أ ف ب – تعلو الإبتسامة وجه حنين الشابة العراقية ذات القوام الممشوق، عندما ترى للمرة الأولى فستانا بني اللون طرزت أكمامه باللون الذهبي سترتديه في عرض أزياء في بغداد، يمثل تحديا لمجتمع محافظ تنخره حروب دائمة.

وتواجه المشاركات في العرض الذي يقام بعد غد الجمعة بتنظيم من المصمم العراقي سنان كامل، نظرة مريبة من مجتمع غالبا ما يقرن عارضات الأزياء بـ”السمعة السيئة”.

في رواق معهد للتكنولوجيا مطل على منطقة الكرادة وسط بغداد، تتقدم حنين (22 عاما) بخطى ثابتة، بفستانها الطويل الذي كتبت على جزئه السفلي أبيات من “أنشودة المطر” للشاعر الراحل بدر شاكر السياب.

وتعمل حنين منذ خمسة أعوام في دار الأزياء العراقية التابعة لوزارة الثقافة، والتي غالبا ما يقتصر نشاطها على عروض محدودة لأزياء تقليدية.

وتقول لوكالة فرانس برس، “انا لا أخبر أحدا أنني عارضة أزياء، لأن لا أحد يتقبل فكرة أن أكون كذلك. الجميع يربطونها بأفكار سيئة”.

وتضيف الشابة ذات البشرة الحنطية والشعر البني المنسدل على كتفيها، “فقط أمي تعرف أنني أعمل كعارضة. والدي (…) يعتقد انني أعمل كموظفة في دار الأزياء، لكنه لا يعرف أنني أشارك في عروض”. وتتابع أن الناس “لا يعترفون بأنك تتحدى أو تجازف بحياتك كعارضة أزياء”.

وتقول سحر، وهي أيضا من دار الأزياء، “اسمع كلاما، لكن لا أهتم”. وتضيف هذه الشابة السمراء ذات الشعر البني الناعم، “يقولون (الناس) أن عارضة الأزياء لديها سمعة سيئة، ومن المعيب أن تقوم بما تقوم به”، إلا أنها تؤكد أن عائلتها المؤلفة من شقيقتين وست أشقاء، تدعمها.

عارضة ازياء عراقية خلال التجهيزات لعرض ازياء تدريبي في بغداد العراق، 6 مارس 2015 (ALI AL-SAADI / AFP)

عارضة ازياء عراقية خلال التجهيزات لعرض ازياء تدريبي في بغداد العراق، 6 مارس 2015 (ALI AL-SAADI / AFP)

استخدم المصممون والعارضات المعهد لعقد لقائهم الأول وتجربة بعض التصاميم التي ستعرض في فندق الرشيد. ومن المقرر أن تشارك 16 شابة في عرض تصاميم ستة مصممين، غالبيتهم من الهواة، وبينهم شاب واحد.

والعرض الذي يحاول استنساخ العروض العالمية، تجربة نادرة في بغداد.

ياسمين (اسم مستعار)، طالبة جامعية ستختبر للمرة الأولى عرض الازياء، بدعم من والدتها. إلا أن والدها لا يعرف أن ابنته ستقدم على التجربة.

وتقول الشابة ذات الشعر الأسود الحريري، والبالغة من العمر (21 عاما)، “لا اعتقد أن والدي سيمانع”، قبل أن تضيف بعد صمت “سنرى في حينه”.

أما والدتها ثناء (50 عاما) فتعرب عن فخرها بإبنتها، وان كان مشوبا ببعض القلق من ابلاغ والدها. وتقول، “لا أعرف كيف سأقنع والدها. طبعه أحيانا حاد لكن عنده مرونة ويتقبل، وإلا لما كنا بلا حجاب، برغم أنه رجل ملتزم دينيا”.

وخلال العقود الماضية، كان معتادا في بغداد رؤية نساء يرتدين تنانير قصيرة وملابس أقرب إلى الأسلوب الأوروبي المتحرر. إلا أن هذه العادات تبدلت مع تزايد التشدد الديني ودخول البلاد في حروب ودوامات عنف، ومعاناتها من حصار اقتصادي خانق دام نحو 13 عاما.

وتقول ثناء، “المجتمع العراقي لم يكن هكذا، لكن غيّره التشدد الديني (…) في الثمانينات، كان الناس يتقبلون الأمور بنظرة أقل تشددا”.

وتتابع، “بلدي العراق أحبه، وهو بلد فيه حضارة وتراث وصبايا حلوين (جميلات). دعونا نعيش (…) دعوا الناس يرون ماذا يوجد لدينا”.

لا تغيب هذه التحديات عن التحضيرات التي ينجزها كامل منذ أشهر.

ويقول، “رغبت في أن انقل هذه التجربة إلى العراق، وأن تكون خطوة أولى لمحاولة أن تصبح بغداد عاصمة للموضة”، مقرا بأن هذا الطموح يواجه معوقات أبرزها أن “ثمة مجتمع قبلي في العراق، والحياة تعتبر متحفظة”.

وبناء على تجاربه السابقة، يحاول كامل إنجاز الأمور بشكل مختلف.

عارضة ازياء عراقية خلال التجهيزات لعرض ازياء تدريبي في بغداد العراق، 6 مارس 2015 (ALI AL-SAADI / AFP)

عارضة ازياء عراقية خلال التجهيزات لعرض ازياء تدريبي في بغداد العراق، 6 مارس 2015 (ALI AL-SAADI / AFP)

فقد طلب المنظمون من العارضات توقيع تعهد يعفيهم من أي مسؤولية “قانونية وعشائرية”، والمبيت في الفندق في الليلة السابقة للعرض برفقة من يردن، بشرط أن تكون أنثى.

ويقول كامل، “المشكلة التي تحصل هي بين العائلة والمصمم. هي (العارضة) تحب أن تقوم بالأمر، لكن يأتيك مثلا ابن عمها ويسأل ‘لماذا نشرت صورة ابنة عمي؟‘”، قبل أن “يهدد ويقول أنه سيقوم بكذا وكذا”.

ويواجه العرض أيضا انتقادات لكونه يقام في بلد حيث يفقد المئات شهريا حياتهم جراء العنف.

على صفحة العرض على موقع “فيسبوك”، كتب المستخدم أمين الحسني: “ناس ملتهيه (مشغولة) بالجهاد والدفاع عن الوطن وانتوا ملتهين بل ‘فاشن شوو‘ (عرض الازياء)؟”.

ويقر كامل بصعوبة تقبل العراقيين للعرض في ظروف مماثلة، إلا أنه يرى فيه محاولة لتغيير الصورة السائدة عن العراق.

ويقول أن البلاد تعاني من “أزمة نازحين، أزمة إرهاب، أزمة إقتصادية واضحة. إذا قلت للناس أنا أقيم عرضا للأزياء، سيسألون +أنت وين والبلد وين؟+”، إلا أنه يصر عليه لإظهار أن “العراق ما زال على قيد الحياة”.

تعليقا على هذه الإنتقادات تقول سحر، “كل إنسان يقاتل على طريقته. الجيش في ساحة الحرب يدافع عنا (…) نحن بعملنا ندعم بلادنا”. وتضيف، “لا نريد أن تكون النظرة أن العراق سقط وانتهى”.

وفي المعهد، يستعد المصممون والعارضات للإفتراق إلى حين اللقاء مجددا في تدريب ليل الخميس الجمعة. وعلى رغم أن بعض الشابات أبدين إمتعاضا من تمضية ليلة في الفندق، إلا أنهن وافقن في نهاية المطاف.

وتقول حنين، “سأحضر أمي للنوم معي، وسنقول (لوالدي) أننا سنمضي الليلة في منزل أقاربنا”. وتضيف ضاحكة، “حياتنا كلها كذب بكذب”.