجار التي فقدناها إلا بعد المطر في فصل الشتاء”.

بعد بضع سنوات فقط من الحريق، ستبدأ كيرين كييمت لإسرائيل/الصندوق القومي اليهودي بزراعة الأشجار مرة أخرى. يستغرق نمو الأوكالبتوس 15 عاما ليصل إلى ارتفاعه الكامل، على الرغم من أن أشجار الكينا لديها فرصة أفضل للبقاء على قيد الحياة.

في حرب غزة عام 2014، احترق أكثر من 3500 دونم من أراضي وحدائق محمية، معظمها بسبب الصواريخ التي أطلقت من غزة. وقال بن دافيد إن رؤية الحرائق مرة ثانية لا تجعل الأمر أسهل، على الرغم من أنهم يعرفون ما يمكن توقعه.

“مع عملية الجرف الصامد، عرفنا أن الحرائق ستنتهي عندما يكون هناك وقف لإطلاق النار”، قال. “لكننا الآن لا نعرف كيف سينتهي هذا. في هذه الأثناء، نقاتل من أجل كل شجرة”.

يعمل خمسة عشر موظفا من كيرين كييمت لإسرائيل من المنطقة الجنوبية بدوام كامل للتعامل مع الحرائق، والتي تندلع بشكل شبه يومي. شهد أسوأ يوم حتى الآن 22 حريقا، بينما شهد يوم النكسة يوم الثلاثاء 15 حريقا.

ويوجد على الأقل 10 من رجال الإطفاء المتفرغين في الساحة، وهم يسرعون من بستان إلى بستان، باستخدام خراطيم الضغط العالي للتأكد من أن النيران قد تم إخمادها بالكامل، مع انتشاؤ رائحة الدخان في الهواء.

رجال الإطفاء يخمدون حريقا في غابة بيري، في 6 يونيو 2018. (Luke Tress/Times of Israel)

قال بن دافيد إنه من الصعب رؤية الطائرات الورقية، المصنوعة من البلاستيك الشفاف في السماء وغالبا ما تكون هناك صعوبة في تتبعها.

يوم الأحد، بعث رؤساء الحكومات المحلية في محيط غزة برسالة إلى نتنياهو ووزير المالية موشيه كحلون ووزير الداخلية اريه درعي داعين إلى زيادة الاستثمار في المنطقة في ظل الوضع الأمني ​​الهش.

“في الأسبوع الماضي، بما في ذلك الليلة الماضية، هبطت ما يقرب من 200 قذيفة هاون وصواريخ قسام في محيطات محيط غزة، وهي بمثابة تذكير مؤلم بأن محيط غزة يجب أن يدير طريقة حياة هشة ومعقدة، تحت تهديد مستمر لسكانه”، كتب رؤساء البلديات المحلية.

لدى هيئة الطبيعة والمتنزهات موظفون يعملون في الحراسة على قمم التلال في الجنوب، مستخدمين منظارا لمسح السماء أملا في تتبع مكان سقوط الطائرات الورقية.

لدى سلطة المتنزهات أيضا كلبا راعيا بلجيكيا تم تدريبه لشمّ الحرائق. يقوم سموكي جاك ومديريه بدوريات في المنطقة بحثا عن أجزاء من الحرائق التي لم تنطفئ بشكل صحيح ويمكن أن تشتعل.

البساتين المحترقة والنصب التذكارية

“قد تبدو سوداء الآن، لكن هذا السواد لن يكسرنا: سنجعلها خضراء بحلول العام المقبل”، قال رافي بابايان، رئيس الأمن في المجلس الإقليمي سدوت هنيغيف، وهو يقف في غابة بيري المحترقة، بجوار كيبوتس ألوميم. قصاصات من كتب مدرسية للأطفال، أجزاء من طائرة ورقية، منتشرة في جميع أنحاء المنطقة. “طار الطير بعيدا”، مكتوب على قصاصة واحدة، التقطت في العشب الأسود المحروق ملتوية في مهب الريح.

رافي بابايان، رئيس الأمن في مجلس إقليم سدوت هنيغيف، 6 يونيو 2018. (Luke Tress/Times of Israel)

كما أن الرياح نفسها التي تدفع الطائرات الورقية من غزة إلى إسرائيل تدفع النيران بسرعة عبر المناطق. هذا يعني أن الحرائق تحرق مساحات أكبر وتتحرك بسرعة قبل أن تتاح لها فرصة قتل جميع النباتات. الحيوانات القادرة على الاختباء في الجحور العميقة، بما في ذلك الثعابين، قد نجت من الحرائق.

هناك جزء من الغابة التي لها مكان خاص في قلب بابايان: بئر مارفا، وهي منطقة من غابة بيري التي سميت على إسم ابنته، والتي ماتت بسبب السرطان في سن 18 عاما، بعد عملية “الجرف الصام”د.

“عندما سمعت في الراديو أن بئر مارفا قد اشتعلت فيه النار، أسرعت إلى هناك”، قال. “في الطريق، كان الأمر صعبا، كنت أفكر في الكثير من الأفكار. لكن عندما وصلت إلى هناك، رأيت جميع الناس الذين أتوا لمساعدتي من كل مكان، وكنت فخورا للغاية”.

حوالي 15 دونم من بئر مارفا تم حرقها قبل إحتواء رجال الإطفاء للنار.

غابة بيري بعد الحريق الذي أشعلته الطائرات الورقية، مع غزة في الخلفية، 6 يونيو، 2018. (Luke Tress / Times of Israel)

“كل بستان مهم بالنسبة لنا، ونحن حزينين لأنه يحترق”، قال بابايان. “لكننا أكثر حزنا للنظر في عيون المزارعين الذين فقدوا حقول كاملة، ومن أعين عمّال الغابات التي زرعت هذه الأشجار”.

عمل بن دافيد مع الصندوق القومي اليهودي لمدة 30 عاما، وعمل والده أيضا في نفس المجال لمدة 40 عامًا. قال بن دافيد في طفولته إنه يعرف شخصيا الكثير من عمال الغابات الذين زرعوا بساتين الأشجار الكبيرة في المنطقة. توفي بعضهم منذ ذلك الحين، لكن البعض الآخر يشاهدون عملهم طوال الحياة يتصاعد منها الدخان.

“نحن معتادون على الحديث عن الجنوب الأحمر، لكننا نتحدث الآن عن الجنوب الأسود”، قال في حين أخبره جهازه اللاسلكي عن تقارير عن حريق آخر، وارتفاع الدخان. إحدى العواقب غير المقصودة هي أن الحرائق ربما تكون جيدة لزهور شقائق النعمان في مهرجان الجنوب الأحمر القادم.

أزهار شقائق النعمان تتفتح في محمية بيري الطبيعية، 6 فبراير، 2018.(Luke Tress/Times of Israel)

شقائق النعمان هي من عائلة النباتات “غيوفيتس”، بمعنى أن بذورها تبدو مثل البصل ومحمية تحت الأرض. تتنافس مع الأعشاب للهيمنة. منذ أن قضت النيران على الحشائش، لن يكون لدى شقائق النعمان أي منافسة، ومن المتوقع أن تغطي التلال الحمراء في يناير المقبل بحملة متجددة.

من مكان المشهد، غزة قريبة بما يكفي للمسها. تقع كومة قمامة ضخمة في غزة على بعد بضع مئات من الأمتار، وما وراء ذلك، يتألق البحر الأبيض المتوسط.

“الطبيعة لا تهتم بمن هو العدو”، قال بن دافيد. “كعامل غابة، من المحزن أن أرى كل شجرة تموت (…) الطبيعة لا تفهم الوضع السياسي. الطبيعة دائما تعاني، إنها دائما الخاسر الأكبر”.