أ ف ب – تجمع عشرات الاف المواطنين في وسط بيروت مساء السبت بناء على دعوة ناشطين في المجتمع المدني منددين بالطبقة السياسية بمجملها التي يتهمونها بالفساد وبالعجز عن تأمين ادنى متطلباتهم الحياتية.

وهي التظاهرة الاكبر في تاريخ لبنان التي تحصل بمبادرة من المجتمع المدني ولدوافع اجتماعية، اذ اعتاد اللبنانيون المنقسمون بحدة حول السياسة والدين على النزول في الشارع بناء على توجيهات الزعماء السياسيين فقط.

وعلى الرغم من اجواء الفرح والرقص والاغاني والسلمية التي سادت اجواء التظاهرة، الا انها انتهت باعمال شغب قامت بها مجموعة صغيرة من الشبان الملثمين الذين اقدموا على ازالة شريط شائك يفصل بين مكان الاعتصام ومقر رئاسة الحكومة وعلى افتعال حرائق ورشق السراي الحكومي وعناصر قوى الامن بالحجارة.

وبعد اكثر من ساعتين على بدء اعمال الشغب، وبعد تكرار الطلب الى المعتصمين السلميين مغادرة المكان، تدخلت قوى الامن الداخلي فطاردت المشاغبين واوقفت عددا منهم، بحسب ما ذكرت على حسابها على موقع “تويتر”.

واعلنت حملة “طلعت ريحتكم” التي نظمت التحرك تبرؤها من المشاغبين.

واعتبر احد المنظمين اسعد ذبيان ان من يلجأ الى العنف “مستغل من بعض السياسيين” من دون ان يحدد هوية هؤلاء السياسيين.

وجاءت اعمال الشغب هذه لتعكر اجواء التظاهرة الحاشدة التي جمعت عشرات الاف الاشخاص الذين قدموا من كل المناطق.

وقال أحد المنظمين لوسيان ابو رجيلي لوكالة فرانس برس ان “عدد المشاركين بالتأكيد اكبر بكثير مما كنا نتوقع”.

وكانت التظاهرة ترافقت مع تدابير امنية مشددة وواكبت قوى الامن المسيرات التي انطلقت من نقاط عدة في العاصمة وصولا الى ساحة الشهداء في وسط بيروت، لكن قوى الامن توارت عن الانظار لدى بدء اعمال الشغب في انتظار مغادرة كل المعتصمين المكان، بحسب ما اعلنت مصادرها. ثم تدخلت.

وتكررت اعمال الشغب هذه خلال تجمعين احتجاجيين حصلا في نهاية الاسبوع الماضي.

وغصت ساحة الشهداء اليوم بالمتظاهرين من شباب ورجال ونساء واطفال وشيوخ، وهتفوا “ثورة، ثورة، ثورة” و”ليسقط حكم الازعر”. وعلى الرغم من ان السبب المباشر لانطلاق الحملة بعنوان “طلعت ريحتكم” كان ازمة النفايات، الا ان المتظاهرين حملوا معهم عشرات المطالب الحياتية المزمنة.

وفي نهاية التظاهرة، تلي بيان حدد للحكومة مهلة 72 ساعة للاستجابة للمطالب.

ومما جاء في البيان “معركتنا لا تزال في بدايتها حتى تعود مؤسساتنا ملكا للناس لا للزعماء. مستمرون حتى يصبح لنا رئيس جمهورية (…) مستمرون حتى استقالة وزير البيئة محمد المشنوق الذي فشل في اداء واجبه”. كما طالب البيان ب”حل مستدام بيئي وصحي لموضوع النفايات”.

وختم البيان “لسنا هواة تظاهرات. نزلنا لانكم خنقتمونا. نزلنا لان اولادنا يستحقون خيارا افضل”.

وبدأ حراك المجتمع المدني في نهاية تموز/يوليو بعد ان غزت النفايات شوارع بيروت ومناطق اخرى في ازمة نتجت عن اقفال مطمر رئيسي للنفايات جنوب العاصمة وعن انتهاء عقد شركة مكلفة جمع النفايات من دون التوصل الى ابرام عقد جديد.

ومنذ ذلك الحين، يتم جمع النفايات بشكل متقطع وترمى في اماكن عشوائية من دون معالجة وفي شروط تفتقر الى ادنى معايير السلامة الصحية. ولم تتوصل الحكومة الى حل للازمة بسبب انقسام السياسيين، وسط تقارير عن تمسك العديد منهم بالحصول على حصص وارباح من اي عقود مستقبلية.

واضيفت ازمة النفايات الى الازمة السياسية الناجمة عن شغور في موقع رئاسة الجمهورية منذ ايار/مايو 2014.

وفي ظل الانقسامات والتوترات الامنية المتقطعة على خلفية النزاع في سوريا المجاورة، مدد مجلس النواب ولايته للمرة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 حتى حزيران/يونيو 2017، في خطوة عارضتها شريحة واسعة من اللبنانيين معتبرة اياها غير قانونية.

ويعاني لبنان من انقطاع في التيار الكهربائي مستمر منذ انتهاء الحرب الاهلية قبل 25 عاما، ومن بطالة وبطء في المعاملات الادارية وديون عامة تبلغ حوالى سبعين مليار دولار.

وهاجم المتظاهرون جميع الاطراف السياسية من دون استثناء تحت شعار “كلن (كلهم) يعني كلن”.

وقال بيان المنظمين “اليوم كسرنا الحواجز من جماعات طائفية. فككنا كل الارتباطات التي ترهن مستقبلنا لصالح الزعماء. اليوم منعطف اساسي في حياتنا”.

وكان المنظمون حظروا رفع اعلام غير العلم اللبناني في التظاهرة. وحمل المتظاهرون لافتات هاجمت المسؤولين، في حين تنوعت المطالب من حل لازمة النفايات الى المطالبة بتامين الكهرباء والماء الى اسقاط النظام الطائفي وانتخاب رئيس للجمهورية واستقالة المجلس النيابي، وصولا الى حل لقانون الايجارات…

وارتفعت من مكبرات للصوت اغان واناشيد وطنية. ووقف ناشطون يوزعون على الوافدين اعلاما لبنانية كتب عليها “طفح الكيل”.

وقالت مريم، وهي امراة خمسينية، لوكالة فرانس برس “جئت لان غضبي كبير الى درجة لم اتمكن من البقاء في المنزل، وآمل ان يصل صوتي الى السياسيين الذين يسيئون استخدام السلطة”.

وقالت ديانا الحكيم (32 عاما) “جئت لاطالب بحقوقي. حقوقي الدنيا كمواطنة ان احظى بالاستشفاء والكهرباء وببلد نظيف”.

واضافت “لم انتخب مرة في حياتي، ولن انتخب الا متى رايت طاقما سياسيا جديدا ونظيفا”.

وقال ابو رجيلي لوكالة فرانس برس “نحن ضد الطبقة السياسية كلها. ليست تظاهرة حزبية. هي مطلبية لكل شعب لبنان، لكل الاحزاب”.

وشارك عشرات الفنانين في التحرك، في ظاهرة غير مألوفة في لبنان.

وقال الفنان غسان صليبا في مقابلة مع تلفزيون “ال بي سي” ان “ما يحدث اليوم لا يشبه اي شيء من قبل. في الماضي، كان زعيم يدعو الى التظاهر، اليوم كل الطوائف تشارك، لان جميع الناس يشعرون بالوجع”.

ورافقت حملات مكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي الحراك وانتشرت شعارات عدة، بالاضافة الى #طلعت_ريحتكم، هي #بدنا_نحاسب، و#عالشارع، و#مستمرون، و#طفح_الكيل، و#حلوا_عنا، و#كلن_يعني_كلن وغيرها.