معبر إيريز، شمال قطاع غزة- لافتات القماش على الطرق السريعة الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة تروي قصة المزاج العام في هذه الأيام.

“صامدون في الجبهة الداخلية – منتصرون في الجبهة”، كُتب على واحدة من اللافتات. على أخرى كُتب، “معا سننتصر” بالقرب من محطة وقود حيث تناول جنود احتياط بدى عليهم التعب, وجبة الإفطار مع عائلاتهم، بعض اللافتات كانت عدوانية أكثر. “هل فقدنا عقولنا؟ اقطعوا الكهرباء عن غزة الآن!” كُتب على إحداها باللون الأسود والأحمر، بينما اقتُتبست على لافتة أخرى آية من المزامير 18: “أتّبع أعدائي فأدركهم ، ولا أرجع حتى أفنيهم”.

ولكن عند معبر إيريز، على الحدود الخارجية لشمال قطاع غزة، الأجواء أكثر استرضائية. إيريز هي بوابة غزة الوحيدة لدخول الأشخاص إلى إسرائيل، وخلال عملية “الجرف الصامد” عبر أكثر من 400 فلسطيني المعبر من خلال سيارت إسعاف بهدف تلقي العلاج الطبي في مستشفيات إسرائيل والضفة الغربية.

في 21 يوليو، قام الجيش الإسرائيلي بفتح مستشفى ميداني في المعبر الحدودي الضخم، بهدف توفير علاج طوارئ للمدنيين المصابين في غزة والغير قادرين على تلقي الرعاية الطبية في المنشآت الطبية المنهارة في القطاع. بعد أسبوعين، دعا المكتب الإعلامي للحكومة حافلة مليئة بالصحافيين الأجانب لإلقاء نظرة على المستشفى للمرة الأولى، في سعي منه لإظهار الجهود التي يبذلها الجيش الإسرائيلي لحماية حياة المدنيين الفلسطينيين.

مع طاقم دائم مكون من 20 طبيبا وممرضا ومسعفا في الموقع، يتباهى المستشفى الميداني في إيريز بمعدات إنعاش متطورة وغرفة ولادة وصيدلية وخدمات مختبر. ويشمل المتخصصون طبيب أطفال وطبيب عيون وطبيب نساء. مع ذلك وبالرغم من الحرص الواضح للطاقم الطبي الإسرائيلي على معالجة المرضى الفلسطينيين، يوم الجمعة كان المستفى خاليا تماما.

دمى أطفال ملونة تجلس من دون أن يلمسها أحد على سرير في غرفة الأطفال؛ يتجول الأطباء بالزي العسكري والعباءات البيضاء في الممرات الخالية، مع السماعات حول أعناقهم.

يقول اللفتنانت كولونيل شارون بيطون من مكتب تنسيق أنشطة الحكومة في الأراضي الفلسطينية، الفرع في الجيش الإسرائيلي المكلف بالشؤون المدنية الفلسطينية، والذي قام بإنشاء المستشفى بمشاركة الوحدة الطبية للجيش الإسرائيلي. منذ تأسيسه، عالج المستشفى حوالي 50 فلسطيني، وقدم علاجا منقذا للحياة للبعض، كما قال.

ويقول بيطون لتايمز أوف إسرائيل، “في البداية رفض الناس العلاج، ولكن بعد ذلك هدأوا وأدركوا أننا إلى جانبهم تماما. نحن منفصلون تماما عما يجري في الداخل [قطاع غزة]”.

يتوقع المرء أن يرى نشاطا أكبر في المستشفى الميداني الذي يحتوي على أحدث التقنيات الطبية، نظرا للعدد الكبير من المصابين الفلسطينيين على بعد بضع كيلومترات فقط في مستشفيات غزة التي تعاني نقصا في الطواقم الطبية والمعدات. يقول بيطون أن القوة الرئيسية التي تبعد الفلسطينيين عن المستشفى هي حماس.

في إحدى الحالات يقول بيطون، تم إحضار طفل في السابعة من عمره إلى المستشفى وتم تشخيص فوري لحالته، حيث تبين أنه يعاني من سرطان الدم. قبل تحويله إلى مستشفى “شيبا” خارج تل أبيب، طُلب من جدته التوقيع على استمارات دخول إسرائيلية.

ويقول بيطون، الذي يشرف على الترجمة العربية-العبرية في المستشفى، “في البداية قالت الجدة أنها لا تستطيع القراء أو الكتابة، ولكن بعد ذلك قالت لنا أنها مديرة مدرسة، لذلك تبين أنها قادرة على ذلك”، وأضاف، “عندما سألتها عن السبب الذي دفع بها إلى قول ذلك، قالت أنه يبنغي علي أن أتفهم الخوف وعدم الثقة الأساسيين، الذين أفهمهما في الواقع”.

المرضى القلائل الذين وصلواإلى إيريز جاءت بهم وحدات الجيش الإسرائيلي المقاتلة في الميدان، أو قامت الأونروا أو الصليب الأحمر بتحويلهم. تم إحضار سيدة تبلغ من العمر 75 عاما بعد أن تركتها عائلتها التي فرت من خان يونس على أيدي جنود إسرائيليين إلى إيريز وكانت تعاني من حالة جفاف وتعب. وصل شاب يبلغ من العمر 21 عاما في حالة خطيرة جراء إصابته بشظية في رئته. تم تحويل الإثنين إلى المستشفيات الإسرائيلية.

وتقول اللفتنانت كولونيل راحيل ميزان، رئيسة الممرضين في الوحدة الطبية ورئيسة المستشفى الميداني، “لدينا قدرات تنتظر حضور سكان غزة لتلقي العلاج الطبي”، وأضافت، “لدينا خبرة كبيرة في هذا النوع من المهام. لقد أقمنا المستشفى بسرعة وتكيفنا مع الاحتياجا المتغيرة. في بعض الحالات تمكنا بكل تأكيد من إنقاذ أرواح”.

اشتركت ميزان في عدد من المهام الإنسانية للجيش الإسرائيلي في الخارج، آخرها في الفريق الطبي الإسرائيلي الذي تم إرساله إلى الفلبين في أعقاب إعصار “هايان” في نوفمبر 2013.

لم يكن جميع الصحافيين المشاركين في الجولة مقتنعين بأن المستشفى الخالي هو خطوة جيدة للعلاقات العامة بالنسبة للجانب الإسرائيلي. مال البعض منهم للإعتقاد بأن هذه حيلة إسرائيلية لكسب التعاطف الدولي، كماأنه ليس من المنطقي التوقع من الفلسطينينين أن يقوموا بطلب المساعدة الطبية من جيش العدو.

أحد المراسلين الفرنسيين قال، “كنت متفاجئا من عدم وجود فلسطينيين هنا”، وأضاف،”قد يحدث ذلك ضررا كبيرا لصورة إسرائيل”.

وقال الصحافي أنه بدلا من إستخدام صور المستشفى الخالي لتشويه صورة إسرائيل، سيتجاهل كليا القصة بأكملها.