حولون- مرت الرحلة من مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة إلى “مركز وولفسون الطبي” في حولون، في ضواحي تل أبيب، بسرعة ومن دون مشاكل بالنسبة ل”هنية شاعر” وحفيدتها إبنة السنتين هلا.

سمحت الهدنة الإنسانية لمدة 72 ساعة للطفلة هلا بالحضور إلى موعدها النصف سنوي في قسم أمراض القلب لدى الأطفال في المستشفى. عندما كانت تبلغ من العمر 8 أشهر فقط، أجريت لحلا عملية جراحية في “وولفسون” لعلاج مرض قلب خلقي، بعد إمتثالها للشفاء التام، أصبحت يوم الثلاثاء أول مريض يعود من غزة إلى المستشفى في أعقاب عملية إسرائيل البرية، والتي إستمرت من 17 يوليو حتى 5 أغسطس.

هلا هي واحدة من 300 طفل تتم معالجتهم سنويا في “وولفسون” من خلال “انقذ قلب طفل”، وهي منظمة غير ربحية إسرائيلية تعمل على تحسين نوعية الرعاية الطبية القلبية للأطفال من بلاد نامية. منذ تأسيسها عام 1995، وفرت المنظمة الرعاية لأكثر من 3,000 طفل تتراوح أعمارهم بين 0-18 عاما، معظمهم من دول أفريقية ودول عربية في الشرق الأوسط.

وقالت شاعر لتايمز أوف إسرائيل: “المجئ إلى هنا في هذه الظروف كان مرهقاً للأعصاب”، وأضافت: “لو كانت الأمور مثل السابق، مع الحرب والصواريخ فوق رؤوسنا، لما كنا أتينا. ولكن الآن هناك وقف إطلاق نار لمدة ثلاثة أيام والأمور جيدة. الناس يتجولون في خان يونس والسوق مفتوحة”.

في البداية، قالت شاعر أن حيها وسط مدينة خان يونس لم يتأثر من العملية الإسرائيلية، ولكن محياها روى قصة أخرى بعد الإلحاح عليها بالأسئلة، إنهارت شاعر وبدأت بالبكاء، وقالت أن إحدى بناتها وحفيدها قُتلوا قبل أسبوعين في قصف إسرائيل، وأصيبت إبنة أخرى كانت متواجدة في البيت الذي قُصف شرقي خان يونس بحروق خطيرة ونُقلت إلى مستشفى “المقاصد” في القدس الشرقية.

وقالت: “لقد جلست إلى جانبها في المستشفى لمدة 10 أيام”.

بالرغم من الألم الشديد، قالت شاعر أنها لم تتردد بشأن إرجاع حفيدتها إلى الفحص الروتيني في إسرائيل: “ما الذي نستطيع فعله؟ عندما لا تكون إمكانية لمعالجة الطفل هناك [في غزة] يقومون بإرساله إلى إسرائيل، هم الإسرائيليون يوفرون له العناية المناسبة، ويعاملوننا بطريقة جيدة، من دون تمييز، الحمد لله”، وقالت الجدة أنها مستعدة أن تذهب إلى أبعد الحدود من أجل هلا وأخيها التوأم، الذين ولدا لإبنتها من خلال التلقيح الإصطناعي في مصر بعد 16 عاما من العقم.

هنية شاعر مع الطفلة هلا بعد الفحص 12 اغسطس 2014 (بعدسة الحانان ميلر / طاقم تايمز أوف اسرائيل)

هنية شاعر مع الطفلة هلا بعد الفحص 12 اغسطس 2014 (بعدسة الحانان ميلر / طاقم تايمز أوف اسرائيل)

بالإضافة إلى مساعدة أطفال مرضى من حول العالم، تقوم منظمة “إنقذ قلب طفل” أيضا بتدريب الأطباء والجراحين والطواقم الطبية من الدول النامية ليتمكنوا من معالجة الأطفال محلياً، في مشروع “إنشاء مراكز الاختصاص”.

تقول “راندي وايس”، مديرة القيادة في “إنقذ قلب طفل”: أن مشروع التدريب في “وولفسون” يهدف إلى إنشاء حل مستدام لمشكلة الأطفال الذي يعانون من أمراض في القلب في الدول النامية، وتشير إلى أن “حوالي 1% من الأطفال حول العالم يولدون مع عيب خلقي في القلب”، وتضيف:  “الكثير منهم بحاجة إلى عمليه لمجرد البقاء على قيد الحياة”.

وتقول وايس:  “نقوم بتدريب فرق كاملة، حتى لا يحتاج كل طفل في تنزانيا إلى المجيء إلى هنا لتلقي الرعاية، يمكن معالجتهم من قبل أطباء محليين في مستشفياتهم المحلية”.

“خالد عبيد”، طبيب أطفال من سلفيت في الضفة الغربية، هو واحد من أربعة متدربين فلسطينيين الذين يتخصصون حاليا في “وولفسون”، ويقول: أن وزراة الصحة في السلطة الفلسطينية أرسلته إلى المستشفى لبرنامج مدته 3 سنوات للتخصص في أمراض القلب لدى الأطفال.

ويقول عبيد: “لا يوجد لدينا هذا التخصص في الضفة الغربية”، ويتابع: “العمل هنا ممتاز”.

من يشرف على كل العملية في “وولفسون” هو “عاكيفا تامير”، رئيس قسم أمراض القلب لدى الأطفال. يقول: أنه عندما بدأ العمل مع “إنقذ قلب طفل” قبل 18 عاما، كان هناك طبيب واحد فقط متخصص في أمراض القلب لدى الأطفال في كل قطاع غزة. “عندها مستوى التشخيص كان منخفضاً إلى حد كبير كانت صحراء”، كما قال.

لكن على مر السنين، تحسن مستوى التخصص الطبي في السلطة الفلسطينية وفي غزة، وقال: “هناك الكثير من التواصل الإيجابي مع الأطباء في غزة”، ويضيف: “يتصلون بإنتظام للتشاور معنا، وهم يقومون بتحويل مرضى، ونحن نتصل للإستفسار عنهم”.

“تامير”، الذي يرى بنفسه حامل الشعلة في البرنامج الذي أسسه دكتور “عامي كوهين” من “وولفسون” والذي توفي عام 2001، يقول أن كل طاقمه – بغض النظر عن التوجه السياسي – يشارك رؤية جوهرية التعاون الطبي ل”إنقذ قلب طفل”.

ويقول:  “من الطبيعي تماماً بالنسبة لي معالجة مرضى فلسطينيين”، ويتابع: “أنا أشدد دائما على أننا كأطباء لدينا مهمة واحدة نحن ملتزمون بها، وهي مساعدة البشر، لا نقوم بأي تمييز”.

يشك تامير في ما إذا كانت سنوات العلاج والتدريب من شأنها أن تساعد بشكل كبير في التخفيف من الصراع السياسي الدموي بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكنه يقول: أنه متأكد من أن لذلك تأثير على العائلات المشاركة بشكل شخصي في البرنامج، وأن مستوى الثقة التي تضعها عائلات المرضى الفلسطينيين في الأطباء الإسرائيليين تثير إعجابه.

“هذا ليس مفهوم ضمنا، لا أشعر بأن بإمكاني تسليم طفلي لتلقي العلاج في مستشفى الشفاء في غزة، بالرغم من أن أصدقائي هناك سيعتنون به بشكل جيد للغاية، ولكني لست متأكداً من أنه هذا هو المعيار الموجود هناك”.

“لا أعرف إذا كان لما نقوم به تأثير عالمي وتاريخي، وبصراحة لا يهمني الأمر، أنا أتصرف بالطريقة التي أراها مناسبة كإنسان وكيهودي”.