نيويورك – إذا كررت ما تقوله كثيرا، ستبدأ في نهاية المطاف بتصديق نفسك.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضح أنه يؤمن حقا بأن إسرائيل تحظى بشعبية متزايداة في العالم – بما في ذلك في الدول العربية – وبالتالي فإن إتفاق سلام بشروط إسرائيلية هو قاب قوسين أو أدنى.

خلال خطابه الذي استمر 40 دقيقة، والذي خلا هذه المرة من الأدوات أو الوسائل المرئية أو الإفراط في الأسلوب الفكاهي، قال نتنياهو بأن براعة إسرائيل في مجال الهايتك وخبرتها في مكافحة الإرهاب تجعل منها حليفا جذابا. المزيد والمزيد من البلدان تدرك ذلك، ما يدفعها إلى إعادة النظر في نهجها اتجاه الدولة اليهودية، بحسب أقواله.

وصرح نتنياهو بأن “علاقات إسرائيل الدبلوماسية تشهد ثورة وليس أقل من ذلك”.

حتى الآن، أظهرت الأمم المتحدة عداء واضحا لإسرائيل، كما قال. “كل شيء سيتغير وأسرع مما تظنون. التغيير سيحدث في هذه القاعة، لأنه في البيت، حكوماتهم تغير وبسرعة توجهاتها تجاه إسرائيل. عاجلا أم آجلا، سيغير ذلك الطريقة التي تصوتون فيها حول إسرائيل في الأمم المتحدة”.

وأكد على أن الدول العربية على وجه الخصوص تقوم بتحسين علاقاتها مع إسرائيل.

وقال: “للمرة الأولى في حياتي، دول أخرى كثيرة في المنطقة تدرك أن إسرائيل ليست بعدوها. هم يدركون أن إسرائيل هي حليف لهم”. في السنوات القادمة، كما تعهد رئيس الوزراء، سيقوم إسرائيل والعالم العربي ب”العمل معا علنا”.

خطاب نتنياهو الخميس لم يكن بالطبع المرة الأولى التي يتحدث فيها نتنياهو عن التقارب المزعوم بين إسرائيل والدول العربية. هذا التحالف غير المعلن دخل حيز الوجود بسبب تهديد مشترك – إيران – وسيساعد إسرائيل في نهاية المطاف على التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين، كما يؤكد رئيس الوزراء منذ فترة طويلة. ولكن حتى في الوقت الذي تباهى فيه نتنياهو ب”الثورة” الدبلوماسية، كانت تصريحات القادة العرب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع معادية أكثر من أي وقت مضى.

في عام 2013، متحدثا من على المنصة نفسها، قال نتنياهو بأن مخاطر إيران نووية وتهديدات أخرى في المنطقة “دفعت الكثيرين من جيراننا العرب إلى الإقرار، الإقرار أخيرا، بأن إسرائيل ليست عدوا لهم”. إن ذلك، كما قال رئيس الوزراء، “يتيح لنا الفرصة للتغلب على العداوات التاريخية وبناء علاقات جديدة، صداقات جديدة، آمال جديدة. ترحب إسرائيل بالتواصل مع العالم العربي الأوسع”.

منذ ذلك الوقت، كرر رئيس الوزراء وكبار مساعديه هذه الفكرة مرات لا تُعد ولا تُحصى، متحدثين عن تعاون أمني متزايد. إن هذه العلاقات ينبغي أن تبقى سرية لأنه، كما قال المسؤول المقرب من نتنياهو والمدير العام لوزارة الخارجية دوري غولد في يونيو، للعرب “حساسياتهم”.

الأمور تتحسن طوال الوقت

يوم الخميس، أخذ نتنياهو حجته المعتادة خطوة واحدة أبعد من ذلك، داعيا مندوبي الأمم المتحدة إلى وضع أسلحتهم جانبا لأن “الحرب ضد إسرائيل في الأمم المتحدة قد انتهت”.

وقال: “ربما لا يدرك بعضكم ذلك بعد، ولكنني واثق من أنه في يوم من الأيام الغير بعيدة في المستقبل ستحصلون على رسالة من رئيسكم أو رئيس حكومتكم يبلغكم فيها بأن الحرب ضد إسرائيل في الأمم المتحدة قد انتهت”.

في حين أنه أقر بالشائعات المستمرة التي تتحدث عن قرار مقبل ضد إسرائيل في مجلس الأمن الدولي، قال نتنياهو إنه “بغض النظر عما سيحدث في الأشهر القادمة، لدي الثقة الكاملة بأنه في السنوات القادمة ستخترق الثورة في موقف إسرائيل بين الأمم أخيرا قاعة الأمم هذه”. خلال 10 سنوات، بحسب توقعاته، سيقف رئيس وزراء إسرائيلي هنا على المنصة نفسها ويحظى بتصفيق الأمم المتحدة (لم يقل إذا كان يتوقع أن يكون هو رئيس الوزراء هذا).

بعد دقائق قليلة من ذلك، في فقرة أعاد فيها التأكيد على التزامه بالسلام مع الفلسطينيين، قال نتنياهو بأنه في حين يقف مستعدا للتفاوض على كل قضايا الحل النهائي، لكنه لن يتفاوض على “حقنا بالدولة اليهودية الواحدة والوحيدة”، وهي جملة لاقت بعض التصفيق – من مقاعد الوفد الإسرائيلي في القاعة ومن ضيوف نتنياهو على الشرفة. يقوم رئيس الوزراء دائما بدعوة زعماء يهود أمريكيين إلى خطاباته في الأمم المتحدة، معظمهم معجبون كثيرا بموهبته الخطابية ويتفقون مع سياساته.

“واو، تصفيق مؤيد لرئيس وزراء إسرائيل في الجمعية العامة؟” كما قال نتنياهو متعجبا. “قد يكون التغيير أقرب مما كنت أظن”.

لم يكون واضحا فيما إذا كان نتنياهو، من على منبره، كان قادرا على رؤية أن من قام بالتصفيق فقط هم مشجعوه المعتمدون، أو انه لم يرد رؤية ذلك. ولكن كل من كان في القاعة رأى أن قلة قليلة، إن وجدت، من مندوبي الأمم المتحدة صفقت له.

في وقت لاحق الخميس، خلال تلقيه جائزة من “معهد هادسون”، وهي مؤسسة بحثية محافظة، أعرب نتنياهو عن إعتقاده بأن الأغلبية التلقائية ضد إسرائيل في الأمم المتحدة ستختفي في خلال أقل من 10 سنوات.

في محاولته للحصول على المزيد من الأصوات لصالح إسرائيل، يعتمد نتنياهو في الأساس على العلاقات المتنامية مع البلدان الأفريقية. في حين أن إعلانه عن أفريقيا على أنها “أولوية عليا” لإسرائيل لم يُترجم إلى تغيير ملموس في أنماط التصويت، فإن القمة التي استضافها في الأمم المتحدة وحضرها أكثر من 17 قائدا من الدول الأفريقية، يبرز بشكل لافت التقارب السريع بين القدس والكثير من بلدان القارة.

مع ذلك، رؤية نتنياهو بشأن الإنفراج في العلاقات العربية-الإسرائيلية تبدو أبعد من ذلك بكثير.

قال نتنياهو في الأمم المتحدة: “ما زلت ملتزما برؤية السلام بالإستناد على حل الدولتين لشعبين”. وتابع قائلا: “أؤمن أكثر من أي وقت مضى بأن هناك تغييرات تحدث في العالم العربي اليوم التي تتيح فرصة فريدة للدفع بهذا السلام”. ورحب بـ”روح مبادرة السلام العربية”و رحب أيضا بالحوار مع البلدان العربية لـ”الدفع بسلام أوسع”.

لكن نتنياهو قال كل هذه الأمور مرات عديدة قبل ذلك، وحتى الآن فشلت تصريحاته بتحقيق نتائج ملموسة. من دون شك، يؤكد مسؤلون إسرائيليون وجود الكثير من التعاون السري مع بلدان عربية. هناك أيضا بعض المؤشرات العلنية على تحسن في العلاقات: زيارة الجنرال السعودي السابق أنور عشقي إلى إسرائيل في شهر يونيو وعدم مغادرة الوفد الكويتي لدى الامم المتحدة للمرة الأولى القاعة خلال خطاب نتنياهو.

عداء علني

ولكن حتى نظرة خاطفة على خطابات قادة هذه البلدان هذا الأسبوع أمام الجمعية العامة تظهر إلى أنه على الرغم من التعاون السري فإن العداء تجاه إسرائيل لا يزال قويا.

في خطابه أعلن ولي العهد السعودي بأن “إسرائيل مستمرة في احتلالها العسكري وممارساتها الإرهابية وإعتداءاتها، بما في ذلك حصارها وانتهاكات اخرى خطيرة للقانون الدولي، من دون أن تخشى من العقاب أو المحاسبة”، ودعا إسرائيل إلى إنهاء إحتلالها لفلسطين، “إلى جانب بقية الأراضي العربية المحتلة، بما في ذلك الجولان العربي السوري وجنوب لبنان”.

وقال إن تحقيق تقدم في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني لا يزال مستحيلا بسبب المستوطنات الإسرائيلية، ولقيام إسرائيل ب”تدمير الهوية العربية الإسلامية والمسيحية” للقدس، و”السياسة عديمة الرحمة في ممارسة القمع ضد الشعب الفلسطيني”.

وتابع ولي العهد أقواله داعيا إلى ضرورة أن يبقى الشرق الأوسط خاليا من السلاح النووي، ما يجعل من وضع إسرائيل لمنشآتها النووية تحت نظام التفتيش الدولي “ضرورة مطلقة”.

رئيس وزراء دولة الكويت هاجم هو أيضا “الممارسات القمعية لقوات الاحتلال الإسرائيلية واستخدام إسرائيل المفرط وغير المبرر للقوة ضد الشعب الفلسطيني”.

تواصل إسرائيل “ممارساتها وسياساتها العدوانية” من دون مساءلة دولية، وبالتالي على مجلس الأمن “مواصلة الضغط” على إسرائيل حتى يتم تأسيس دولة فلسطينية بالإستناد على حدود 1967، بحسب أقواله. بعد ذلك أشاد بدور حكومته في تنظيم مؤتمر دولي حول معاناة الأطفال الفلسطينيين “لتسليط الضوء من خلاله على الانتهاكات الإسرائيلية الخطيرة والمستمرة للاتفاقيات والأعراف الدولية الخاصة بحقوق الطفل”.

إلى حد ما من المنطقي أن يأتي التقارب العربي تدريجيا، حيث أنه تم تغذية المواطنين في كثير من الدول العربية بدعاية معادية لإسرائيل لسنوات ولا يمكن أن نتوقع منهم قبول إحتضان قادتهم المفاجئ لإسرائيل بسبب مصالح إستراتيجية مشتركة.

لكن بإمكان إسرائيل بكل تأكيد أن تتوقع من هذه البلدان أن لا تستمر برؤية إسرائيل كعدو لها والتمتع بثمار التعاون السري من خلال التخفيف من لغة الخطاب المعادية. ما كانت لتندلع أعمال شغب في شوارع الرياض لو قام ولي العهد بحذف تعبير “الممارسات الإرهابية” الإسرائيلية من خطابه.

مفعم بالأمل

نتنياهو، في ختام كلمته، قال بأنه أعجب دائما ب”تفاؤل [شمعون بيرس] الذي لا يعرف حدودا”، ومثل الرئيس السابق، هو أيضا “مفعم بالأمل”. أحد أسباب تفاؤله المفاجئ هذا هو إيمانه بأنه “على الرغم من جميع الرافضين، في السنوات القادمة، ستحقق إسرائيل سلاما دائما مع جميع جيرانها”.

هل يؤمن حقا نتنياهو، المتشائم الدائم، بالسلام في عصرنا؟ من المستحيل أن نعرف. ولكن إيمانه بإسرائيل يحسن من مكانة إسرائيل في العالم بشكل مستمر، ورؤيته لإنفراج عربي-إسرائيلي وشيك سيؤدي بدوره إلى سلام إسرائيلي-فلسطيني، يبدو بأنه يزداد جرأة من خطاب لآخر، على الرغم عن الحقائق على الأرض.