يسمع راعي بدوي صوت تكسّر الفخار وهو يلقي الحجارة في كهف أثناء البحث عن أغنامه المفقودة بين المنحدرات القاحلة المحاذية للبحر الميت. يدخل الكهف ويكشف عن مخطوطات تعود الى قبل 2000 سنة.

وقد مرت سبعة عقود منذ اكتشاف حوالي 900 مخطوطة وما يصل إلى 50,000 قطعة في كهوف قمران. أما الآن، فإن اتهامات عمليات التزوير التي تبلغ قيمتها مليون دولار تجعل من هذه العملية تتمة جديرة بالإهتمام.

إنها رواية جريمة تنطوي على شبكة معقدة من صفقات عالية المخاطر مع مصادر مشكوك فيها، ولم يتم بعد الكشف الكامل عن العملية التي يجري فيها تصنيع عمليات التزوير. الدافع واضح تماما: أصغر القطع القديمة تابع بأكثر من 100,000 دولار.

كهوف قمران. (Shmuel Bar-Am)

كهوف قمران. (Shmuel Bar-Am)

ومنذ عام 2002، كانت أسواق الآثار الخاصة في العالم مشبعة بالجلود التي تعود لآلاف السنين، والتي على ما يبدو، وفقا لتفتيش الخبراء، فإنها حديثة الصنع. وقد دفع هذا الأمر بعض العلماء إلى الإعتقاد بأن واحدة أو أكثر من مكتشفاتهم الأصلية قد سرقت لصنع وانتشار الجلود المزيفة التي يتم صناعتها للعدد المتزايد من هواة جمع الآثار في المسيحية الإنجيلية.

وقال العلماء أن متحف الكتاب المقدس المقرر افتتاحه في نوفمبر في واشنطن، من بين أولئك الذين “خدعوا” بملايين الدولارات. سلسلة من المقالات الأخيرة في المجلات الأكاديمية المحترمة تشكك في صحة ما لا يقل عن نصف دزينة في كنز القطع والمخطوطات الصغيرة.

ومن بين أولئك الذين يزيدون الوعي بشأن المخطوطات المزورة، الكاتب دكتور كيب ديفيس، وهو باحث في جامعة ترينيتي الغربية ومنتسب لمعهد مخطوطات البحر الميت في الجامعة.

وقال ديفيس لتايمز أوف إسرائيل: “هناك توافق متزايد في الآراء بين علماء مخطوطات البحر الميت بأن العديد من القطع في المجموعات الخاصة مزيفة”.

د. كيب دافيس، باحث في جامعة ترينيتي الغربية ومنتسب لمعهد مخطوطات البحر الميت في الجامعة. (Jon Petter Thorsen)

د. كيب دافيس، باحث في جامعة ترينيتي الغربية ومنتسب لمعهد مخطوطات البحر الميت في الجامعة. (Jon Petter Thorsen)

في مقالته الأخيرة، “كهوف النزاع”، التي نشرت في سلسلة اكتشافات البحر الميت في بريل هذا الشهر، وجد ديفيس أن ستة على الأقل من مجموع 13 قطعة في متحف الكتاب المقدس التي نشرت هي مزيفة. (“نشرت”، في هذا السياق، تشير إلى القطع الأثرية التي تم بحثها من قبل الخبراء، والنتائج التي توصلوا إليها في المجلات الأكاديمية. مجموعة متحف الكتاب المقدس يتضمن ثلاث قطع أخرى لم يتم نشر أصلها ومحتواها بعد).

في حديث مع التايمز أوف إسرائيل، قال ديفيس في حين أنه مقتنع بأن ستة من القطع مزيفة: “فإن الرقم قد يكون أعلى”. هناك من يعتقدون أن جميع القطع الـ 13 مزيفة. أنا لست في هذه المرحلة بعد، ولكن لدي زملاء متأكدين إلى حد ما أنها مزيفة”.

وبعيدا عن تجاهل تأكيدات التزوير، يرعى متحف الكتاب المقدس أبحاث ديفيس وأبحاث علماء آخرين.

أرستين جوستنس، أستاذ الدراسات التوراتية في جامعة أغدر في النرويج، بنى موقع المدونة “قلم الكتّاب الكاذب” لتوثيق الإستخدام العام والمجاني للأدلة المتزايدة للتزييف في قطع البحر الميت بعد عام 2002.

في رسالة عن طريق البريد الإلكتروني لتايمز أوف إسرائيل، وضح جوستنس “الرسالة الصامتة” لمدونته. “الى الجميع: الحذر، فإنها مزيفة، إنها مجموعة واحدة! إنها جزء من لعبة واحدة. الى الخبراء: توقفوا عن النشر (الذي يعني بحكم الأمر الواقع مصادقة) مواد غير مثبتة. الى الطلاب: تعلموا من أخطائنا. الى الصحفيين: أنت بحاجة ماسة للكتابة عن هذا. هذه القصة أصعب من قصة إنجيل زوجة يسوع [حالة تزوير حديثة عالية الخطورة بإستخدام ورق البردي القديم] بسبعين مرة”.

في الماضي، كان الكربون الذي يحدد تاريخ المخطوطات الجلدية كوسيلة مؤكدة لإختبار الأصالة. ومع ذلك، ولأنه يشتبه في أن العديد من هذه القطع “الجديدة” تستخدم الجلود القديمة البالغة من العمر 2000 سنة باعتبارها “لائحة”، فإن التكنولوجيا الإحتياطية القديمة غير كافية.

“تحديد التاريخ عن طريق الكربون لم يعد فعالا. من الممكن ومن المؤكد أنه قد تم التلاعب بالمواد القديمة في العصر الحديث”، قال ديفيس.

ومع خروج الكربون من الصورة، يتجه العلماء الدوليون إلى اختبار جديد غير موسع لإثبات – أو دحض – صحة القطع “المشكوك فيها” في المجموعات الخاصة. ما وجدوه هو مذهل.

تاريخ طويل من التزييف

الطريق من أكبر اكتشاف في القرن العشرين إلى التزوير في أسواق الآثار كان مباشرا. وبعد اكتشافها مباشرة في الفترة ما بين عامي 1947-1948، حصل المتحف الأثري الفلسطيني (روكفلر) على المخطوطات الأصلية بسرعة، أنذاك تحت السيطرة الأردنية، من البدو الذين وجدوها، أو من العرب المسيحيين الفلسطينيين الذين باعها لهم الرعاة.

ووفقا لعالمة الآثار بنينا شور، أمينة ورئيسة مشاريع مخطوطات البحر الميت التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية، فإن البحث عن مخطوطات جديدة في البحر الميت كان دائما “سباقا بين علماء الآثار والبدو الذين يصلون إلى هناك أولا. لسوء الحظ، فإن البدو كانوا يصلون أولا”، ما يزيل معلومات المصدر للمخطوطات الحقيقية ويفتح الباب للتزوير.

الأب رولاند غيرين دي فو، الكاهن الدومينيكي الذي قاد الحفريات الأولية وعمليات الاستحواذ على مخطوطات البحر الميت، كتب في مجلاته عن الجهود الرامية إلى التخلص من عمليات التزوير المبكر قبل الشراء.

“في الخمسينات، علم مستلمو المخطوطات الأولون عن وجود التزويرات. شمل رولاند دي فو سلسلة من سبعة عشر من كتاباته اليومية الخاصة في المجلد الثاني من الإكتشافات الصحراوية اليهودية، وكثير منها وصف محاولة بيع قطع المخطوطات المزورة”، وفقا للمقال الأخير “تسعة مخطوطات مزيفة من البحر الميت في القرن الحادي والعشرين”.

ويوضح المقال أن الطريقة الأولى لتوثيق المخطوطات كانت تقليديا مقارنات كتابات قديمة باليوغرافية – أي دراسة أشكال الكتابة اليدوية القديمة والتاريخية وعمليات الكتابة.

“دي فو نفسه ميّز أول تزويرات واجهها وفقا لذلك، ووصفها على أنها عدة خطوط غريبة بأحرف العبرية المطبوعة [المربعة] وأن ذلك غير منطقيا، اذ كتبت بالحبر الحديث، على قطعة قديمة من الجلد الذي لم يكن عليها أي كتابة””، وفقا للمقال.

قاد دي فو، مدير المعهد الفرنسي للتوراة والآثار في القدس، في الغالب فريق كاثوليكي في البحوث الأولية والتوثيق لبروز مخطوطات البحر الميت المكتشفة وتم شراؤها في أواخر الأربعينيت وأوائل الخمسينات.

وقد تم إجراء العديد من هذه المشتريات من خلال تاجر في بيت لحم الذي تحول لتاجر آثار يدعى خليل اسكندر شاهين، ويعرف أيضا بإسم “كاندو”. ووفقا للعديد من الذين تحدثوا مع التايمز أوف إسرائيل، فإن أي مخطوطة تم شراؤها من كاندو تعتبر موثوقا بها.

الجنود الإسرائيليون في ساحة متحف روكفلر في القدس الشرقية خلال حرب الأيام الستة. (Government Press Office)

الجنود الإسرائيليون في ساحة متحف روكفلر في القدس الشرقية خلال حرب الأيام الستة. (Government Press Office)

بعد حرب الأيام الستة عام 1967، معظم مجموعة روكفلر المكونة من 40,000-50,000 قطعة (باستثناء حوالي 25 قطعة كانت موجودة في عمان وتبقى هناك حتى يومنا هذا) تحولت لملكية إسرائيل. منذ عام 1993 تم توثيقها بدقة وبحثها وحفظها من قبل السلطات الأثرية الإسرائيلية في القدس. وقال ديفيس أنه لا يشتبه في أن أي من هذه القطع مزيفة.

منذ عام 2002 كان هناك ازدهار نسبي في مبيعات مخطوطات البحر الميت الخاصة، جزءا منها من خلال ابن كاندو ويليام، الذي تولى الشركة العائلية بعد وفاة والده عام 1993. في العقدين الماضيين، ويليام كاندو خرج ببطء إلى السوق الخاص لبيع قطع المخطوطات التي كانت مخزّنة في قبو سويسري حتى ارتفاع الأسعار لتستحق البيع.

لم تكن قطع ويليام كاندو وحدها. قال ديفيس: “إنني أميل إلى الإعتقاد بأن السوق تغير في وقت ما بين منتصف وأواخر التسعينات، عندما بدأت فجأة كل هذه القطع الغريبة جدا في الظهور والتي لم يكن لها أي مصدر”.

قال شور في حديث في مختبرات مخطوطات البحر الميت في القدس التابعة لسلطة الآثار الإسرائيلية، وهو المركز الرائد في مجال البحث والحفظ في هذا المجال، إن تجارة الآثار كانت مربحة تاريخيا لبعض العائلات التي لها علاقات قوية مع البدو، بما في ذلك عائلة كاندو. وقال شور إن استمرار التجارة في كل من القطع الأصلية وغير الأصلية، يرتبط بحقيقة أنه على عكس معظم البلدان المجاورة، لا تزال إسرائيل تسمح للتجارة بالآثار.

“لحزننا لم يغير الكنيست بعد القانون الذي يسمح ببيع القطع الأثرية التي تم اكتشافها قبل عام 1978”. ويقول معظم الخبراء الإسرائيليين أنه ينبغي إغلاق هذه الثغرة، ويجب وقف جميع عمليات التداول في الآثار.

وقال شور إنه مع ارتفاع قيمة هذه القطع، هناك تكاثر في التجار الذين قد تكون قطعهم أصلية أو غير أصيلة. وأضاف: “إن السوق قد تكون ملوثة بالتزوير. هناك شعور بأنه ليس كل شيء حقيقيا”.

أهم جامعي الآثار في القطاع الخاص

بما أن الدلائل المتزايدة تشير إلى وجود كثرة التزييف في السوق، فإن المشتريات الأخيرة التي يقوم بها جامعو الآثار في القطاع الخاص يجري فحصها عن كثب. في مقدمتها شركة “هوبي لوبي”، وهي سلسلة الفنون والحرف اليدوية التي ترعى متحف الكتاب المقدس والذي من المفروض أن يفتح قريبا في واشنطن العاصمة.

بين عامي 2009-2014، اشترى ستيف غرين، صاحب هوبي لوبي، ما يصل إلى 16 قطعة بإسم الشركة. تم التبرع بها للمعرض في المتحف، بالإضافة الى الآلاف من التحف التوراتية الأخرى. وكانت هوبي لوبي قد تصدرت العناوين مؤخرا عن التواطؤ “دون معرفة” في تهريب حوالي 5,500 قطعة أثرية قديمة، بما في ذلك حوالي 1,000 طينية، من العراق عن طريق فريق دولي من التجار. وقد تم اعتقال ثمانية إسرائيليين في أواخر يوليو/تموز أثناء التحقيق الدولي، ودفعت الشركة غرامة اتحادية بمبلغ 3 ملايين دولار وفقدت آلاف القطع الأثرية.

ستيف غرين (أقصى اليسار)، الأب غبريال نداف، عضو مجلس الشيوخ يوئيل إدلشتاين، متحدث الكنيست وأماندا فايس، المديرة التنفيذية لمتحف أراضي الكتاب المقدس، كانوا جميعا في حدث كشف كتاب للصلاة في سبتمبر 2014. (Courtesy Bible Lands Museum)

ستيف غرين (أقصى اليسار)، الأب غبريال نداف، عضو مجلس الشيوخ يوئيل إدلشتاين، متحدث الكنيست وأماندا فايس، المديرة التنفيذية لمتحف أراضي الكتاب المقدس، كانوا جميعا في حدث كشف كتاب للصلاة في سبتمبر 2014. (Courtesy Bible Lands Museum)

وقال غرين في بيان إن الشركة تعاونت مع الحكومة الأمريكية و”كان ينبغي أن تمارس المزيد من الرقابة وتساءلت بعناية كيف تم التعامل مع عمليات الإستحواذ”. ربما يمكن أن يقال الشيء ذاته عن قطع مشتريات البحر الميت المشكوك فيها.

ومن الجدير بالثناء أن متحف الكتاب المقدس وعدد قليل من المجموعات الخاصة الأخرى، بما في ذلك مجموعة “شوين” في لندن وأوسلو، يدعمون أبحاث التوثيق الخاصة بهم.

وقال الدكتور مارتن شوين، الذي ورث مجموعة شوين في عام 1962 من والده، أنه في حين تم نشر النتائج الأولية في المنتديات الأكاديمية مثل مقالات بريل، هناك حاجة إلى المزيد من البحوث. في وقتها كان بحوزة المجموعة حوالي 1000 مجلد من الأدب النرويجي والدولي، والتاريخ، والسفر، والعلوم، بالإضافة إلى الآثار. الآن، المجموعة تحتوي على أكثر من 20,000 قطعة بعد إضافة مارتن شوين لعدد من القطع النقدية القديمة والآثار، بالإضافة الى الكتب المطبوعة في وقت مبكر والمخطوطات الهامة – بما في ذلك قطع مخطوطات البحر الميت.

أصبح شوين مقتنعا بأن معظم قطع البحر الميت في المجموعات الخاصة الرائدة هي مزيفة. ولإستيائه، يعتقد أن واحدة تقريبا من بين كل ستة قطع في مجموعته تقع ضمن تلك الفئة.

“إننا في مرحلة مبكرة في عملية العثور على الحقيقة حول صحة حوالي 15% من الشظايا في مجموعتي، وتقريبا جميع القطع في ثلاث مجموعات لجامعات أمريكية أخرى، والقطع كلها في متحف الكتاب المقدس، وكشف أسماء الباحثين في مخطوطات البحر الميت الذين شاركوا في نهاية المطاف في تزييف النصوص، للإدلاء ببيان في هذه المرحلة”، كتب شوين.

وفي هذه الأثناء، دعم كل من شوين ومتحف الكتاب المقدس بحث مجموعة متعددة التخصصات من العلماء الشباب الذين يبحثون عن المصادقة. وقال العلماء إنه حان الوقت، نظرا لأن المنح الدراسية الدولية المستمرة المستمدة من هذه القطع الإشكالية قد تسللت إلى كيفية قراءة الكتاب المقدس اليوم.

شبكة متشابكة منسوجة

في البداية، لم تكن أي أعلام حمراء حول ظهور قطع “جديدة” في السوق في التسعينات. ولكن، استقبلت هذه القطع مع شعور متحمس للإكتشاف بين العلماء “العطاشى” بعد جفاف لعدة عقود.

كان الفريق المكون من زوج وزوجة، عالم الآثار/المؤرخ حنان والخطاطة إستر إيشيل، من بين الذين نشروا الإكتشافات الجديدة وتم استغلالهم من قبل المشترين للتحقق من القطع.

وفي حديث مع التايمز أوف إسرائيل هذا الأسبوع، قالت إستر، وهي أرملة الآن، أنه في ذلك الوقت، لم يكن هناك ببساطة “خيار التزوير” بشأن قطع مخطوطات البحر الميت.

يستخدم العلماء أعلى معدات التصوير لدراسة ورق البردي من مجموعة المتحف.(Museum of the Bible)

يستخدم العلماء أعلى معدات التصوير لدراسة ورق البردي من مجموعة المتحف.(Museum of the Bible)

في محادثة، ردد دافيس هذه المشاعر: “حتى الآونة الأخيرة، بشأن قطع مخطوطات البحر الميت كان هناك اعتقاد طويل الأمد بأن مجالنا كان خاليا من الحيل، وأن كل ما كان لدينا كان حقيقيا وكان أحد أسباب ذلك، أن هناك قدرا هائلا من الثقة التي وضعت في نزاهة أسرة كاندو”.

وقالت إيشيل، وهي أستاذة في جامعة بار إيلان، إن الأمور تغيرت “عندما بدأ السوق بالجنون مع وجود الناس الذين يدفعون ما يصل إلى 800,000 دولار لقطع صغيرة (…) إذا كان هناك بالفعل تزييف، هناك ما يستحق القيام بذلك”.

في التسعينات وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت إيشيل وزوجها في طليعة دراسات مخطوطات البحر الميت، ونشروا نتائجهما بشكل سريع. تتضمن منشوراتهما العديد من القطع المباعة في طفرة سوق ما بعد عام 2002.

وقال ديفيس في محاضرة هذا الصيف: “تقريبا كل واحدة من هذه الإكتشافات قد انقلبت الآن في دراسات لاحقة، وتشتبه تقريبا جميع القطع بأنها مزيفة”.

وفي الوقت نفسه، يربط ديفيس دراسات الزوجين إيشيل المثيرة للمشاكل بـ”الشغف العميق للإكتشاف”، وفقدان السيطرة على التفكير في “لحظة الإثارة”. وقال للتايمز أوف إسرائيل: “لا أستطيع أن أتخيل أن أيا منهما لديه عقدة نفسية أو النقص في الضمير ليقوما بهذا النوع من تلفيق التاريخ”.

في محادثة هاتفية سريعة هذا الأسبوع، قال إيشيل بحزم: “كنا نظن أنها تبدو جيدة … لم يخطر لنا أنها غير عادية، ولكن كل شيء كان صغيرا جدا. فعلت قصارى جهدي حينها مع ما كان متاح لدينا”.

وقالت إيشيل إنها لا تزال غير مقتنعة بأن جميع القطع المشكوك فيها مزيفة بالفعل، ولكنها لم تعيد النظر في القطع. اليوم، بصفتها رئيسة مركز جيسلسون الخاص بعلم الكتابات المنقوشة للتاريخ اليهودي في جامعة بار إيلان، فإنها تعلمت دروسا ومضت قدما.

“أفضل نشر العمل الذي يأتي من الحفريات الأثرية. عندما تأتي القطع من السوق، تحدث مشاكل”، أضافت.

ملامح التزوير

هناك العديد من النظريات بين العلماء بشأن من الذي يقوم بالتزييف.

قال ديفيس: “هناك ما يكفي من الناس الذين يتلقون تدريبا خفيفا باللغة العبرية، وبعض الخبرات من خلال برنامج الدراسات العليا أو شيء من هذا النوع الذي يمكنهم من القيام ببعض هذه الأشياء”. وقال ضاحكا: “أميل إلى الإعتقاد بأنه من المرجح أن يكون القائمين على التزييف هم طلاب دراسات عليا سابقون، أو أشخاص الذين كان يعملون على الدكتوراه، ولا يستطيعون الحصول على عمل في هذا المناخ الشائك”.

ولكن ما هو واضح هو أن ما رفع مرتبة القطع المشكوك فيها هو ختم الموافقة من العلماء، والتي “تخلق القصص والأنماط الغامضة التي تأتي مع هذه القطع”، قال جوستنس. وقال أنه بدون تصديق العلماء على شكل متزايد، كان من الصعب جدا خلق سوق لهذه القطع.

ومع ذلك، وفقا لجوستنس، فإن معظم هذه التزويرات هي “بدائية نوعا ما، ويبدو أنها صنعت على يد هواة”.

“إن أحد الأمور المثيرة للإنتباه، هو أن القطع التى اقترحناها هى الأكثر تروبا، وأنها لم تصنع بشكل جيد… جيدة بما فيه الكفاية فقط لبيعها”. قال لجوستنس. وأضاف أنه في بعض الحالات الحروف يكون لها شكل غريب أو ليست معتدلة، أو أنها تبدو مطابقة لحافة القطع وغيرها من “المميزات غريبة الغريبة”.

'فيأشوف'، من قطعة نحميا 2:15 من التوراة، مع قطعة من متحف الكتاب المقدس كما تظهر العمل في طبعة عام 1937 من بيبليا هبرايكا. (Image by Bruce and Kenneth Zuckerman and Marilyn J. Lundberg, West Semitic Research, courtesy of Museum of the Bible.)

‘فيأشوف’، من قطعة نحميا 2:15 من التوراة، مع قطعة من متحف الكتاب المقدس كما تظهر العمل في طبعة عام 1937 من بيبليا هبرايكا. (Image by Bruce and Kenneth Zuckerman and Marilyn J. Lundberg, West Semitic Research, courtesy of Museum of the Bible.)

واحدة من هذه الميزات “الغريبة” وجدت في جزء يعزى إلى النبي نحميا، وهي موجودة في متحف الكتاب المقدس. على وجه الخصوص، تمت كتابة الكلمة العبرية “فيأشوف” مع خربشات إضافية بعد الحرف الأخير، التي تبدو وكأنها حرف ألفا (α) صغير باليونانية، و”متشابهة جدا”، وفقا لديفيس، إلى تدوين التشكيل الذي كان قد طبع في طبعة 1937 والذي وجد في التوراة.

“لا نستطيع أن نعرف مصدر هذا الخطأ الظاهر على MOTB.Scr.003175 [الآية عن نحميا]، ولكن عدم وجود أي معرفة موثوقة حول مصدر هذه القطعة يجب أن يعطينا وقفة دراماتيكية، وخاصة في ضوء علاقتها المحتملة لطبعة حديثة مطبوعة”، كتب ديفيس.

تم الكشف عن ايجاد أكثر غرابة من خلال مسح قطعة من مجموعة “شوين” في مستوى تكبير عالي للغاية: تم اكتشاف ذرات الملح الحديثة الشائعة التي قد رشت على سطح القطعة – والحبر من الآيات المكتوبة يظهر فوق هذه الحبوب.

ذرات الملح التي قد رشت على رأس رقعة قديمة على هذه القطعة من مجموعة شوين، والتي كتبت عليها الحروف السوداء اللامعة الحديثة. (With permission from Dr. Martin Schøyen)

ذرات الملح التي قد رشت على رقعة قديمة على قطعة من مجموعة شوين، والتي كتبت عليها الحروف السوداء اللامعة الحديثة. (With permission from Dr. Martin Schøyen)

“الحبيبات هي ذات حجم موحد ومبعثرة بطريقة تتوافق مع الملح الجاف والشائع وتم رشها بالتساوي على القطعة … البحث بواسطة تكبير أدق يؤكد أن الكريستال لا يتطور من المواد النباتية لأنها لا تمزق الألياف النباتية، ولكن بدلا من ذلك يجلس على سطح الحبر مع حبر لامع”، وفقا لمقال صدر مؤخرا استنادا إلى البحوث متعددة التخصصات الممولة من قبل مجموعة “شوين”.

“كتابة وترسب الأملاح، يعني أنها حدثت في العصر الحديث”، تلخص المقالة.

ثمة نقطة خلاف أخرى بين أولئك الذين يعتقدون أن القطع هي عمليات تزوير، وأنه من المستحيل معرفة معلومات عن المصدر، فمن المحتمل أن القطع ما بعد عام 2002 أتت من فترات زمنية ومواقع متباينة. ومع ذلك، وفقا لتحليل الباليوغرافية التي نشر في البحوث العلمية على قطع متحف الكتاب المقدس الذي قامت بها الدكتور آدا يارديني، مصممة باليوغرافية شهيرة للغة العبرية، هناك أوجه تشابه ملحوظة فيما بينها.

أولئك الموجودون في الفكر أنها تزوير يشيرون إلى تحليل يارديني أن العديد من القطع الفردية بعد عام 2002 كتبت جميعها بواسطة “أقلام القصب مع المناقير البالية”.

مخطوطة البحر الميت لقطعة كتاب نحميا وهي جزء من مشروع بحثي بمبادرة العلماء في متحف الكتاب المقدس الذي نشرته بريل في عام 2016. (Image by Bruce and Kenneth Zuckerman and Marilyn J. Lundberg, West Semitic Research, courtesy of Museum of the Bible.)

مخطوطة البحر الميت لقطعة كتاب نحميا وهي جزء من مشروع بحثي بمبادرة العلماء في متحف الكتاب المقدس الذي نشرته بريل في عام 2016. (Image by Bruce and Kenneth Zuckerman and Marilyn J. Lundberg, West Semitic Research, courtesy of Museum of the Bible.)

هذا التشابه لا يكاد يكون قاطعا: يارديني قد ذكرت سابقا أن العديد من القطع التي لا جدال عليها تأتي من مخطوطات كتبها نفس الكاتب. في عام 2007، قالت يارديني الرائدة في الباليوغرافية الإسرائيلية أن أكثر من 50 مخطوطة لقطع البحر الميت قد نسخها نفس الكاتب. بالإضافة إلى ذلك، تعرفت على الكتابة اليدوية لقطعة واحد على مخطوطات قمران وجدت في ستة كهوف في البحر الميت، وحتى على مخطوطات وجدت في قلعة متسادا التي تقع أسفل الشاطئ.

وشددت يارديني على تعقيدات التوثيق، وقالت لتايمز أوف إسرائيل أنه طلب منها مؤخرا مراجعة بعض أجزاء قطع متحف الكتاب المقدس، ربما في ضوء البحث الذي أجراه ديفيس وآخرون، ومرة أخرى “أعطت شهادة المصادقة”.

وعلى الرغم من قناعات العلماء الأصغر سنا بأن الكثير منها مزيفة. “لا زلت أعتقد أن القطع أصيلة”، قالت يارديني.

تأثير الأبحاث على التوراة

إذا فعلا أثبت أن قطع المخطوطات مزيفة، وبصرف النظر عن المخالفات المالية وحرج هواة جمع الآثار، فإن العواقب الأكاديمية كبيرة لأن محتواها أصبح راسخا في مجلات الدراسات، وانحراف التحليلات الإحصائية والتأثير على كيفية قراءة الكتاب المقدس اليوم.

وفي محاضرة مؤخرا، حذر ديفيس المجتمع الأكاديمي من أن لديه التزاما بالحفر بعمق في أي مخطوطات جديدة تظهر في السوق.

وقال ديفيس أن “الحكاية التحذيرية” لدور إيشيل في التحقق من القطع المشكوك فيها، “ينبغي أن تترك لنا جميعا وعيا أكثر عن مسؤوليتنا كعلماء (…) تاريخ مخطوطات النصوص التوراتية وآثارها الثقافية والإجتماعية مهمة جدا للعلماء لأن تكون أي شيء سوى التشكك فيها عمدا في مثل هذه الأحكام الظرفية الغامضة”.

ما وصفها دافيس دون تردد على أنها مخطوطات مزيفة بدون جدل، تؤثر على المناقشات “حول شكل وحالة نص الكتاب المقدس اليهودي في العصر الروماني”.

وأضاف: “إن دمجها زاد بشكل كبير من عدد نسخ من نصوص نحميا وتوبيت وسفر أخنوخ وغيرها، وقدم وجهات نظر خاطئة لهذه الأعمال على الأقل”.

ديفيس يبرز واحدة من التحديات التي تواجه العلماء ومالكي القطع على حد سواء: “المشكلة هي أن الكثير من جامعي الآثار في القطاع الخاص قد حصلوا على بعض أو الكثير من الآثار الخاصة بهم بشكل غير قانوني أو تحت طائلة. إنه أمر معقد بأن نتوقع أن يخسر المالكون كل شيء من أجل الكشف عن أصول القطع، ولكني أعتقد أن الضغوط الحالية ستدفع العلماء على الأقل إلى ممارسة المزيد من العناية في تحقيقاتهم بشأن المصدر والنشر”.

جهود جديدة نحو المصادقة

في الوقت الذي ينهي فيه متحف الكتاب المقدس الإستعدادات النهائية قبل افتتاحه في نوفمبر، فإنه يأخذ بشكل قاطع الطبيعة المشكوك فيها لمخطوطات البحر الميت بعين الإعتبار.

الدكتور مايكل هولمز، وهو عالم رائد في نصوص العهد الجديد ومحرر للكتابات المسيحية المبكرة، ومدير مبادرة العلماء في المتحف، وهو منتدى يوجه طلاب الجامعات أثناء دراسة القطع، قال أنه مع استمرار البحث في الـ -16 قطعة التابعة للمتحف، وبسبب شرائها في السوق المفتوح بدون أي مصدر، فإنه لن يكون مفاجئا إذا تبين أن بعض القطع مزيفة.

مدير مبادرة العلماء في متحف الكتاب المقدس الدكتور مايكل هولمز. (Museum of the Bible)

مدير مبادرة العلماء في متحف الكتاب المقدس الدكتور مايكل هولمز. (Museum of the Bible)

وقد دعمت مبادرة هولمز عمل ديفيس، كما كانت محررة في “مخطوطات البحر الميت في مجموعة المتحف” لعام 2016، وهي طبعة موثوقة تصف 13 من أملاك المتحف، التي أتهم فيها ديفيس المتحف بإمكانية التزوير. وقال هولمز إن نتائجه الباليوغرافية المقلقة دفعت مبادرة العلماء إلى مواصلة أبحاثها بشأن صحتها.

وفي خريف عام 2016، دعت مبادرة العلماء أيضا البروفسورة إيرا رابين، من معهد بحث ودراسة المواد، إلى التحقيق في القطع باستخدام أساليب المعهد الألماني الإبداعية وذات والتكنولوجيا الفائقة لتحليلات المواد المتعددة الأطياف لتحديد خصائصها الفيزيائية. وقال هولمز أن رابين بحثت خمسة قطع في مختبرها فيابريل ويونيو الماضي وهي حاليا بصدد كتابة ما توصلت اليه من نتائج. ومن المقرر أن يتم فحص القطع الأخرى في عام 2018.

“وبإختصار، يقوم الدكتور ديفيس بالبحث قي الكتابة اليدوية للمخطوطات، في حين تقوم الدكتورة رابين بتحليل المواد المتعددة الأطياف للقطع لتحديد خصائصها الفيزيائية. وقال هولمز إن النتائج المجمعة لهذين النهجين ستساعد في تحديد ما إذا كانت أي من قطع المتحف غير أصلية”، قال هولمز.

واليوم، يساهم مختبر مخطوطات البحر الميت التابع لسلطة الاثار الإسرائيلية للبحث العلمي أيضا في البحوث التي يمكن أن تساعد في التأكد من أصول المخطوطات، بدءا من اختبارات الحمض النووي للأوراق، إلى تطوير تحليل الحبر.

متحف الكتاب المقدس، المقرر افتتاحه في واشنطن العاصمة في نوفمبر 2017. (Courtesy)

متحف الكتاب المقدس، المقرر افتتاحه في واشنطن العاصمة في نوفمبر 2017. (Courtesy)

ومن المفترض أن يستمر سوق التزوير طالما أن إغراء امتلاك قطعة من كلام الله يغري المجتمع الإنجيلي المسيحي المتزايد، الذي لا تملك دائما الوسائل العلمية للتحقق من المشتريات العالية الثمن.

في حين أن عائلة غرين الغنية والموظفين في متحف الكتاب المقدس قادرين على اتخاذ نهج فلسفي بشأن خطر التزييف، وهناك هواة جمع اثار ومراكز أصغر في المجتمع الإنجيليي المسيحي – بما في ذلك بعض الجامعات المسيحية في الولايات المتحدة – التي تتحدى للحصول على الكتاب القديم الخاص.

قطع من مخطوطات البحر الميت، والتي تشمل أقدم المخطوطات الكتابية الباقية على قيد الحياة والتي يرجع تاريخها إلى ما بين 150 قبل الميلاد و 70 بعد الميلاد، وتعرض في متحف إسرائيل في القدس. (photo credit: Miriam Alster/Flash90)

قطع من مخطوطات البحر الميت، والتي تشمل أقدم المخطوطات الكتابية الباقية على قيد الحياة والتي يرجع تاريخها إلى ما بين 150 قبل الميلاد و 70 بعد الميلاد، وتعرض في متحف إسرائيل في القدس. (photo credit: Miriam Alster/Flash90)

وقال ديفيس: “إن بائعي هذه القطع قد انتهكوا الإيمان ذي النية الحسنة للمسيحيين الإنجيليين، الذين استغلوا فكرة امتلاك قطعة من الكتاب المقدس الذي قرأه يسوع”.

مضيفا: “إن هذا أكثر من أن يكون مجرد شكل من أشكال التلاعب”. نظرا إلى مدى جديّة الإنجيليين بشأن مفهوم حرمة الكتاب المقدس. وحذر ديفيس من أن “هناك خطر إلحاق ضرر نفسي جماعي لهم”.

ومن المثير للإهتمام لهولمز من متحف الكتاب المقدس، ان الجدل يضيف في الواقع إلى النقاش حول موضوع مخطوطات البحر الميت.

وقال هولمز في رسالة إلكترونية للمتابعة: “أبلغني زملاء لي يعملون في المتحف أن عددا قليلا من القطع التي تم البحث في أصولها على الأرجح ستعرض في المتحف عند افتتاحه في نوفمبر. على كل حال، كل من المعلومات المطبوعة والدليل الصوتي سوف تناقش وبإيجاز مسألة الأصولية”.