في 15 أبريل، مررت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) قرارا يتجاهل العلاقة اليهودية بجبل الهيكل والحائط الغربي.

البرازيل كانت إحدى الدول التي صوتت لصالح القرار. بعد شهر من ذلك، أصدرت وزارة الخارجية البرازيلية بيانا أقرت فيها بأنه، في فشله في ذكر “علاقة الشعب اليهودي بالقدس”، كان النص “منحازا وغير متوازن”. الحكومة تعهدت بـ”إعادة النظر في تصويتها إذا لم يتم تصحيح أوجه القصور في القرار في تقييم مستقبلي لهذه المسألة من قبل اليونسكو”.

يوم الخميس، صوتت اليونسكو على قرار مماثل تقريبا، الذي لم يأت على ذكر العلاقة اليهودية بجبل الهيكل. 23 عضوا في المجلس التنفيذي للمنظمة صوتوا لصالح القرار – من بينهم البرازيل. على نحو لا يمكن إنكاره، منذ شهر أبريل اختارت الدولة الأمريكية اللاتينية رئيسا جديدا، ميشال تامر، ولكن رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو وصفه مرارا وتكرار على أنه أكثر ودية لإسرائيل من سالفته في المنصب، ديلما روسيف. حاولوا فهم ما يحدث!

تأييد برازيليا للقرار يؤكد إلى أي مدى لا تزال أنماط التصويت المؤيدة للفلسطينيين راسخة في المجتمع الدولي، ومدى الجهود التي على الدبلوماسيين الإسرائيليين بذلها للتغلب على الأغلبية العربية التلقائية في المنظمات متعددة الأطراف.

ومع ذلك، لمراقبي الدبلوماسية الإسرائيلية طريقتين للنظر على قرار اليونسكو، الذي تم تمريره في باريس بغالبية 24 صوتا، مقابل 6 دول صوتت ضد القرار، و26 دولة امتعنت عن التصويت.

الخيار الواضح هو غضب مطلق. وبالفعل، أي يهودي، متدينا كان أم علمانيا، سيشجب على الأرجح قرارا حول جبل الهيكل لا يعترف – أو بالأحرى يغفل عمدا – بعلاقة الشعب اليهودي لما يُعتبر الموقع الأقدس لديه منذ 3,000 عام. وحقيقة أن دولا مثل فرنسا وإيطاليا وكينيا واليابان – أصدقاء مزعومين للدولة اليهودية – لم يسمحوا لأنفسهم بالتصويت ضد تشويه فاضح كهذا للتاريخ، تزيد من الغضب الإسرائيلي.

سياسيون إسرائيليون من مختلف ألوان الطيف السياسي سارعوا إلى التنديد باليونسكو لسماحها بتمرير القرار.

رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو كتب على حسابه الشخصي على فيسبوك “ماذا بعد؟”، وتابع “قرار لليونسكو ينكر العلاقة بين زبدة الفستق والهلام؟ باتمان وروبين؟ الروك والرول؟ هل من الغريب أن الأمم المتحدة تحولت إلى مهزلة أخلاقية عندما يقوم اليونسكو، هيئة أممية مهمتها الحفاظ على التاريخ، بإنكار وتشويه التاريخ؟”

(هل نسي نتنياهو، الذي يمدح بإستمرار تحسن مكانة إسرائيل المطرد في العالم، أن المنظمة ليست هي التي تصوت على القرارات بل أعضاؤها؟ قرار يوم الخميس المثير للجدل لاقى دعما من روسيا والصين والمكسيك ونيجيريا وبلدان أخرى يعتبرها رئيس الوزراء حليفة لإسرائيل).

عضو الكنيست آفي ديختر، الذي يرأس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست، هدد بأن كل من يحاول تغيير التاريخ “سيتم إلقاؤه في نهاية المطاف في مزبلة التاريخ”.

وزير السياحة ياريف ليفين وصف قرار اليونيسكو ب”المعادي للسامية”. الرد الوحيد الملائم، كما قال، هو مواصلة “ترسيخ قبضتنا على القدس وأرض إسرائيل”، وهو الرمز الذي يستخدمه اليمين الإسرائيلي للدعوة إلى توسيع المستوطنات خارج حدود ما قبل عام 1967.

وزير التعليم نفتالي بينيت وصفه القرار ب”إرهاب دبلوماسي”، وشبهه بأنشطة “التطهير الثقافي” التي يقوم بها تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق.

ردود الفعل الغاضبة جاءت أيضا من اليسار. زعيم المعارضة يتسحاق هرتسوغ وصف القرار ب”الكذبة الرهيبة”. النائبة في الكنيست ميراف ميخائيلي (المعسكر الصهيوني) قالت إن المندوبين “تعاطوا المخدرات”. عضو الكنيست حيليك بار (المعسكر الصهيوني) قال “من الواضح إنه لا توجد هناك علاقة بين اليونسكو بالأرض أو بتاريخ البشرية”.

سبع دول غيرت تصويتها من التأييد إلى الإمتناع

خسارة عملية تصويت ب24 صوتا مقابل 6 أصوات هي هزيمة دبلوماسية واضحة، لا توجد هناك طريقة أخرى لوصف ذلك. ولكن عند النظر بصورة أكثر عمقا على نتائج التصويت يوم الخميس، هناك أسباب تدعو للتفاؤل كادت أن تضيع بين أصوات التنديد. مقارنة بالتصويت الذي أجري في شهر أبريل على المسألة ذاتها، في قرار تجاهل هو أيضا عن العلاقة اليهودية بجبل الهيكل والحائط الغربي، شكلت نتائج يوم الخميس تحسنا لا يمكن تجاهله، من وجهة نظر إسرائيلية.

سبع دول صوتت قبل ستة أشهر لصالح القرار امتنعت هذه المرة عن التصويت، من بينها دولتين من الوزن الثقيل مثل فرنسا والهند.

بعد الإستياء الإسرائيلي على قرار شهر أبريل، أقرت باريس بأن تصويتها لصالح القرار كان خطأ، لذلك لم يكن الإمتناع الفرنسي عن التصويت مفاجئا. ولكن مسؤولون إسرائيليون لم يتوقعوا من دول مثل الهند والسويد رفض تأييد مشروع القرار الفلسطيني، الذي طرحته كل من الجزائر ومصر ولبنان والمغرب وعُمان وقطر والسودان. (البلدان الأخرى التي غيرت تصويتها بشكل مفاجئ من التأييد إلى الإمتناع هي إسبانيا والأرجنتين وسريلانكا وغينيا وتوغو).

في حين أن عدد الدول التي صوتت ضد مشروع القرار لا يزال منخفضا (6) – الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وألمانيا وهولندا وليتوانيا وإستونيا – هذه المرة فشل مشروع القرار في حشد أغلبية واضحة. في أبريل، صوتت 33 دولة لصالح القرار في حين امتنعت 17 عن التصويت. يوم الخميس للمرة الأولى كان عدد الدولة التي امتنعت عن التصويت أكبر من عدد الدول التي أيدت القرار.

نائبة وزير الخارجية تسيبي حاطوفيلي كانت من بين المسؤولين الإسرائيليين القلائل الذين أشاروا إلى هذا الإنجاز النسبي. “حقيقة أن عددا أكبر من الدول امتنع عن دعم القرار يؤكد التحفظات العميقة لدى كثير من الدول بشأن هذه القرار المشين”، كما قالت.

ما يجعل من هذه الأرقام جديرة بالإشارة أكثر هو حقيقة أن مشروع قرار يوم الخميس تضمن إشارة إلى “أهمية البلدة القديمة في القدس وأسوارها للديانات السماوية الثلاث”. القرار السابق لم يشمل عبارة كهذه؛ قام الفلسطينيون بإدخالها هنا أملا منهم في الحصول على دعم دول كانوا يخشون بأنها لن تكون مرتاحة مع نص لا يضم أي إشارة إلى مواقع يهودية ومسيحية للمدينة المقدسة. مع ذلك هبط التأييد للقرار من 33 دولة إلى 24.

السفير الإسرائيلي لدى اليونسكو، كرمل شاما هكوهين، قال لتايمز أوف إسرائيل الخميس: “لقد خسر الفلسطينيون كل الدعم في أوروبا، بما في ذلك في فرنسا وإسبانيا وحتى السويد”. وأضاف: “إلى جانب حقيقة أن بلدان رئيسية مثل الهند والأجنتين غيرت من التأييد إلى الإمتناع، هذا إنجاز هام، بالنظر إلى الظروف التي كانت بداية والأصوات السابقة. في نهاية المطاف، غالبية أعضاء المجلس التنفيذي لليونسكو، وبالتأكيد الغالبية العظمى من العالم الغربي الديمقراطي، لم تدعم مشروع القرار هذا”.

هيليل نوير، رئيسة منظمة “رصد الأمم المتحدة” التي تتخذ من جنيف مقرا لها، ذهب أبعد من ذلك وقال إن “الفلسطينيين منيوا بهزيمة كبيرة في الساحة الدولية”.

في حين أن نوير كتب على مدونة “رصد الأمم المتحدة” أن على كل دولة رفضت معارضة النص أن تشعر بالخجل من نفسها، “في عالم السياسة الواقعية للأمم المتحدة إن تغيير من تصويت ب’نعم’ إلى ’الإمتناع’ يمكن أن يقول الكثير، مسببا تموجات كبيرة في العلاقات الدبلوماسية مع الدول المتضررة. كل حركة في التصويت يتم رصدها بعناية كمؤشر على الدعم السياسي والتحالف”.

لكنه أشار إلى أنه من السابق لأوانه الإعلان عن التصويت الذي أجري يوم الخميس على أنه تغيير في التوجه المعادي لإسرائيل في الأمم المتحدة. وبالفعل، قد يكون النجاح النسبي هذا الأسبوع نابعا فقط عن عدم إستعداد العالم تأييد قرارت تشوه التاريخ بصورة واضحة ووقحة بشكل أعمى. قد يحصل قرار في مجلس الأمن الدولي يدين المستوطنات الإسرائيلية أو يدعو إلى انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية في المستقبل على أغلبية ساحقة على الأرجح.

ومع ذلك، حقيقة أن إنتصار يوم الخميس شابه إتجاه سلبي في صالح إسرائيل لم تغب عن بال الفلسطينيين.

وزراة الخارجية في رام الله قالت في بيان لها بأنها تأسف على موقف الدول التي لم تصوت لصالح القرار “لتماهي هذه الدول مع حملة البلطجة والعلاقات العامة التي أدراتها اسرائيل، بحيث حولت التركيز عن ممارساتها غير الشرعية في مدينة القدس المحتلة، وخلق اكاذيب غير موجودة في متن واهداف القرارات التي تهدف الى وضع حد للإجراءات الخطيرة وغير الشرعية ضد المواقع المقدسة، وحقوق الشعب الفلسطيني بما فيها الحق في العبادة في مدينة القدس، على الرغم من أن هذه الدول على اطلاع تام بخطورة الاوضاع في القدس”.

في حين أنهم رحبوا بإعتماد القرار واصفين الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية بأنها “بروبغندا” و”تشويه حقائق”، تعهد الفلسطينيون بمواصلة جهودهم لدفع المجتمع الدولي لمواجهة إسرائيل.

بكلمات أخرى، للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء أسباب تدعوهم للتذمر من تصويت يوم الخميس. وقد هذا هو سبب إرتباك البرازيليين.

______________________________

فيما يلي توزيع أصوات الدول الأعضاء في المجلس التنفيذي للينوسكو الخميس:

الدول التي صوتت لصالح القرار هي: الجزائر، البرازيل، تشاد، الصين، جمهورية الدومينيكان، مصر، إيران، لبنان، ماليزيا، المغرب، موريشيوس، المكسيك، موزمبيق، نيكاراغوا، نيجيريا، عُمان، باكستان، قطر، روسيا، السنغال، جنوب أفريقيا، السودان وفيتنام.

الدول التي صوتت ضد القرار: إستونيا، ألمانيا، ليتوانيا، هولندا، بريطانيا والولايات المتحدة.

الدول التي امتنعت عن التصويت: ألبانيا، الأرجنتين، الكاميرون، السلفادور، فرنسا، غانا، اليونان، غينيا، هايتي، الهند، إيطاليا، ساحل العاج، اليابان، كينيا، نيبال، برغواي، سانت فنسنت ونيفيس، سلوفانيا، كوريا الجنوبية، إسبانيا، سيريلانكا، السويد، توغو، ترينيداد وتوباغو، أوغندا وأوكرانيا.

صربيا وتركمنستان غابتا عن التصويت.