فيلم شموئيل ماعوز بعنوان “فوكستروت” – المرحب به في الخارج، والذي تشتمه وزيرة الثقافة ميري ريغيف – ليس دائما منصفا لإسرائيل.

لو قام مخرج غير إسرائيلي بإخراج فيلم يدور مشهده المحوري حول جنود إسرائيليين مذعورين والذين يطلقون النار على سيارة مليئة بالمدنيين الفلسطينيين عند نقطة تفتيش، ثم قاموا بدفن الأدلة بشكل حرفي، حيث يكون مسؤول كبير في الجيش الإسرائيلي متواطئا تماما في التستر، لكان الكثير منا قد غضب بشدّة. لأصرّينا أن جيشنا، جيش شعبنا، لا يمكن أبدا أن يفعل أي شيء من هذا القبيل.

لكن ليس من المحتمل أن يقوم غير الإسرائيليين بإنتاج فيلم مثل “فوكستروت”. هذا الفيلم ليس عمل جهات خارجية مناهضة لإسرائيل. إنه إنتاج داخلي، مؤلم، انفعاليّ، وبصير – وبالفعل له صداه القوي لدى الإسرائيليين، إذ تعتبر مشاهدة أجزاء منه محنة حقيقية.

المخرج شموئيل ماعوز يحصل على جائزة الأسد الفضي - جائزة لجنة التحكيم الكبرى لفيلمه "فوكستروت" خلال حفل توزيع الجوائز لمهرجان البندقية السينمائي ال 74 في 9 سبتمبر 2017. (AFP PHOTO / Tiziana FABI)

المخرج شموئيل ماعوز يحصل على جائزة الأسد الفضي – جائزة لجنة التحكيم الكبرى لفيلمه “فوكستروت” خلال حفل توزيع الجوائز لمهرجان البندقية السينمائي ال 74 في 9 سبتمبر 2017. (AFP PHOTO / Tiziana FABI)

تصوير الفيلم لتجربة نهاية العالم التي مرّ بها الآلاف من الآباء والأمهات الإسرائيليين على مدى عقود، عندما يزعزع جرس المنزل هدوء الأسرة ليكون الجيش في الانتظار ليقول لهم أن ابنهم قد “سقط خلال الخدمة”، هو مؤلم جدا وجاف لدرجة أن مشاهدته لا تطاق تقريبا. نادرا ما يمكن لمخرج غير وثائقي أن يسلط الضوء على الإرهاب والانكار الذي تضطر الأجيال الإسرائيلية المتعاقبة بشكل روتيني إلى تحملها، عندما يكون ابناؤها الجنود موجودين في مكان ما ويخاطرون بحياتهم لضمان بقاء بلدنا في هذه المنطقة السامة.

هذه المشاهد، المشاهد الأولى في الفيلم، هي رؤى درامية للواقع الذي أتخيل العديد من الإسرائيليين – وبالتأكيد بما في ذلك وزيرة الثقافة – قد يريدون العالم كله مشاهدتها، ليفهموا أفضل الثمن الباهض الذي ندفعه باستمرار لضمان وجودنا.

“فوكستروت” مصوّر بشكل جميل، ومليء بالفكاهة، لكن رؤيته كئيبة. إنه بالتأكيد ليس ترفيه بالمفهوم المعتاد للكلمة. قد نسميه فيلما منشقا، يطوّق فنيا ضد فجيعة ومآسي وجودنا هنا والتي يبدو أن لا نهاية لها. ولكن بدلا من لوم الحكومات الإسرائيلية صراحة أو ضمنيا برقصة الموت التي يعرضها فوكستروت والتي تعود بنا دائما إلى نقطة انطلاقنا، فإن موعاز – وهو نفسه مدفعي في حرب لبنان عام 1982 – يبعث اليأس.

ملصق الفيلم فوكستروت. (Courtesy)

ملصق الفيلم فوكستروت. (Courtesy)

لا، “فوكستروت” ليست منصفا لإسرائيل. مشهد اطلاق النار والدفن المركزي هو أقل سريالية بل وأكثر واقعية مما أكد بعض المدافعين عنه – لكنه يصور سلسلة من الأحداث التي من الصعب جدا تصورها في الجيش الإسرائيلي كما نعرفه. ومن بين أكثر المشاهد قوة، في بداية الفيلم، المشهد الذي فيه نفس الجنود في نفس الحاجز أجبروا زوجين عربيين، الذين ارتدوا ملابس أنيقة في طريقهم إلى حفل زفاف، للخروج من سيارتهم خلال أمطار غزيرة. المشهد هو لقطة موجزة لإدانة صامتة من قبل المخرج. في الوقت الذي غمرت الأمطار أناقتهم، وسال ماكياجها، بقيت الكاميرا طويلا لتفصيل تعبيرات الزوجين. خيبة أمل، براءة مجروحة، مرارة، لحظة فكاهة ساخرة، وإذلال تمر عبر معالمها. قد لا تكون البغضاء الغير الضرورية هذه من قبل القوات الإسرائيلية غير معقولة، ولكن كما تعرض هنا، فإنها تتحدى حتى المنطق الداخلي للفيلم. هؤلاء الجنود، عند نقطة التفتيش هذه، لا يمكن أن يفعلوا ذلك.

ولكن هذا هو عالم صناعة الأفلام. هذا هو الفن. ليست مهمة في المنطق أو الإنصاف.

وكفيلم، كفن، فإنه يدل على مهارة وذوق وإبداع إسرائيل – الصفات التي نحبّذها. كما أنه يجسد التساؤل الإسرائيلي والإهانة والألم والتأمل – الصفات التي بدونها لن نزدهر.

وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغيف تتحدث خلال مؤتمر في القدس، 13 فبراير 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)

وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغيف تتحدث خلال مؤتمر في القدس، 13 فبراير 2017. (Yonatan Sindel/Flash90)

“فوكستروت” موعود بالحصول على سلسلة من الجوائز الكبرى يوم الثلاثاء في أوفيرس إسرائيل – وهو احتفال الذي لم تتم دعوة ريفيف اليه؛ وقد يكون أول دخول لإسرائيل في مهرجان الأوسكار، والذي لا شك فيه أنه سيغضب ريغيف أكثر، وذلك لأن التمويل الحكومي الإسرائيلي للأفلام ساعد في تمويله (بالإضافة الى حوالي 12 ممول آخر).

يذكر أن الوزيرة التي تعهدت بتغيير طريقة توفير تمويل من هذا النوع – “ما كان عليه الحال لن يكون كذلك”، حسبما ذكرت القناة الثانية الاسرائيلية يوم السبت – لم تشاهد الفيلم الذي نددت به على أنه “جلد ذاتي وتعاون من الأجندة المعادية لاسرائيل”. لو كانت قد شاهدته قد تتفاجئ لاكتشاف كيف يعكس الفيلم بشكل فعّل بعض الحقائق الأكثر دنيوية في الخدمة العسكرية الإسرائيلية، والتي هي على دراية تامة بها من منصبها السابق كمتحدثة بإسم الجيش الإسرائيلي.

ريغيف ستكره أجزاء من الفيلم بالتأكيد. أنا بالتأكيد لم أجد الكثير منه سهل أو ممتع مشاهدة. ولكن يحتاج المرء إلى استيعاب أن المجتمعات الهشة فقط – وليس المجتمعات القوية – هي التي لا يمكن أن تتسامح مع المعارضة البناءة.