ربما يجب البدء بواحد من أكبر التحديات التي تنتظر دخول رئيسي بلدتي رام الله والبيرة الجديدين إلى منصبيهما. الإختنافات المرورية. في كل مكان وساعة تقريبا في هاتين المدينتين اللتين يفصل بينهما “شارع القدس”، ستجد هناك ازدحامات مرورية. في وسط المدينة ولكن في خارجها أيضا. المزيد والمزيد من الإختناقات المرورية. وكذلك مبان جديدة ومراكز تسوق ومطاعم. لكن البنى التحتية للشوارع في رام الله والبيرة الآخذتين بالنمو في كل عام لا تزال عالقة في سنوات السبعين من القرن الماضي. سيكون هناك من سيقول أن “ذلك بسبب الإحتلال”، ولكن يبدو هذه المرة أن المشكلة لا تتلخص في “العدو الإسرائيلي”.

ولكن مع كل الإحترام للإختناقات المرورية في أنحاء المدينة، بالنسبة للمسؤولين في حركة “فتح” والسلطة الفلسطينية في رام الله فإن المشكلة الأكثر إلحاحا هي الفوز في الإنتخابات المحلية. بعد ذلك يمكن الإهتمام بقضايا أخرى مثل حركة السير والصرف الصحي والثقافة ومشاكل أخرى كثيرة. في الوقت الحالي، ظاهريا على الأقل، يبذل مسؤولو “فتح” جهودا جبارة لضمان فوز الحركة في الإنتخابات التي ستجرى بعد 5 أسابيع.

وعلينا الإعتراف بأن هذه الجهود مثيرة للإعجاب حقا. صحيح أنه توجد هناك وهناك بعض الخلافات بين المسؤولين المنتمين لحركة “فتح”، ولكن في الإجمال نجحت الحركة في الحفاظ على وحدة الصف بشكل مفاجئ. حتى المقربين من محمد دحلان، مسؤول الحركة الذي تم نفيه في عام 2011 من رام الله ويقيم اليوم في دولة الإمارات، والذي يُعتبر الخصم الأكبر لمحمود عباس، امتنعوا عن خوض الإنتخابات في قوائم منفصلة ويقومون بالتعاون مع جهود “فتح” في تحقيق الفوز في غزة.

عباس، الذي ليس فقط رئيس حركة “فتح”، بل هو أيضا رئيس السلطة الفلسطينية، قام إلى جانب اللجنة المركزية للحركة (التي تشكل القيادة العليا للحركة) بتوزيع أعضاء اللجنة على “قطاعات”: خُصصت لكل عضو منطقة جغرافية منطقة يشرف فيها على جهود الإنتخابات ولمنع العديد من قوائم حركة فتح في تلك المدن والقرى من الترشح ضد بعضها البعض. وكما ذُكر، فإن هذه الجهود أتت بثمارها (بشكل جزئي).

“لم يكن هذا الوضع في 2005″، كما قال لي أحد المقربين من عباس. “وهذا أيضا ما فاجأ حماس. اعتقدوا بأنه ستكون هناك منافسة شديدة داخل فتح ستساعدهم على الفوز. عندما أدركوا أن ذلك لن يحدث، قاموا بمناورة وقرروا عدم خوص الإنتخابات بشكل علني”.

وبالفعل، هذه “المناورة” لحركة “حماس” تبدور واضحة، واضحة أكثر من اللزوم. على الرغم من كثرة الحديث عن تنامي قوة “حماس” في الرأي العام، قررت الحركة الإسلامية الإمتناع عن ترشيح قادتها المعروفين في القوائم المختلفة في هذه الإنتخابات. من الممكن أن يكون ذلك في محاولة لتجنب تعرضهم للملاحقة من قبل إسرائيل ولكن هناك سبب لا يقل أهمية عن ذلك، يبدو أن “حماس” حاولت تجنب تعرضها لهزيمة ساحقة. الحركة أعلنت عن دعمهما لقوائم معينة، أو عن ترشيحها لأشخاص مقربين منها في بعض القوائم. وبالتالي، إذا خسرت هذه القوائم، سيكون بإمكان “حماس” الإدعاء أن الهزيمة لا تعنيها. ولكن إذا فازت هذه القوائم ستعلن للعالم بطيعة الحال للعالم بأسره عن إنتصار كبير لها – وهزيمة ل”فتح”.

عرف المسؤلون في “فتح” كل هذه الأمور عندما قرروا مع عباس التوجه إلى إنتخابات محلية والسماح ل”حماس” بالمشاركة فيها. حتى قبل أسبوعين بدا هذا القرر كرهان غير مسؤول.

منسق أنشطة الحكومة في الأراض العقيد يوآف مردخاي) “والشاباك حاولوا تحذيرنا من أننا متجهين نحو هزيمة، وأن حماس ستفوز”، كما قال مسؤول رفيع المستوى وتابع “قاموا بتسريب قصص لوسائل الإعلام عندهم إزاء ما يمكن أن يحدث سيحدث في حال فوز حماس. وطلبنا منهم طلبا واحدا:التحلي الصبر. قليلا. ولا بأس أيضا بقليل من التواضع. شرحنا لهم أنه حتى نتائج الإنتخابات للكنيست في إسرائيل لم يستطع أحد أن يتوقعها، فكيف بإمكانهم التنبؤ بنتائج الإنتخابات المحلية في الأراضي الفلسطينية؟”

-ولكن ما الذي سيحدث في حال انتصرت “حماس” في المدن الكبرى؟ فهي لا تحتاج إلى أكثر من ذلك.

“أحيانا أجد صعوبة في فهكم فهمكم أيها الإسرائيليين”، كما قال قال المسؤول وأضاف غاضبا، “إذا فاز حزب العمل عندكم في تل أبيب في الإنتخابات، هل يعني ذلك أن هذا هو الوضع في إسرائيل؟ أو أنكم تقومون بفرز الأصوات كلها معا في النهاية؟”

مسؤول آخر رفيع المستوى في “فتح”، وهو أيضا من المؤيدين المتحمسين لقرار إجراء الانتخابات المحلية، قال إنه إذا حققت “فتح” الفوز في هذه الإنتخابات ستكون هذه “البداية فقط. بعد ذلك سنتجه إلى اللجنة المركزية لحركة لفتح، ونقوم بعقد المجلس المركزي الفلسطيني، وإن شاء الله سنتجه إلى الإنتخابات للبرلمان.

“الأرقام في صالحنا”، كما قال وأضاف “تمعن جيدا. الرقم الإجمالي لعدد المقاعد في المجالس المحلية، البلديات، القرى – جميعها معها في الضفة الغربية وغزة – التي سيتم إنتخابها في 8 أكتوبر هو 3818. من بينهم في قطاع غزة هناك 313 مقعدا و3505 في الضفة. حتى الآن، قبل أن تبدأ الإنتخابات، ضمنت حركة فتح لنفسها 1335 مقعدا. بكلمات أخرى، حركة فتح لديها 35% حتى قبل بدء الإنتخابات. هل تفهم ما أعنيه؟”

وشرح قائلا: “لدينا آلية تُسمى ’التزكية’. أي قبل الإنتخابات هناك موافقة في قرية أو مجلس محلي على قائمة واحدة فقط ستخوض الإنتخابات. في 181 مجلس كهذا من أصل 391 في غزة، هناك إنفاق على أن قائمة واحدة ستخوض الإنتخابات. في 38 سلطة محلية أخرى لن تكون هناك إنتخابات لأن السكان قرروا ذلك.بكلمات أخرى، تبقى هناك 172 مجلس فقط في الضفة الغربية سيتم إجراء إنتخابات فيها”.

“عدد المقاعد في المجالس ال181 هذه التي يوجد فيها ’تزكية’ هو 1702. من بينها، 1335 لحركة فتح. 72 لحماس، 60 للجبهة الشعبية، 30 للجبهة الديمقراطية و160 يُعتبرون مستقلين. وهناك أيضا المقاعد التي ستذهب لأحزاب أصغر مثل الفداء وحزب الشعب وغيرهما. من بين 181 قائمة تزكية تم إنتخابها عمليا لرئاسة المجلس المحلي، 100 منها تُسمى ’قائمة فتح’، و26 قائمة أخرى لحركة فتح مع عائلات كبيرة.

وتابع، “55 قائمة لفتح مع الفصائل الصغيرة، بما في ذلك حماس. هناك قوائم وافقنا فيها على إدخال ممثل واحد مؤيد لحماس. على سبيل المثال، هناك مجلس محلي معين فيه سبعة أعضاء مجلس. بحسب التزكية سيكون ستة منهم من فتح وواحد من حماس. هل بدأت تفهم الآن إلى أين تهب الريح؟”

“لنسير الآن مع التخويفات الإسرائيلية ولنفترض للحظة أن كل مرشحي حماس في الإنتخابات للمجالس الـ -172 المتبقية في غزة، وال25 في غزة (بالإجمال 416 مجلس محلي) سيفوزون. فبعد كل شيء، فإن عدد كل مرشحيهم يصل إلى 750. ولنفترض أننا قمنا بجمعهم معا وقلنا أنهم فازوا – ومجددا لا يوجد أي احتمال في حدوث ذلك، ولكن لنفترض ذلك. سيكون لديهم عندها 20% من المقاعد، وليس أكثر. 20% من المقاعد في سيناريو من المستحيل ان يفوزوا فيه بكل شيئ وأنتم تصرخون بأننا سنتعرض لهزيمة؟”، كما قال غاضبا.

وتابع “يوجد اليوم تيار في حماس يدرك الإتجاه الذي تهب فيه الريح ولذلك يتردد في دخول الإنتخابات أصلا. عدد من مسؤولي حماس في الضفة مارسوا ضغوطا للإنسحاب من الإنتخابات. رأينا تراجعهم في جنين وعدم مشاركتهم باي شكل من الأشكال في الإنتخابات. في رام الله هناك قائمة لفتح وقائمة لليسار ولكن لا توجد هناك أي قائمة لحماس. في سلفيت فازت فتح بالتزكية (من المتوقع هناك أيضا حدوث تناوب بين ممثل اليسار وممثل فتح). في أريحا هناك منافسة بين قوائم لفتح من دون حماس على الإطلاق. كذلك الأمر في بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور. لا توجد قوائم لحماس على الإطلاق. لديهم قوائم في الخليل وطولكرم وقلقيلية وهناك أيضا عدلي يعيش في نابلس الذي كان رئيسا للبلدية بالتناوب مع مسؤول من فتح”.

يبدو هؤلاء المسؤولين واثقين للغاية من وضعهم في الضفة. هل هذا التفكير متفائل أكثر من اللزوم أو أنه واقعي بالإستناد على حقائق، كما يدعون في عرضهم للأرقام؟ ما يثير الدهشة أنه في إسرائيل أيضا بدأت تُسمع توقعات أكثر أكثر تفاؤلا بالنسبة للنتائح المتوقعة للإنتخابات. الجميع متفق على أن حدوث “تسونامي” كما حدث في 2005 (في الإنتخابات المحلية) و2006 (في البرلمان) هو أمر من غير المتوقع حدوثه. والآن، بعد إغلاق القوائم وبعد اتضاح صورة الإنتخابات (بما في ذلك نظام “التزكية”)، من الواضح أن حركة “حماس” لن تكتسح الضفة الغربية بإنتصار ساحق. ومع ذلك، المكسب المحتمل الذي قد تتمكن “حماس” من تحقيقه في هذه الإنتخابات موجود في مدن مثل طولكرم وقلقيلية والخليل وطوباس (في نابلس هناك قائمة مشتركة يقف على رأسها رجل حماس عدلي يعيش الذي سيخلي مقعده لممثل فتح بعد عامين). في هذه المدن تُعتبر القوائم المحسوبة على “حماس” حاليا أقوى، في الوقت الذي لم تنجح فيه “فتح” بإثبات نفسها هناك .على سبيل المثال في الخليل، تتنافس في الإنتخابات ثلاث قوائم تابعة لحركة فتح”: قائمة أيمن قواسمة، وهو صحافي معروف، وقائمة خالد قواسمة، وزير سابق في الحكومة الفلسطينية، والقائمة الرسمية لحركة “فتح” برئاسة أحمد التميمي. لحركة حماس هناك قائمة تُدعى “أهل البلد”، برئاسة عبد المعطي أبو اسنينة، المؤيد لحركة “حماس” ولكن عمليا جميع سكان المدينة يدركون جيدا لمن تنتمي هذه القائمة. هذا هو عمليا “إحتمال الضرر الكبير”، الذي يمكن أن تحققه “حماس” في هذه الإنتخابات.

وربما قد تكون القصة الأكبر لهذه الإنتخابات في قطاع غزة. حيث تظهر هناك معركة حقيقية وجها لوجه، بين قائمة تابعة لحركة “فتح” وقائمة لحركة “حماس”، من دون الإختباء وراء أسماء غير معروفة أو عائلات. وبالذات هناك، كما يبدو، تظهر “فتح” تنظيما أفضل، على الأقل في المدن الكبرى. “قد نحقق إنجازات هامة هناك”، كما قال أحد مسؤولي “فتح” في رام الله. “في مدينة غزة هناك 15 مقعد للمجلس البلدي. لن أستغرب إذا حصلت فتح هناك على أكثر من سبعة”.