يوم الخميس عبر هذه الصفحات، كتبت أنني شعرت بالتردد في تحديد الخطر الذي يكمن لدى إسرائيل في البيان المرير الذي أدلى بها رئيس الوزراء وأعلن فيه عدم ثقته بسيادة القانون هنا – مدعيا أنه ضحية مؤامرة ومحاولة انقلاب.

منافسه المعارض على رئاسة الوزراء، بيني غانتس، لم يبد أي تردد. في خطاب ألقاه ليلة السبت، حذر زعيم حزب “أزرق أبيض” من أن نتنياهو يخاطر في جر البلاد الى حرب أهلية – حرفيا، على حد تعبيره، “حرب الأخ ضد أخيه”، وانتقد نتنياهو على سلوكه كزعيم للمعارضة في عام 1995 وحدد منذرا بالقول: “الرجل الذي قاد حملة تحريض قاسية ومؤلمة ضد رئيس الوزراء يتسحاق رابين، حملة انتهت بكارثة وطنية مروعة، عليه أن يعرف جيدا الثمن الخطير للكلمات، التي قد تتحول لا سمح الله الى رصاصات قاتلة”.

يُعتبر غانتس سياسيا ذو مصداقية في نظر الكثير من الإسرائيليين بحكم سيرته العسكرية سابقا، التي وصل فيها الى منصب رئيس هيئة الأركان. ولكنه مع ذلك سياسي طموح، وخصم نتنياهو الرئيسي في المعارضة، ويسعى إلى أن يحل محل نتنياهو في رئاسة الوزراء.

رئيس حزب ’أزرق أبيض’، بيني غانتس، يدلي ببيان في مؤتمر صحفي بتل أبيب، 23 نوفمبر، 2019. (Miriam Alster/Flash90)

كما حذر سياسي بارز آخر ليلة السبت نتنياهو من أن الادعاء بوجود انقلاب هو ادعاء كاذب والقول للجمهور إن حكم القانون قد فقد مصداقيته هو أمر خطير. “هذه ليست محاولة انقلاب. هذا غير دقيق”، كما قال جدعون ساعر، وأضاف: “القيام بهذا الإدعاء لا يتسم بالمسؤولية … الأمر لا يهدف إلى الإصلاح بل إلى تدمير مؤسسة تطبيق القانون”. وتابع ساعر محذرا من أن قيام رئيس الوزراء بتوجيه اتهامات تحريضية ضد الشرطة والادعاء العام “يتسبب بفوضى في البلاد”.

عضو الكنيست جدعون ساعر (الليكود) يتحدث خلال مؤتمر لشركة الإخبار الإسرائيلية في تل أبيب، 5 سبتمبر، 2019. (Hadas Parush/Flash90)

ساعر هو سياسي آخر يحظى باحترام كبير، وكان وزيرا للتربية والتعليم من حزب نتنياهو، “الليكود”. ولكنه يُعتبر هو أيضا خصم قديم لرئيس الوزراء، ولديه مصلحة شخصية في رؤية نتنياهو يرحل.

ما كان ناقصا على نحو رهيب في الخطاب العام المحتدم في الأيام التي تلت إعلان النائب العام، أفيحاي ماندلبليت، يوم الخميس عن نيته توجيه تهم الاحتيال وخيانة الأمانة في ثلاث قضايا فساد، وتهمة تلقي الرشوى في إحداها، هي أصوات قادة يشاركون نتنياهو فلسفته السياسية، والذين يكنون له الاحترام ولا يسعون إلى منصبه.

موشيه آرنس (Miriam Alster/Flash90)

بعض أولئك الذين كانوا سيتحدثون ربما، ويحضون نتنياهو على تجنب إثارة نقاش داخلي شرس قد يتدهور إلى الأجواء التي لا يمكن تصورها قبل 24 عاما، لم يعودوا موجودين. مضى أقل من عام، على سبيل المثال، على وفاة موشيه آرنس، وزير الدفاع سابقا من حزب الليكود، الذي منح نتنياهو، أكثر من أي شخص آخر، الدعم في بداية طريقه والفرص الأولى لعرض مواهبه في مجال الدبلوماسية العامة. لست واثقا بشأن ما حدث بين يوم الخميس، عندما وضع نتنياهو نفسه في مواجهة مباشرة مع شرطة إسرائيل والنيابة العامة، ودعا الجمهور الى عدم الثقة بهم أيضا، وبعد ظهر الجمعة، عندما قال نتنياهو الذي بدا أكثر تصالحية قليلا إنه سيقبل “من دون شك” بقرار المحكمة في القضايا ضده. ولكن لو كان آرنس لا يزال معنا، كنت سأراهن على أن محادثة هاتفية من معلم نتنياهو كانت جزءا من هذا التحول.

رئيس الدولة رؤوفين ريفلين (وسط) يلتقي برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يمين) في مقر رؤساء إسرائيل بالقدس، 19 نوفمبر، 2019. في الخلفية يقف المفاوض عن حزب ’الليكود’ في المحادثات الإئتلافية، زئيف إلكين. (Mark Neiman/GPO)

عضو مخضرم آخر من حزب الليكود أدرك منذ فترة طويلة الاتجاه الذي يمكن ان تتجه نحوه إسرائيل مع رئيس وزراء متمسك بالسلطة في بحر من المشاكل القانونية. من هنا جاءت صيغة رؤوفين ريفلين لتقاسم السلطة بين نتنياهو وغانتس، والتي تنص على إجازة لرئيس الوزراء ومنح صلاحيات أكبر لرئيس الوزراء المؤقت. ولقد تم رفض مبادرته في شهر سبتمبر، وفشلت تحذيراته بشأن تصاعد التوتر الداخلي حيث تعاظمت الحاجة إليها في ضرب وتر حساس .

لكن آخرين كثر اختاروا التزام الصمت في هذه الفترة المصيرية، حيث يخاطر رئيس وزراء يواجه اتهامات جنائية بتحويل معاركه القانونية الى صراع وطني داخلي.

لا أحد يجبر شبان وشابات طموحين على دخول عالم السياسة. أولئك الذين يسعون للحصول على دعم شعبي بالاستناد على قدرتهم في العمل من أجل مصلحة ناخبيهم وتوجيه الأمة ووضع سياسة… وللقيادة.

أييليت شاكيد (Photo: Flash 90)

هذه هي لحظتهم – وبالتحديد لحظة الأعضاء البارزين في كتلة نتنياهو التي تضم 55 نائبا تم انتخابهم حديثا للكنيست، الذين أوصوا به رئيسا للوزراء، وخاصة أولئك الذين لا يسعون في هذه الكتلة الى الإطاحة به ولذلك لا يمكن التشكيك في دوافعهم. أفكر في أمثال وزيرة العدل السابقة، أييليت شاكيد (التي تحدثت عن دعمها لماندلبليت، واصفة إياه بأنه “رجل نزيه يتخذ قراراته باستقلالية، وفقا للأدلة وتقييمه المهني”)، وأعضاء ليكود مخضرمين مثل تساحي هنغبي ويسرائيل كاتس ويوفال شتاينتس، ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) الأسبق، عضو الكنيست آفي ديختر، وفي المقام الأول يولي إدلشتين، رئيس الكنيست والطامح برئاسة الدولة.

إذا كان من السذاجة أن نتطلع للسياسيين بحثا عن قيادة أخلاقية، هل يستكثرون علينا أن نتوقع منهم المساعدة في صياغة الخطاب العام في هذه اللحظة الصعبة، وتقديم مشورة جيدة علنية وسرية، والعمل على التخفيف من حدة وضع يهدد بالخروج عن السيطرة؟ لقد كان ساعر فصيح اللسان ليلة السبت في تحقيق التوازن بين دعمه لإصلاحات طال انتظارها في النظام القانوني وفي النيابة العامة وبين قلقه من أن نتنياهو، من خلال تقويضه لمجتمع تطبيق القانون بكامله، يخاطر بالتسبب بفوضى وطنية. لكن، مرة أخرى، يمكن بسهولة لآلية حزب الليكود مهاجمة دوافع ساعر واعتباره متآمرا متسلسلا ضد نتنياهو.

النائب العام أفيحاي ماندلبليت يعقد مؤتمرا صحفيا في وزارة العدل بالقدس للإعلان عن قراره بشأن تقديم لوائح اتهام ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، 21 نوفمبر، 2019. (Menahem KAHANA / AFP)

إذا كان هناك أي عزاء، فإن حقيقة أن ماندلبليت ليس معينا من قبل نتنياهو فحسب، وإنما هو شخصية تحظى باحترام كبير ويهودي متدين، كبحت إلى حد ما التوترات الداخلية. لو كان علمانيا من تل أبيب، مثل المدعي العام شاي نيتسان، هو من يشغل المنصب، لكان رئيس الوزراء دفع بشكل أكبر بجهوده لتشويه سمعة المؤسسة بكاملها، ولكن مع إدراكه لمصداقية ماندلبليت، اختار نتنياهو أن يصور النائب العام على أنه رجل ساذج وضعيف، وليس كمهندس لمحاولة الإنقلاب المزعومة.

نتنياهو يقرر الآن مدى مرارة الحرب التي يود شنها ضد متهميه من مؤسسات الدولة. سيشجعه غرائزه في البقاء وزوجته ونجله من دون شك على القتال بعناد، في حين ستحثه وطنيته على اتباع خطاب أقل إثارة للانقسام.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرد على قرار اتهامه في قضايا فساد، 21 نوفمبر 2019. (Channel 11 Kan screenshot)

ما الذي يدور في أذهانه بالضبط لحشد مؤيديه في التجمع المخطط له مبدئيا ليلة الثلاثاء؟ ما مدى التحريض الذي سيتضمنه الخطاب الذي يعتزم إلقاءه؟ هل سنرى نتنياهو المحرض مساء الخميس أم سنرى نتنياهو أكثر تصالحية بعد ظهر يوم الجمعة؟ ما هو التأثير والنتائج التي يسعى لخلقها؟

وبينما يزن نتنياهو طريقه، فإن للأصوات التي من حوله دور حاسم لتلعبه. يجب على نتنياهو ألا يدفع إسرائيل نحو حرب أهلية، وعلى أولئك الذين في معسكره السياسي، وخاصة أولئك الذين لا يمكن اعتبارهم خصوما منافقين يسعون لكرسيه، توضيح هذه النقطة له.